الهُويَّة وإشكالياتها في جبال النُّوبة
د. النور الوكيل الزبير
nourelwakil@yahoo.no
مدخل:
قال الله تعالى في محكم تنزيله: "يأيها الذين آمنوا إنَّا خلقناكم من شعوب وقبائل لتعارفوا إنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم إنَّ الله عليمٌ خبيرُ"(1) صدق الله العظيم.
إن مبدأ التعدديَّة لدى الخلق من الله سبحانه وتعالى لأمر طبيعي شرعه الخالق لغاية سامية، وهي التفكُّر والتدبُّر في عظمة الله تعالى وقدرته على خلق ما يشاء، ثمَّ استخدام العقل من البشر لفهم مدلولات هذا التنوُّع والغاية منه. غير أنَّ الاستعلاء البشري الناجم عن أوهام العرق والعلو، وما تصاحبه من أفكار وأفعال خارجة عن العقلانيَّة، وأخرى ناجمة عن الأمراض النفسية، فضلاً عن استبداد القوي وتسخيره لإرادات الشعوب الضعيفة لصالحه، منطلقاً من تسخير القوى الاقتصادية، العسكرية، التقنية والسياسية لنفسه على حساب الشعوب الفقيرة، هي إحدى أهم الأسباب المباشرة وراء إشكاليات الهُويَّة في جميع أنحاء العالم.
الهُويَّة ومدلولاتها:
(1) الهَُويَّة: تعني الهُوَّة أو البئر البعيدة القعر(2).
(2) الهُويَّة: تعني حقيقة الشيء أو الشخص، والتي تميِّزه عن غيره؛ نقول مثلاً: هُو مُنو؟ ونقول بطاقة هُويَّة.
(3) َعرَّف الفيلسوف الإغريقي أرسطو طاليس (384ـ322 ق.م) الهُويَّة بأنَّها الذات والجوهر؛ كما يعرّفه حسن سعيد الكرمي(3) بأنَّها تعريف الإنسان لنفسه من خلال انتمائه لإطار مرجعي يعود إليه.
تعريفات أخرى للهُويَّة:
(1) هي تنظيم الإنسان لعلاقاته وخصائصه ورغباته وتوجهاته السابقة واللاحقة، والتي تعبِّر عن ذاته وعن اتجاهاته نحو الناس.
(2) الهُويَّة ليست عمليَّة عقليَّة قائمة بذاتها، وإنَّما هي نتاج التفاعل بين الإنسان والمؤسسات الاجتماعية، التي يعيش الإنسان في إطارها كالأسرة، والطبقة الاجتماعية، والمجموعة الإثنية، والمحيط الثقافي والفكري.
مما سبق يتضح أن الهُويَّة تعني الخصوصية بالذات، وذلك عندما يتعلَّق الأمر بقيم ومبادئ إنسانية عامة، وبذلك يمكن التعبير عن الهُويَّة من خلال الدين أو اللغة أو الدولة، وتعتبر هذه الخصائص متغيّرة بحسب استخدامها أو توظيفها، وعليها يمكن أن تتبدل حسب المراحل المختلفة تاريخياً ووفقاً للظروف الحاكمة.
(1) يقول المفكِّر الفرنسي باربار: "إنَّ الهُويَّة يمكن أن تكون مصطلحاً سياسياً كونها ولدت ضمن عملية صراع سياسي ناتجة عن العلاقات المعقّدة بين التصورات الثقافية، والممارسات السياسية، والأساليب الشعبية في التحرك والخيال السياسيين في مكان وزمان ما."
(2) إنَّ الإنسان، ومهما كان لونه أو عرقه، يتساوى بصورة عامة مع أي إنسان آخر، مهما كان لونه أو عرقه في الموروثات البشرية، والتي تحدد قدراته وقابليته واستعداداته واتجاهاته، وبالتالي يتساوى تساوياً كاملاً ومطلقاً في الحقوق والواجبات مع أخيه الإنسان أينما وجِد، وله حق العيش الكريم في حياة تسودها الحرية والعدالة والمساواة والأمن والاستقرار برغم اختلاف هُويَّتيهما.
الهُويَّة والعرق وجهي عملة واحدة:
· يتداخل مفهوما العرق والهُويَّة في خصائصهما الثقافية (الدين، اللغة، السلوك.. الخ)، وبذلك ينطوي المصطلحان على أنَّ اللغة المشتركة والدين والإقامة في البقعة الجغرافية نفسها والمواطنة في دولة واحدة تخلق روابط عرقية.
· لقد استبدل الأنثروبولوجي آشلي مونتاغيو(4) مفهوم العرق بمفهوم الجماعة الإثنية لتمييز الجماعات عن بعضها البعض على الصعيد الجسدي، حيث تمثل الفروق العرقية فروقاً فطرية، في حين تتضمن فروق الجماعة الإثنية فروقاً مكتسبة.
· عليه يعرَّف مفهوم الجماعة الإثنية على أنَّه ظاهرة تاريخية تعبر عن هُويَّة اجتماعية تستند إلى ممارسات ثقافية معينة، ومعتقدات متفرِّدة والاعتقاد بأصل وتاريخ مشترك، وشعور بالانتماء إلى جماعة تؤكد هُوية أفرادها في تفاعلهم مع بعضهم ومع الآخرين.
· مفهوم الأمة كظاهرة اجتماعية تعبر عن جماعة تشترك في سمات جامعة كالدين، العرق، اللغة، التاريخ.. إلخ سواء كانت في إقليم واحد أو عدة أقاليم، وهو الأكثر قرباً وتشابهاً مع مفهوم الإثنية.
· يمكن للجماعة الإثنية أن تعبِّر عن جماعة أساسية، أو أمة، أو الجمع بين المعنيين، باعتبار أنَّ من الشعوب من يملك كل خصائص الأُمة ومقوماتها وإن لم تكن له دولته المستقلة.
الأمة النوبيَّة وهُويَّتها:
من منظور الأمة وتعريفها نجد أنَّ الأُمة النُّوبية تتميّز بالسمات التالية:
(1) الثقافة: تُعرّف على أنها كل إنتاج أنتجه الإنسان، وعليها تقاس طقوس الأسبار في الزراعة، عادات الزواج والأفراح، تراث الفنون الشعبية، الفروسية.. إلخ.
(2) المعتقدات: الإيمان بالله حديثاً وبالقوى الخارقة سابقاً كالكجور، والذي كان يستخدم كطبيب ولفهم الغيب ولإنزال المطر.. إلخ.
(3) تراث التطبيب: كان الإنسان النُّوبي، ولعهد قريب، يعتقد بل يؤمن في مقدرة الكهنة في تطبيب المرضى، وفك طلاسم السحر وغيرها، ونسبة لوفرة الأعشاب الطبية في منطقة جبال النُّوبة والمعرفة اللصيقة لبعض الناس بخصائصها العلاجية فقد أصبحت ثقافة علاجية مشتركة تتوارث منذ القدم.
(4) التاريخ المشترك (الجنس والنوع، اللغة المشتركة، الاسترقاق).
(5) الديانات المشتركة (الوثنية، المسيحية، الإسلام).
(6) الرقعة الجغرافية الواحدة.
(7) الشعور بالانتماء للإثنية النُّوبيَّة.
كل هذه الأنماط من الصفات تصب في الاتجاه الدَّاعم لمفهوم الهُويَّة.
الأُمة النُّوبية وهُويَّتها.. جذور الأُمة النُّوبة:
هنالك أقاويل مختلفة لجذور النُّوبة نأخذ منها الآتي:
(1) جذور نوبيَّة راجعة لمملكة كوش في شمال السُّودان،(5) حيث تفرَّق مجموعاتها في جميع أنحاء السُّودان ومن ضمنها جبال النُّوبة.
(2) جذور لها أصول بمجموعات في غرب إفريقيا.
(3) هناك باحث شلكاوي (والتر كونيجوك) يزعم بأن جنوب كردفان كانت تحت حكم رث من قبيلة الشلك، واعتبرها امتداداً عرقياً وثقافياً لقبيلة الشلك. أعتقد بأنَّ هذا الزَّعم مجافي للحقيقة للأسباب التالية:
1) إذا كانت المناطق تلحق بحكامها فإنَّ السُّودان يكون تركياً أو مصرياً أو إنجليزياً.
2) التراث النُّوبي يختلف تماماً عن تراث الشلك لغةً وعادات وتقاليد.
3) القبائل النيلية كانوا وإلى عهد قريب مسيطرون على الخرطوم وجزيرة توتي، ولم تتبع هذه المناطق لسلاطينها.
(4) الباحث والإداري البريطاني هارولد ماكمايكل(6) كتب يقول:
"في الأزمنة الغابرة ولآلاف السنين من بعدها يغلب الظن أن أسلاف النُّوبة كانوا يسيطرون على أجزاءٍ كبيرة من البلاد التي يطلق عليها الآن اسم كردفان ما عدا الأجزاء الشمالية التي تغلب عليها الصحراء. ولقد تعرّض النُّوبة لهجمات القبائل الأخرى التي سيطرت على ضفاف النيل، ولهجمات غيرها الداخليّة وأخيراً من العرب الرحل، مما جعلهم يلتجئون إلى الجبال في جنوب كردفان."
(5) إذا نظرنا لمعطيات الأحداث في تلك الحقبة وتدققنا في حقائق الأمور على أرض الواقع فلسوف أتفق - من الوجهة النظريَّة - مع بحث الكاتب ماكمايكل للأسباب التالية:
أ) الدافع الأمني:
1) يلوذ الخائف بالغابة ويختارها على السهل عند الفرار من عدوه.
2) يختار المُطارَد الجبل على الغابة لاسيما إن كان المُطارِد فارساً (على ظهر فرسٍ).
ب) المانع المائي المتمثل في النيل شرقاً:
1) صعوبة العبور في جماعات ساعة العسرة.
2) تمركز النُّوبة غرب النيل مع تمركز الحضارات والممالك النُّوبيَّة أيضاً غربه.
3) التقهقر والتدحرج المنطقي والمتدرج جنوباً عند اشتداد وطأة الغزاة.
4) المقارنات والدلالات الممتازة التي أوجدها القس الإيطالي في كتابه عن النُّوبة مقارنة بملامح شعوب ممالك النوبة بشمال السُّودان.
5) وجود بعض التداخل اللغوي بين بعض الجماعات النوبية بالجبال مع نظرائهم بشمال السُّودان.
6) هنالك بعض البحوث التي تربط الهُوية النوبية بتلك الموجودة بشمال السُّودان مثال الباحث النمساوي سايقفريد نادل، والمبشر وباحث اللغات رونالد ستيفنسون وآخرين.
إشكاليات الهُويَّة النُّوبيَّة:
(1) إشكالية الهُويَّة وعناصرها:
1 ـ الذات (العرق):
· خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان وكرًّمه وعلا من شأنه براً وبحراً، وفضَّله على سائر مخلوقاته، بل حرَّم ظلم الإنسان لأخيه الإنسان قائلاً في حديثه القدسي: "يا بني آدم إني حرَّمت الظلم على نفسي وجعلته محرَّماً بينكم فلا تظالموا."
· تندلع النزاعات عادة من الاختلافات العرقية والدينية والثقافية، ولكنها أيضاً تتصاعد من أجل السيطرة على السلطة، ومن أجل الحصول على نصيب أكبر من مصادر الثروة.
· قديماً تعرض الإنسان النُّوبي لأبشع صور الإذلال والقهر بتعمُد طعنه في ذاته للنيل من كرامته وإضعاف هيبته عن طريق استرقاقه من جهة، وإدرار الأموال والثروات لمُسترٍقيه (النخاسة) من جهة أُخرى. وتعتبر هذه الخطوة واحدة من سياسات الإقصاء حسب المفهوم الإستراتيجي الحديث.
· تفيد المصادر إلى أنَّ تجارة الرقيق كانت معروفة في السُّودان إبان حكم السلطنة الزرقاء (1504-1821م)، حيث كانت مواردها تعتمد على العبيد والذهب وريش النعام، وامتدت هذه التجارة لتشمل مملكة تقلي شمال شرق جبال النُّوبة.
· بدأت قبائل البقارة (القبائل العربية) باسترقاق النُّوبة، ومقايضتهم تجارياً عند وفودهم للسُّودان العام 1800م، حيث أنَّ تلك القبائل قد جابوا ولايات كردفان وغرب دارفور.
· تلت التركية (الحكم العثماني 1821م) البقارة في استرقاق النُّوبة، ممثلاً في الخديويين المصريين، وذلك للبحث عن الذهب والعبيد (20 ـ 200 ألفاً في العام 1839م) ويتم بيعهم بسوق العبيد بالأبيض. يقول الرحَّالة الاسكتلندي بيثيريك لدى زيارته للمنطقة العام 1861م ما يلي:
"لاحظت أن حكام المنطقة من قبل السلطة العثمانية (الأتراك) كانوا يصادرون مواشي البقارة في منطقة جنوب كردفان كنوع من جباية الضرائب، ويقومون ببيعها محلياً إلى الجلابة الذين كانوا يستخدمونها في عمليات التبادل مع قبائل البقارة في الحصول على العبيد وسن الفيل والذهب."(7)
· حملات الخليفة عبد الله التعايشي: تلت المهدية فترة التركية-المصريَّة في حكم السُّودان فجرَّدت بدورها حملات الاسترقاق التالية على النُّوبة:
(1) حملة حمدان أبي عنجة والنور عنقرة (1886ـ1887م).
(2) حملة عبد الباقي الوكيل (1890م) و
(3) حملة إبراهيم الخليل (1891م).
· إن كانت الحكومات قديماً قد مارست إيديولوجية الاستقصاء والاسترقاق بإنسان الجبال، فقد اعتمدت الحكومات في السُّودان حديثاً هذه الإيديولوجية ثم أتبعتها بأيديولوجيَّة الاستيعاب، والتي تعتمد على سياسة الدمج، وأتقنت تنفيذها أجهزة الدولة السياسية والأمنية والعسكرية على كافة المستويات، وتركَّزت على عمليات الإسراع بتذويب الفوارق بين المجموعات السكانية في منطقة الجبال، وصولاً إلى مرحلة الانصهار وفق رؤية حضارية تتخذ من الأسلمة والتعريب منهجاً كما صوراها الخبير الأمني أحمد عبد الرحمن محمد والأستاذ الجامعي الطيب زين العابدين فيما يأتي:
"دعم انتشار وتوسيع شبكة الوجود العربي والإسلامي في منطقة جبال النُّوبة وغيرها من المناطق التي يضعف فيها التأثير العربي هو درع واقٍ وصمام الأمان الإستراتيجي ضد أي محاولات لوقف المشروع التبشيري لدولة الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة في السُّودان الذي يمتد غرباً إلى المحيط الأطلسي وجنوباً إلى مدينة الكيب تاون بجنوب إفريقيا."(8)
· بناءاً على هذه الإستراتيجية أقامت الحكومة هيئة الدَّعوة الإسلاميَّة، منظمة البر الدوليَّة، أمانة الدعوة والعقيدة، صندوق دعم الشريعة، الوكالة الإسلامية للإغاثة، موفق الخيريَّة الإسلاميَّة، هيئة الإغاثة الإسلاميَّة وغيرها.
· كل هذه التنظيمات عملت على تغيير ظاهر وباطن المواطن النُّوباوي لدرجة تنفيذ مهرجانات الختان الجماعي للنازحين العائدين كباراً وصغاراً تحت شعار "خمس من الفطرة منهن الختان"(9) بدعوى إحياء السنَّة النبويَّة.
· تعتبر هذه المنظمات منظمات مجتمع مدني، وتلعب دوراً مهماً في ترسيخ قواعد اللعبة السيادية وأداةً من أدوات الاستيعاب بالبلاد؛ ولقد أقتصر ترخيصها وإدارتها للحكومة والموالين لها، بل لقد اقتصرت خدمات رعايتها الاجتماعية وتقديم دعمها المادي والعيني على الأُسر المسلمة العربية فقط بالدلنج وضواحيها.
2 ـ اللغة:
· تعتبر واحدة من أدوات السيطرة من القوى الاستعلائية والاستبدادية الأكثر نفوذاً للهيمنة على الهُويَّات الأُخرى وطمس ثقافاتها.
· استغلت المجموعات العربية هيمنتها على مقاليد الأمور بالسُّودان لفرض اللغة العربيَّة وثقافتها على كافة السودانيين من خلال عمليات الأسلمة والتعريب، التي كانت تقوم بها مجموعة من المنظمات الإسلاميَّة في المنطقة، منها منظمة الدَّعوة لإسلاميَّة، لجنة مسلمي إفريقيا الكويتية، منظمة البر الدوليَّة، ومؤسسة موفق الخيريَّة.
· الهجرة القسرية لقبائل النُّوبة من مناطقهم لمناطق السُّودان الأخرى بغرض دمجهم بالمجموعات الناطقة بالعربيَّة، حيث تعتبر الهجرات القسرية هذه واحدة من السياسات الممنهجة والخطط المدروسة من صنَّاع القرار بالجبهة القوميَّة الإسلاميَّة لإقصاء وتذويب القبائل الزنجيَّة السُّودانيَّة أياًَّ كان موقعها بالسُّودان.(10) وكذلك يقول الدكتور حسن عبد الله الترابي في شأن ذي صلة بزنوج دارفور:
"تهدف خطة الجبهة (القوميَّة) الإسلاميَّة إلي تأييد القبائل العربية بإتباع الخطوات التالية: التهجير القسري للفور من جبل مرة، وحصرهم في وادي صالح، ونزع سلاحهم كلياً، وإعادة قبائل المهيريا والعطيفات والعريقات (العربيَّة)، وعدم إعادة السلاح للزغاوة، وتهجيرهم من كتم إلى أم روابة (شمال كردفان)، وتسليح القبائل العربيَّة وتمويلها، بحيث تكون نواة التجمع العربي الإسلامي".(11)
· تمكين القبائل العربيَّة ذات التوجهات الإسلاميَّة بمناطق النُّوبة، وتعزيز تلك القبائل العربيَّة بتوطين الفلاتة كذلك.
· أصبحت فيما بعد مقياساً لتولي المناصب الإداريَّة وعلاقات الدولة الخارجيَّة.
3 ـ الدين:
· لعبت الديانة دوراً محورياً في علاقة الدولة بالمجموعات الإثنية الأُخرى بالسودان، ومنها مواطني جبال النُّوبة خاصة.
· استغلت الديانة بالسُّودان لأمور عدة منها:
(1) محاربة المسيحيين باعتبارهم مبشِرين للديانة المسيحيَّة، وباعتبار النزاع بمناطق الجنوب وجبال النُّوبة استهدافاً للوجود والتوجه العربي الإسلامي (مسيرة أمان السودان من الجبهة القومية الإسلاميَّة العام 1985م).
(2) محاربة النُّوبة المسلمين، باعتبارهم كفرة ومرتدين (فتوى بقتال الخوارج، مؤتمر العلماء وأئمة المساجد ومشايخ الخلاوي والطرق الصوفية بمدينة الأُبيض في 26 أبريل العام 1992م، وإعلان الجهاد علنياً في عيد ثورة الإنقاذ الوطني بمدينة الأُبيض العام 1992م)، وبذلك تمت تصفية الكوادر المتعلِّمة بالمنطقة وخارجها، وأُقيمت المذابح جهاراً وعياناً لهم، والتي لم يُسْلَم منها صغير أو كبير.
(3) رعاية أسر شهداء العرب وترك غيرهم دون عائل يعينهم على ظروف الحياة القاسية بالسودان عامة، والجبال خاصة لا سيما الأطفال، والذين تضطرهم الظروف لترك الدراسة والتسول سعياً وراء لقمة العيش، أو الاشتغال بالأعمال الهامشية، والهدف هو تفكيك الترابط الأُسري وتكريس الأُميَّة.(12)
(4) التعبئة العسكرية والمعنوية للجنود وقوات الدفاع الشعبي بجبال النُّوبة، ووصف الحرب فيها بالجهادية، ولقد أججت إذاعة نداء الجهاد بكادوقلي نيران العنف وغليان الأحقاد في النفوس.
(5) تعبئة المشاعر الدينية وتكوين اللواءات العسكرية وحملاتها الإباديَّة تحت رايات إسلاميَّة (حكومة الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة) والاتجاه الجهوي لحكومة الصادق المهدي (تسليح المليشيات العربية فيما عُرف وقتها بالحزام العربي الذي يشكل تحالفاً لكل القبائل العربيَّة في كل ولايات غرب السودان، والتي أصبحت قوات الدفاع الشعبي).
4 ـ إشكاليَّة التنمية الاقتصاديَّة:
1ـ التنمية البشريَّة:
(1) التعليم:
· أدخلت المدارس بصورة رسمية بالمنطقة في نهاية الخمسينيَّات، علماً بأن المنطقة كانت مقفولة أصلاً، ولم تشهد تلك المدارس - على قلة أعدادها - قبولاً يذكر في بادي الأمر نسبة لترويج المفاهيم الكاذبة عن ضلالها للأطفال.
· لم تشهد المنطقة استقراراً تعليمياً واضح المعالم إلا في منتصف السبعينيَّات.
· عدم وجود الجو الملائم للتحصيل المدرسي: توفر المعلم الكفء، وتوفير البيئة الجاذبة له، توفير الوسائل التعليمية، توفير البني التحتية للمدارس أسوة بغيرها من مدارس العاصمة، الإصرار على إتِّباع سياسة القبول الموحَّد للجامعات والمعاهد العليا رغم فارق الإمكانيات الشاسع بين مدارس المنطقة وأخرياتها بالعاصمة. كل تلكم الظروف تؤدي إلى فقدان تلميذ المنطقة للاستمرار الدراسي، ولطالبها للمنافسة الشريفة مع نظرائه للتعليم العالي. وما يثير الدهشة عدم تفكير الحكومات المتعاقبة في الاستفادة من الفاقد التربوي الكبير لهؤلاء التلاميذ والطلاب.
ب) الوظائف وتنظيمات المجتمع المدني:
· رغبة الصفوة في عدم تعلم أبناء الجبال لإبقائهم منكفئين على حالهم ويشهد على ذلك القلة الواضحة في عدد المتعلمين خلال فترة السودنة 1954م، حيث لم يكن هناك إدارياً واحداً فيها وفي تنظيمات المجتمع المدني ومؤسساتها.
· نظرة الحكومات المختلفة دوماً بعين الريب للتجمعات السياسية النُّوبية، ونعتها بالعنصريَّة والمناوئة، مما يؤدي إلى تضييق الخناق عليها وعلى مؤسسيها، إما بالاعتقال أو التصفية أو الاستيعاب.
· يتم استيعاب الخريجين في الوقت الراهن عبر قنوات ومؤسسات الدولة العربيَّة الإسلاميَّة وبالتالي يتم استبعاد أبناء النُّوبة من تلك الوظائف، مما يؤدي للإحباط وزيادة الضغوط النفسية لدى الخريج (سياسة التزكية عند المنافسة للوظائف).
2 ـ الموارد الطبيعية:
تعتبر الموارد الطبيعية واحدة من مصادر الصراع في السُّودان كونها مفتاح اللعبة السياسيَّة والسياديَّة بالقطر، وعليها فقد استخدمت سلاحها على مر العصور بالسُّودان لإبعاد المجموعات الإثنية عن إدارتها، وإبعادهم عن الإلمام والإمساك بقواعد اللعبة.
الأراضي الزراعية:
تعتبر أهم الثروات المتوارثة لدى النُّوبة، حيث توجد 6 ملايين فدان من الأراضي الزراعيَّة الخصبة المخططة بالمنطقة وتعاظم شأنها بتغول الحكومات المختلفة عليها وتخصيصها وتمليكها لأصحاب النفوذ من الجلابة والموالين وأصحاب الذوات والمستثمرين الأجانب دون منفعة لإنسان المنطقة. بالنظر إلى المؤسسات الزراعية التي أُنشئت بالمنطقة فقد كانت هناك مؤسستان هما:
أ) مؤسسة الزراعة الآليَّة:
أُنشئت في العام 1968م بتمويل من البنك الدولي واتخذت من منطقة هبيلا مركزاً لمشاريعها البالغة 650 مشروعاً.
ب) مؤسسة تنمية جبال النُّوبة:
أُنشئت في العام 1970م وكان الهدف منها المساهمة في تنمية القدرة الإنتاجية لطرق الزراعة التقليديَّة بجبال النُّوبة. تم توزيعها كالآتي: 36 % من مساحة المشروع قد تم تخصيصها لقبائل النُّوبة، 45 % للقبائل العربيَّة، و19 % للقبائل الفلاته.
وبنظرة سريعة نجد أنَّ المشروعين قد أدَّيا إلى:
· سلب الأراضي من أصحابها دون تعويض.
· لم يتم القيام بأية تحوطات صحيَّة تواكب العدد الكبير من العمالة النازحة للمشروع، مما أدى إلى تفشي وباء الكوليرا وموت العديد من العمال.
· قيام مؤسسات التنمية ومشاريع الزراعة الآليَّة بالمنطقة لم يؤد لتطوير أو رفع القدرة الإنتاجية للمواطن، ولم تسهم هذه المشاريع في هبوط أسعار المحاصيل، مما يعود على المواطن بالنفع بل العكس فقد كان الإنتاج يصدُّر لخارج المنطقة.
· وجود هذه المشاريع لم يسهم في التنمية البشرية للمواطن كما هو الحال في مشروع الجزيرة مثلاً، وإنما أُستُغِل المواطن كمصدر للعمالة الزهيدة.
· أبقت الحكومات هذه الأراضي دون تسجيلها لمواطني المنطقة، وذلك للاستفادة منها كوسائل إغراء سياسي، حيث استمالت بها القبائل العربيَّة وغير العربيَّة بنزعها من أصحابها الحقيقيين - تحت غطاء التمرد - وتخصيصها لهم كما حدث إبَّان حكم الصادق المهدي (قوات المراحيل والفرسان) وحكم الجبهة القوميَّة الإسلامية، حيث تم توزيعها على قيادات الدفاع الشعبي والميليشيات ومشايخ قبائل البقارة مكافأة لهم لمشاركتهم في عمليات دحر التمرد بالمنطقة.(13)
· النزوح القسري للنُّوبة لأماكن أُخرى، وإحلالهم بقبائل عربية وأُخرى وافدة، وفقاً للخريطة السكانيَّة الجديدة للقبائل في إطار الإستراتيجيَّة القوميَّة الشاملة التي شجعت قبائل الفلاتة على الاستقرار بالمنطقة كعمالة زهيدة وبهدف توسيع دائرة التبشير الإسلامي وما يترتب عليه من فقدان الأرض وتغيير التركيبة السكانيَّة.
· استغلال المركز وانتفاعه لموارد المنطقة واقتصادها دون عائد تنموي لها.
3- الموارد المائيَّة:
· تعتمد المنطقة على الأمطار خريفاً وعلى المياه الجوفية صيفاً، وهذا الاعتماد له مردوده على الإنتاج الزراعي والحيواني إيجاباً أو سلباً.
· انحصار المياه الجوفيَّة في مناطق محدودة يؤدي عادة لازدياد الطلب عليها، خاصة من قبل الرعاة، مما يزيد فرص التوتر والنِّزاع الدَّموي.
· شرعت حكومة الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري في توفير بعض الدوانكي، وأقام برنامج اليونيسيف مضخات المياه اليدوية بالمنطقة، ولكن سرعان ما تم تدميرها أيام الحرب لتضييق الخناق على التمرد.
· إن استغلال موارد الطاقة البديلة والمتوفرة في المنطقة كان سيؤدي إلي حلول ومنافع كبيرة أقلها توفير الطاقة الكهربائية، التي تساعد بدورها في ارتياد آفاق التصنيع الزراعي والحيواني والغابي، وتوفير فرص العمالة المحليَّة، وتقليل الهجرة للمدن الكبيرة، وبالتالي تنمية المنطقة بشرياً واقتصادياً، مما يدعم استقرار المواطن والمنطقة برمتها.
4- الثروة الحيوانيَّة:
· تعتبر واحدة من مصادر الدخل والثروة لكثير من مواطني جبال النُّوبة، وكذلك للقبائل الأُخرى الموجودة بالمنطقة، حيث توجد بها ما يزيد عن 4 ملايين رأس من الماشية.
· لم يتم الاهتمام بها من المنظور الاقتصادي أو الإنتاجي بغية زيادة الدخل والناتج الفردي.
· من الأسباب الرئيسية في نشوب النِّزاعات الدَّموية لاسيما بين المزارعين وأصحاب المواشي عادة (قوات المراحيل والميليشيات العربيَّة)، والتي تتسبب في خسائر اقتصاديَّة كبيرة.
· نُهِبت وسُلِبت مجموعات كبيرة من أبقار النُّوبة كغنائم حرب في عهدي الصادق المهدي والجبهة القوميَّة الإسلاميَّة، مما أضعف القوة الاقتصاديَّة الوضيعة أصلاً لدى المواطن النُّوبي وزاد حالة الفقر والمعاناة لديه (فتوى قتال الخوارج بجبال النوبة 1992م).
· برغم كثرتها لم تقم الحكومات المختلفة بأي جهد لتنمية إنتاجها، أو تنظيم دورتها، أو قيام دورات لتأهيل أصحابها، ورفع قدراتهم التعليمية الخاصة بها بهدف زيادة الإنتاجيَّة النوعيَّة الإجماليَّة للحيوان.
5 ـ المعادن:
· تتميز منطقة جبال النُّوبة بوفرة خام الذهب، الحديد، النحاس، المايكا، البترول، اليورانيوم.
· حصر رخص الامتياز للحكومة ومنسوبيها.
· نزع الأراضي من أصحابها دون تعويض.
· أُستخدِم سلاح البترول في:
1) استقطاع الجزء المحتوي على البترول من ولاية جنوب كردفان ليصير ولاية غرب كردفان ذات الأكثرية العربية.
2) منح ولاية غرب كردفان 2% من إيرادات النفط دون الولاية الأم (جنوب كردفان).
3) إنشاء غرفة عمليات خاصة لتأمين خط أنابيب البترول تابعة للقيادة العامة وإتباع سياسة الأرض المحروقة ضد النُّوبة.
4) إجمالاً فقدت المنطقة مشاريع التنمية التي تصاحب عادة عمليات الاستثمار هذه.
6 ـ المكوِّن المالي (رأس المال):
· يعتبر المكوِّن المالي رأس الرمح في اللعبة السياسيَّة، ومن يملك مفاتيحه فقد ملك ناصية السيادة.
· كل المؤسسات والهيئات الماليَّة تمتلكها الحكومة ومنسوبيها.
· كل المنظمات أو الهيئات الاجتماعيَّة والدَّعويَّة والتعبويَّة بيد الحكومة وأعوانها.
· إدارات الاستثمار، التنقيب، الشركات السيادية وغيرها حكومية.
· التجارة الداخليَّة والخارجيَّة.
· الاستثمار البشري (مدراء، استشاريين، توظيف القوى العاملة).
نستنتج مما سبق أنَّ الإثنية النُّوبيَّة بجبال النُّوبة قد شربت من معيَّة الهُويَّة – ولا زالت - كوكتيلاً من صنوف الظلم لم تكن لتتجرعها لو لم تكن إثنية زنجيَّة، حيث لم يشفع لها إسلامها من فرض الجهاد عليها، أو يجدي وجود الموالين منها في ركب الحكومات المختلفة في درء المصائب عنها. وإن كان لابد من قول كلمة حق للمحافظة على وحدة السُّودان فيقيني هو:
(2) تغيير العقليَّة العربيَّة الحاكمة في السُّودان، والاعتراف بالحق المتبادل لكل الإثنيات السُّودانيَّة للاستفادة من ثروات الوطن المختلفة والذاخرة.
(3) التمادي في السياسات الحاليَّة، وعدم التفكير العقلاني، سيؤدي لمزيد من الاختلافات ومزيد من الاحتراب، مما سيؤدي لمزيد من تفكك الدَّولة السُّودانيَّة.
(4) الشعور المتلاحق بالظلم يؤدي إلى تراكمات الغبن بالنفوس، وهذه التراكمات قنابل موقوتة قابلة للانفجار مع ارتفاع ترمومتر التوترات، وإحقاق الحق، ورد المظالم كفيلان بعلاج هذا الشعور.
المراجع:
(1) سورة الحجرات، الآية رقم (13).
(2) لسان العرب لجمال الدين محمد بن مكرم بن منظور.
(3) حسن سعيد الكرمي: إذاعي وباحث ومؤلف فلسطيني (1905ـ2007م).
(4) آشلي مونتاغيو: أستاذ سابق للأنثروبولوجيا بجامعة رتغرز، نيوبرتزويك، نيوجرسي.
(5) Barbour, M, The Republic of the Sudan: A regional geography; ULP, London, 1961.
(6) MacMichael, H A, The Tribes of Northern and Central Kordofan; Cambridge University Press, Cambridge, 1967.
(7) Petherick, J, Egypt, the Soudan and the Central Africa; W Blackwood, Edinburgh, 1861.
(8) د. محمد سليمان محمد: السودان حروب الموارد والهُوية، 2000م، دار كيمبردج للنشر، كيمبردج، المملكة المتحدة، صفحة 237.
(9) نفس المصدر السابق، صفحة 238.
(10) د. محمد سليمان محمد، الفصل السادس، دارفور، حواش وإحالات.
(11) للنظر في إفادة الدكتور الترابي، أنظر جريدة "السودان"، 20/2/1992م.
(12) أنظر تصريح مدير الرعاية الاجتماعية بمنظمة الشهيد بالدلنج ماجد محمد، وكذلك إعلان منظمة البر الدولية على لسان مديرها العام أحمد عبد الله أحمد عن نشاطات المنظمة في بلدان عدة ومن ضمنها السُّودان. أنظر د. محمد سليمان محمد، صفحة 268.
(13) أنظر د. محمد سليمان محمد، صفحة 223.
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة