بسم الله الرحمن الرحيم
جميلة : فقد جلل وعظيم ..
توفيق عبدالرحيم منصور (أبو مي)
http://www.tewfikmansour.net
حادثة مرور لئيمة ومؤسفة وأليمة، سرقت منا درة نفيسة سودانية وهي في قمة العطاء .. سرقت منا الدبلوماسية الرقم، والمرأة المتميزة، جميلة عثمان إبراهيم، حرم سعادة سفيرنا لدى مملكة البحرين الشقيقة الأستاذ محمد محمود أبو سن .. سمعنا خبر فقدها المفجع (هي وأخيها يس الطبيب المتميز في شارع مدني)، فجزعنا وبكينا ولم نصدق .. ثم استغفرنا وقلنا (إنا لله وإنا إليه راجعون)، وعندها استحضرنا قول الامام الشافعي (ما رأيت يقيناً لا شك فيه، أشبه بشك لا يقين فيه، إلا الموت) .. فجميلة .. اسم على مسمى .. جميلة في كل خصالها، امرأة سودانية عظيمة، أعطت لبلدها الكثير .. جميلة .. امرأة أكثر من متميزة .. فخر لك سوداني .. عزة وشرف .. عراقة وأصالة .. أمة وأم .. قدوة تقتدى .. مثال يُحتذى، .. أتت لدنيانا وفارقتها وهي قمة في العطاء والإبداع .. أتت لدنيانا بإذن ربها تحفها الملائكة، وذهبت شهيدة بإذن الله تزفها الملائكة .. أتت جميلة وغادرتنا جميلة .. حياتها كانت بذلاً وعطاءً .. فجميلتنا الجميلة، يظن المرء بأن الامام الشافعي كان يقصدها عندما تناول المكارم الطيبة التي كانت من خصالها ..
إن المكارم أخلاق مطهرة .. الدين أولها والعلم تاليها ..
والعقل ثالثها والحلم رابعها .. والجود خامسها والفضل ساديها ..
وعموماً وعلى الرغم من فقدنا الجلل وحزننا الكبير على فقيدتنا ذات المكارم والصفات المباركة، إنما نشعر بأنها ومن خلال خصالها وذريتها الطيبة ستكون دوماً بيننا حاضرة .. لأن (الجينات) المبدعة ستبقى .. وشخصيتها ستكون نبراساً به يهتدى ..
قد مات قوم وما ماتت مكارمهم ***** وعاش قوم وهم في الناس أموات
عرفنا جميلة الجميلة واحتككنا بعائلتها الكريمة عن كثب في المغرب الشقيق .. فقد كانت شعلة ما بين نساء السلك الدبلوماسي، نشيطة متحركة، سمحة الخصال، منزلها كان دوماً مفتوحاً للطلبة السودانيين، ولم يُغلق أبداً أمام أي من أنواع الطيف السياسي السوداني، وسمعتها الطيبة العطرة عكست صورة حية وناطقة للابداع والبذل والعطاء، ضمخت بأنشطتها الفعالة كل أجواء الرباط، فشملت السلك النسوي الدبلوماسي، والجالية السودانية، والأنشطة الحيوية، فكانت فخراً لكل السودانيين، وشكلت مثالاً حير وأدهش الأجانب قبلنا ..
وشاء القدر أيضاُ أن أحتك لبرهة طيبة من الزمن بعائلتها الكريمة في الأردن الشقيق، فوجدت جميلة كالنحلة المباركة .. تذهب بنفسها للأسواق لتختار الأطعمة والمأكولات لولائم الضيوف الذين كانوا دوما ببيتها على المستوى الرسمي والخاص، وتشرف بنفسها على كل صغيرة وكبيرة، وتعطي من وقتها الثمين للمنتديات النسوية والاجتماعية، والمشاركة في فعاليات مكافحة السرطان لدى الأطفال وما إلى ذلك، وحَرِصَت بأن يكون دوماً الحضور السوداني متميزاً وفعالاً، وعملت دوماً على رسم صورة طيبة لبلادها ..
هذا وقد امتد عطاؤها وكرمها ولطفها وطيبتها ليشمل العديد من المرضى السودانيين الذين كانوا يتوافدون على الأردن لأجل العلاج، وقد كانوا بالعشرات بحيث يصعب عليها تغطيتهم جميعاً، ولكنها كانت تتوق دوماً لذلك، فأدت الدور المنوط بها، بل أكثر من ذلك، وفي حدود المقدرة والوقت والامكانات ..
ومع هذا وذاك فجميلة واصلت أيضاً أنشطتها الاجتماعية والثقافية بكل ما أُتيح لها من امكانات متفرقة أخرى مثل الأنترنت، والهاتف، والخطابات، واللقاءات التلفزية، وما نسيت أبداً أهلها بالسودان وعلى وجه الخصوص بمنطقة رفاعة، وداومت على مواصلة والدها ووالدتها، وجاء موتها المؤلم وهي في طريقها لعيادة والدها المريض برفاعة .. يا الله كم كنت جميلة يا جميلة ..
هذا وقد شكلت جميلة لوحدها سفارة سودانية أعطت الكثير، لا بل شكلت لوحدها وزارة خارجية مكتملة وفعالة، فأعطت لبلادها ما لم يكن مطلوبا منها بذاك الشكل الرائع ..
جميلة ستبقى ذكراها العطرة في وجدان الكثيرين ممن عرفوها واحتكوا بمكارمها وعطائها، وعليه فإن اسمها يجب أن يُسطر في سجل العظيمات من نساء بلادنا اللواتي آزرن أزواجهن، وحفظن بيوتهن، واجتهدن من أجل سودانهن، وذهبن وتركن مِن ورائهن .. الأنموذج العظيم، والرجل العظيم، والنسل العظيم، .. وصدق من قال :-
فلو كان النساء كما ذكرت ***** لفضلت النساء على الرجال
وما التأنيث لاسم الشمس عيب ***** وما التذكير فخر للهلال
نسأل الله أن يلهم زوجها الأستاذ (محمد أبو سن) الصبر في هذا الابتلاء الذي لا تتحمله الجبال، ولكنه أهل لتحمله والصبر عليه حامداً شاكراً لربه مشيئته، ونسأل الله أن يتغمد أيضاً الدكتور يس أخ المرحومة برحمته وأن يشفي زوجته وشقيقته، كما نسأل الله الشفاء للصغيرة (إباء محمد أبو سن) .. كذلك نسأل الله أن يلهم والدة جميلة ووالدها، وبناتها وأولادها وجميع أهلها وذويها وجيرانها وصديقاتها في معظم دول العالم من الهند للمغرب الصبر والسلوان .. ونسأل الله أن يُسكن فقيدتنا بجوار السيدة خديجة رضي الله عنها في (بيت في الجنة من قصبٍ .. لا صخب فيه ولا نصب)، وأي قصبٍ ذاك؟ إنما هو قصب الجنة الذي وصفه رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم (المنظوم بالدر واللؤلؤ والياقوت) .. وإنا لله وإنا إليه راجعون ..
ملحوظة : نسأل أجهزتنا النسوية (مدنية أم رسمية) بهذه المناسبة المؤلمة، وذلك للمرة الثانية بعد فقد السيدة سارة الفاضل .. أين (موسوعة المرأة السودانية) ؟!. والتي من المفترض أن تضم بين دفتيها المتميز من نسائنا ممن غادرن هذه الفانية، وكذلك اللاتي ما زلن يبدعن وعلى الدرب سائرات .. وعموماً نحن في انتظار هذه الموسوعة لتشكل نزلاً لجميع المكافحات والمبدعات السودانيات، ولتثري مكتبتنا السودانية بأريج الطيبات، ولتشكل منارة للاقتداء .. وكذلك نسأل أهل المرور (إلى متى ستأكل حوادث المرور إهلنا والمتميز منا بهذا النهم البغيض ؟؟)!! ..
توفيق عبدا لرحيم منصور (أبو مي)
http://www.tewfikmansour.net
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة