الكلام دخل الحوش (1)
سيصبح الجنوب دولة متقدمة وآمنة .... كيف ذلك ؟؟؟
بقلم: صلاح الباشا
salahelbasha@hotmail.com
ظلت بعض الأوساط تتحدث حديثاً متواصلا ينحصر معظمهٌ في أن جنوب السودان سوف يشهد تمزقا داخليا كبيراً فور حصوله علي الإنفصال وتأسيسه لدولة جديدة بالمنطقة ، بمثلما يتحدثون أيضا بأنه سوف يشهد إقتتالاً عظيما يحرق الأخضر واليابس هناك ، وقد زادت تلك الأوساط التي تنشر مثل تلك الأحاديث بأن صراعا قبليا حول الموارد وتقسيم الثروة والوظائف هناك ، سيحدث إحترابا تكون نتائجه هي لجوء مجموعات كبيرة من أهل الجنوب إلي شمال السودان تارة أخري ، مستجيرين من رمضاء الصراع إلي حيث يتوفر الأمان والإستقرار في الشمال .
لكن .. ما يثير الدهشة والحيرة معاً ، هو أن من يطلقون تلك التحليلات أو التوقعات ، سمهم ما شئت ، أناس مثقفون ، أي تكنوقراط . وفي ذلك إفراط في التشاؤم لا مبرر له ، وهذا حديث مردود علي أصحابه جملة وتفصيلا ، ويعود لعدة اسباب ، نذكر منها الآتي :
أولا : ان حرب الجنوب ومنذ العام 1983م التي شهدت التكوين الأول للحركة الشعبية في الغابة قد خلقت جسرا من الحميمية والتواصل الإجتماعي بين كل قبائل الجنوب بطريقة لا تخطئه العين مطلقاً ، وهذا كان من أروع منجزات قائدها الراحل الدكتور جون قرنق دي مبيور ، حيث أدرك بحسه وفكره المتقدم جدا ، وهنا أصر علي مفردة المتقدم جدا هذه ، أن من أهم عوامل فناء أي عمل سياسي ثوري هو التشتت وكثرة الإنقسامات الداخلية . ولكن كان جون قرنق يهدف لتحقيق قضية محددة تنحصر في رفع المعاناة والمظالم التاريخية التي ظلت تتراكم في جنوب السودان ، ربما منذ عهد التركية السابقة ( 1821 م – 1885م ) ، مرورا بزمان المهدية القليل، وإنتهاء بالحكم الثنائي الطويل الذي إمتد منذ العام 1898م وحتي الإستقلال في العام 1956م . وقد كان من أهم منجزات د. قرنق هو خلق الروح الوطنية التي تبتعد عن القبلية في الأداء السياسي والعسكري ، ما أدي إلي خلق حركة ثورية قوية في القارة الأفريقية وجيش شعبي صبور علي الأعمال الشاقة بسبب الإبتعاد عن حالة الترف ( البرجوازية ) التي ظلت تضرب جيوش العالم الثالث في مقتل .. وبالتالي فإن التفاخر بالقبيلة لم نر له وجودا مؤثرا في عمل الحركة الشعبية .
ثانياً : ظل الدكتور جون قرنق يقود حملة تثقيف عالية المقام وسط جيشه وحركته الثورية ولعشرين عاما متصلة ، وقد فتح الفرص المتسعة لأجيال عديدة من أهل أهل الجنوب ، دون النظر إلي قبائلهم ، في نيل التدريب والتثقيف السياسي خارج الوطن ، ما أدي إلي إستقرار روح النضال بقضية الجنوب المهمش في أوساط كوادره الشابة ، فمنهم من ترك الدراسة الراقية في جامعات البلاد ورحل إلي النضال يعيش حياة الكفاف ، ومنهم من ترك الوظيفة المحترمة ليحمل السلاح من أجل إزالة المظالم عن أهله البؤساء ، ومنهم من فتح له جون قرنق فرص الإبتعاث ونيل التعليم العالي الذي يساعد في حركة بناء الجنوب القادم ، ونراهم قد إنتشروا في كل قارة من قارات العالم ليحققوا غرض محدد هو العودة مؤهلين لإحداث التنمية في الجنوب .
ثالثاً : خلقت الحركة الشعبية مبدأ الشفافية في الحكم ، لكننا في الشمال لا نراها محققة عندهم ، وقد قامت حكومة الجنوب ومنذ الوهلة الأولي بإقالة وزير ماليتها وفصل كل طاقم ديوان المراجعة هناك حين خرجت شائعات فساد محدد في جهاز الدولة ، وهذا قد خلق بعض التوتر العسكري مثلما نراه الآن من بعض قيادات الحركة والجيش الشعبي ، إلا أن مبدأ بتر الفساد لايزال مستمراً في الجنوب .
رابعاً : من مميزات ثبات نجاحات الحركة الشعبية المستقبلية ، هي أنها لم تلتزم بأيديولوجية محددة تجاه العمل السياسي العام ، لذلك لن يشهد الجنوب صراعا فكريا كالذي ظل يضرب الشمال لستين عاما خلت ، كما أن الحركة ليس لديها طرق صوفية تتنازع الحكم مثل ما كان التكوين المماثل في الشمال ، وما ظل يخلقه من حساسيات أثرت علي إستقرار الوطن ، ودونك خنق السلام ثم قتله عمدا والذي كان سيأتي في العام 1989م دون الحاجة لتقرير مصير.
ومن هنا نقول ... أن الإصرار علي تحمل تبعات قضية معينة كمسألة الجنوب ، قد أدي إلي تقوية علاقات قيادات الجنوب الذين رموا خلفهم التنوع القبلي ، حيث أن قضيتهم المركزية والمتمثلة في تحرير إنسان الجنوب من الفقر والمرض والجهل ، تفعل فلعها الإيجابي في بث روح الصمود وقوة الإرادة لأحداث التنمية العاجلة ، والتي تقود إلي خلق مجتمع الرفاهية والكفاية والعدل في الجزء الجنوبي من السودان القديم .
ولكل ذلك ، نري أن تراكم الأصرار عند أهل الجنوب في إحداث شيء ما في القارة الأفريقية يجعل من شعوب القارة تتجه نحو النماء وتحقيق السلام الإجتماعي ، سيخلق من جنوب السودان دولة ناجة بكافة المقاييس ، خاصة وأن البعد الدولي هنا قد تم إستقطابه بواسطة قيادات الحركة الذكية وحراكها الدائم في كل دول العالم بأن لهم قضية تستحق العون والمساعدة ، قد ساعد في أن يصرح مؤخراً المستر ( بايدن ) نائب الرئيس الأمريكي بأن الجنوب الجديد لن يكون دولة فاشلة ، وهذا التصريح ربما قاد ممثل الحركة الشعبية في واشنطن أو سفير السودان هناك – لا أذكر بالتحديد – قد صرح هو الآخر بأن دولة جنوب السودان ستقف مع الشمال حتي لا يصبح دولة فاشلة ، وهذا في تقديري من أذكي التصريحات الصحافية التي أطلت علي الميديا خلال الخمس سنوات الماضية.
لقد هيأ لي الزمان أن أتناقش مع العديد من القيادات الجنوبية هنا ، بمثلما أدرت العديد من الحوارات الصحافية مع بعض رموز الحركة ، ومن أهمها السيد فاقان أموم في بداية العام 2007م حين شغل منصب وزير رئاسة مجلس الوزراء ، وذلك بتكليف من ( بانا برس ) وهي وكالة أنباء عموم افريقيا التي أمثلها بالخرطوم ، وقد كان الحوار باللغة الإنجليزية حيث سبق أن تعاقدت إدارة وكالة الأنباء تلك مع الإعلام الخارجي بالسودان لإصدار مجلة تعريفية شاملة عن السودان بعد السلام حتي تلحق المجلة بإجتماع القمة الأفريقي الذي إنعقد في العاصمة السنغالية دكار في العام 2007م ، ومقر وكالة بانا برس أيضا في دكار ، وقد صدرت المجلة ووزعت بالمؤتمر ولدي دول القارة ايضا .
فقد كان حواري مع باقان طويلا ومتشعبا ، وينحصر فقط فيما فعلته الحركة من منجزات بفضل السلام في الجنوب خلال سنتين من عمر إتفاقية السلام وقتذاك ، وسوف نتناول جانبا هاما من الحوار في وقت آخر .
ونخلص هنا ، أن جنوب السودان – علي كل حال – لن يصبح دولة فاشلة ، ذلك أن عوامل أن يصبح دولة متقدمة جدا متوفرة بكثافة بائنة ، سوف نسردها في مقالاتنا القادمة طالما أن ميقات الإستفتاء قد أزف ، وبالتالي فإن الكلام قد دخل الحوش .... وإلي اللقاء ،،،،،،،
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة