تعليق على التعليق
( صلاح شكوكو )
نسمع من بعض المعلقين والمحللين السوداننين بعض الكلمات التي تحتاج الى تأصيل وتحتاج الى تمحيص لعدم تناسبها مع الحدث الذي تقال فيه .. وهنا لا نود أن نتحدث عن شخص بعينه لأن البلاء عام والمصيبة منتشرة .. وهذه ليست حصراعلى المعلقين فقط بل نجدها عند بعض المحررين والمحللين كذلك .
لكننا إن قلنا أن المعلق بين يدي المايكرفون يتحدث بتلقائية ويصف المباراة ويجاريها من خلال الوصف والرصد إلإ إننا لن نجد عذرا للمحررين وللمحللين الذي يجلسون في الأستديوهات الباردة وأمامهم أكواب العصير الملونة .. والذين يأتون مرتبين و ( مرطبين ) .
بل أننا في أحايين كثيرة نسمعها في بعض التقارير التي تعد للإذاعة والتلفزيون .. وهؤلاء أيضا ( مرطبين ) .. وكذلك نقرأ العبارة عبر الصحف .. وهنا يمكن أن يقال حقا أن البلاء عام والظاهرة أكبر.
من أمثلة هذه العبارات أننا نسمع مثلا عبارة : ( ضاع الهدف بسبب الشفقة ) وهذه يطلقونها حينما يراد التعبير عن أن اللاعب قد أضاع الهدف بسبب ( قلة التركيز والرعونة) .. بينما تعني الشفقة في اللغة ( الرحمة والحنان ) وشتان بين المعنيين . وإن كنا مثلها نطلق كلمة ( بحر ) على النيل ، و(النصيحة ) حين يراد بها الحقيقة حينما نقول ( أمرق النصيحة ) .
لكن إستعارة كلمة الشفقة بمعناها من دارجيتنا الى واجهات الإعلام قول فيه نظر .. وبالتالي لا يمكن لمعلق أن يستعيرها وهو أمام جهاز رسمي ليقول لنا أن اللاعب قد أضاع الهدف بسبب ( الشفقة ) خاصة وأن الفضائحيات والفضائيات قد ملأت الآفاق وقربت البعيد .. وهذا سيجعل الآخرين في حيرة من علاقة الشفقة بإضاعة الأهداف .
والناس كذلك يقولون : ( بتكلم ساكت ) وهذا جمع لنقيضين في جملة واحدة .. إذ لا يمكن أن نجمع كلمة ( بتكلم وساكت ) في عبارة تتكون من كلمتين ، والساكت لا يتكلم .. أما المراد من هذه العبارة فهو أن كلامه فارغ المحتوى . بينما القاعدة الفقهية الشهيرة تقول ( لا ينسب قول لساكت ) فهل يمكن أن نسمع هذه العبارة في نشرة الأخبار مثلا ؟؟
والإعلامي بخلاف الآخرين فإن من ادواته اللغة مع الصوت ثم الثقافة العامة وأشياء أخر .. لكن صاحبنا لا يفرق بين ماهو مقبول وماهو غير مقبول منه .. خاصة وأن منهجية الإعلام تقوم على عنصري ( الإنتقاء والتعليم ) تنقية المفاهيم من الأخطاء وإعلام الناس بما يجهلون .
لذا كان حري بكل هؤلاء أن يتميزوا بشيء من الفطنة والكياسة . وأن يكونوا واعين بماهو مطلوب منهم .. بل أن يكونوا متسلحين بأدواتهم التي يحتاجونها لأداء مهمتهم .. إذ من المستحيل أن نتخيل جنديا في الميدان دون سلاح .. أوإعلاميا لايحسن إنتقاء الكلمات ؟
أما المحللين الذين يصدق في الكثير منهم القول بأنهم يبيعون الوهم .. فهم كثر والحمد لله .. وقليل من هؤلاء يدرك ما يقول .. لكننا لن نطلب منهم المستحيل لأنهم لن يستدركوا هذه الفوارق .. عدا القلة من بين هؤلاء .. فقد سمعت محللا يقول : ( دول شرق أسيا ) وكان يقصد ( دول شمال أفريقيا ) وأصر عليها رغم محاولات مقدم البرنامج التصويبية .
صحيح أن إخوتنا المصرييين يستخدمون بعض العبارات الدارجة عندهم .. فمثلا نسمع في مواضع الإندهاش عبارة ( ياخبر ابيض ) .. لكننا إن تتبعنا الكلمة نجد أنها غير مأخوذه من معنى معروف محدد لغويا .. بل هي عندهم من العبارات المرنة التي تناسب المواقف وبالتالي هم ينزلونها منازلها .. لكننا نأتي بكلمات لها معنى محدد في اللغة فننزلها في غير موضعها أو نعكسها أو نشوه معناها . وليس بغريب أن نسمع يوما أن ( الشلاقة ) طردت لاعبا .
فمثلا نحن نقول للنيل ( بحر ) لكننا لا نرضى بأن يستعير أحد الإعلامين كلمة بحر للتعبير عن النيل .. لأنه ببساطه سيكون كمن يمارس التجهيل .. رغم أننا نسمع كثيرا عبر الإعلام عبارة ( ضفة البحر ) .. بينما للبحر ساحل وللنيل والنهر ضفتان . وكذلك نقول ( غلبه النوم ) ونريد بها أنه لم يستطيع النوم بينما معناها لغة أن النوم تغلب عليه ( العكس تماما ) .
قد يسألني البعض : ألم تسمع للشوالي ودارجيته ؟ نقول لهؤلاء أن الشوالي وأخوته يكفيهم أنهم نقلوا لنا بعضا من جمائل الترادف فأشبعونا بالمترادفات التي أغنت التعليق فكان ( الشوط هو الحصة ) و( المعسكر هوالتربص ) وكلمة ( لقاء عززت بكلمة مقابلة ) وكلها كلمات مقبولة رغم غلبة الفرنسية عليهم . لكن لن نقبل أن تهدر الشفقة هدفا .. لأن الشفقة شعور وجداني لا يمكن لمعلق أن يراه أويوصفه . ( بالله أوصفوا لينا الكوره .. وسيبكم من المشاعر لأنها مهمة الشعراء ) ..
والغريب أن الوسائط الإعلامية قد زادت .. وكل يوم نسمع بمحطة إذاعية أو فضائية جديدة .. لكن أين سنجد الكوادر التي تقود هذا العمل ؟؟ محطات قليلة بجودة عالية خير من كثرة يتبعها أذى .
سؤال : ماهي معايير إختيار المعلقين الجدد ؟؟ وكيف نعدهم ونؤهلهم وندربهم ؟؟ ومتى نعطيهم الفرصة للصقل وإثبات الذات وقد ( كلبش ) القدامى على المايكرفون ؟؟
......
ملء السنابل تنحني بتواضع ... والفارغات رؤوسهن شوامخ
......
صلاح محمد عبد الدائم ( شكوكو )
shococo@hotmail.com
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة