الامن الغذائى وحق الغذاء ومحاربة الفقر والجوع بين النظرية والتطبيق – الحلقة (9)
مواصلة لمناقشة الموضوع على ضوء دراسة الحالة التى أعدتها اللجنة الحكومية الدولية والتى شملت ( البرازيل , الهند , جنوب أفريقيا , يوغندا وكندا ) , بخصوص تأمين حق الغذاء , والتى كان من أبرز نتائجها رسم الخطوط التوجيهية الطوعية للاعمال المطرد لحق الغذاء , نتناول اليوم دراسة الجالة من جانب دور المجتمع المدنى فى المساهمة فى تأمين حق الغذاء .
فالمجنمع المدنى بمفهومه البسيط هو مكونات المجتمع التى لاتندرج ضمن أطار مؤسسات الدولة الحكومية بمختلف تشكيلاتها ومكوناتها . ولقد ظلت هذه الفئة بالدول النامية ولردح طويل من الزمن خارج دائرة المشاركة فى التشريعات أو رسم الاستراتيجيات والسياسات , بل هى مجموع متلقى عليه الالتزام بتنفيذ مايتلقاه من مختلف السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية بالدولة . جرى ذلك والى عهد قريب وبالاحرى حتى نهاية ماتعرف بالحرب الباردة , حيث كانت طبيعة الانظمة فى جلها التى تهيمن على السلطة بهذه الدول شمولية الطابع , بل انحصر حراك بعض قوى المجتمع المدنى فى سبيل التأثير على السلطات الرسمية من أجل الاصلاح فى حراك الاحزاب السياسية والنقايات والاتحادات بالاضافة الى اقلام بعض الكتاب الذى ينسحبون على هذه القوى أو تلك , وحتى هذه القوى بحسبان أنها ولردح طويل من الزمن عاشت فى ظلّ انظمة شمولية لم تكن تتمتع بعناصر تمكنها من التأثير على الحياة السياسية والاقتصادية بذلك القدر المطلوب لاحداث تغيير جوهرى وأصلاح يخدم عمليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية , وفى ظل ذلك أنحصر معظم حراكها على الساحة فى قمة هيكلها التنظيمى , وفى ظل ضعف الامكانات وحرية الحركة وعدم قابليتها فى فلسفة تكوينها للتعاطى مع متغيرات العصر المتسارعة , وجدت نفسها بعيدة عن التواصل مع المكون الاساسى للمجتمع المدنى , الذى وفى ظل واقعه المتردى أصبح لايستجيب أو بالاصح لايتعاطى بصورة جادة مع المتغيرات التى تدور من حوله , وتحول الى متلقى من الدرجة الاولى , وكأنه يعيش فى كوكب اّخر , لوصوله لقناعة بأن ماتأتى به السماء على الارض أن تتلقاه , دونما سعى للاستعانة بالاسباب لتغيير واقعه , فى ظل كثرة العناصر المسبطة للعزائم التى تحيط به , حتى تحول العالم بعد انتهاء الحرب الباردة الى العالم ذو القطب الواحد مع بدايات التسعينات من القرن الماضى , وكان لابد لفلسفة ذلك القطب أن تنتشر ولكن بشرط دون الاخلال بنمو السيطرة والهيمنة على مقدرات الشعوب المستضعفة وأستمرار تبعية أقتصادياتها الى اللوبى المستحدث , وهو مايشكل تناقضا مع شعارته المرفوعة مثل صيانة حقوق الانسان وأشاعة الديمقراطية والحكم الرشيد , وهنا كانت البداية الفعلية لصياغة ماتعرف بمنظمات المجتمع المدنى , وذلك لاضفاء شىء من الامل على تلك الشعوب المقهورة والتى تعيش الجوع والفقر والامية والبطالة ...الخ , وبحيث تشكل تلكم التنظيمات عناصر شد وجزب يقعد بعملية الاصلاح والتنمية على النقيض من ما هو معلن من قبل اللوبى المهيمن , فظهرت على الساحة مختلف منظمات الدفاع عن حقوق الانسان وحماية المستهلك وحماية البيئة ومحاربة الجوع والفقر ...الخ من الالاف من هذه المنظمات , وركبت الانظمة الشمولية نفسها الموجة , فشكلت المئات من هذه المنظمات بأسم المجتمع المدنى , لتمثل أزرعا أخرى لها تعمل على دعمها لترسيخ أهدافها , وهى محاولة للالتفاف على ماهو مطروح على الساحة الدولية , ولكل ذلك ولعدم المصداقية فى التعاطى مع القضايا بروح جادة من أجل الاصلاح الحقيقى لم يستطع هذا الكم الهائل منهذه التنظيمات أن تسهم فى تغيير الواقع السىء لهذه الدول , بل يشاهد المراقب ضجيجا هائلا على مختلف الساحات دونما تغيير حقيقى على أرض الواقع , وهو وضع يختلف تماما من حيث فلسفته ونهجه من منظمات المجتمع المدنى بالدول التى أبتدعت هذه المفهوم , حيث الديمقراطية والمساءلة والشفافية والدعم الامحدود من مختلف مكونات تلك المجتمعات , مما أدى الى نموها وتطورها , وتطور أسهاماتها فى مجتمعاتها بدرجة كبيرة , وأصبحت تنظيمات صاحبة دور بارز فى توجيه سياسات واستراتيجيات دولها .
نعود الى دراسة الحالة موضوعنا , ورغم الصورة القاتمة التى رسمتها فى المقدمة لواقع دور المجتمع المدنى بهذه الدول , كان لابد من الاستناد لدراسة الحالة كجانب علمى لالقاء الضوء على بعض الاسهامات وتحليلها .
يزداد الاعتراف بأهمية النهج التشاركى واشرك المجتمع المدنى فى تصميم وتنفيذ المخططات القائمة على الحقوق . وقد كشفت دراسات الحالة أن المجتمع المدنى يلعب دورا هاما فى التطبيق الفعلى للحق فى الغذاء فى العديد من البلدان . وفى بعض الاحيان تحقق المنظمات القائمة على الجماعات المحلية والمنظمات غير الحكومية نجاحا أكبر فى الوصول الى الفقراء مقارنة بالبرامج المركزية أو التى تديرها الدولة . كما يلعب المجتمع المدنى دورا هاما فى رصد تنفيذ الحق فى العديد من البلدان الخاضعة للدراسة .
وقد لعبت منظمات المجتمع المدنى دورا جوهريا فى الترويج للحق فى الغذاء فى البرازيل . وكان من أهم المبادرات التى قامت بها انشاء المنتدى البرازيلى للامن الغذائى والتغذوى فى عام 1998 . ويمثل هذا المنتدى شبكة من المنظمات والحركات الاجتماعية والافراد والمؤسسات , ويضم اليوم حوالى 155 منظمة ذات تمثيل فى كافة ولايات البرازيل . وقد اتضحت الاهمية الكبيرة لحركة المجتمع المدنى فى بداية رئاسة لويس ايناسيو لولا داسيلفا , اذ أعربت غالبية منظمات المجتمع المدنى والمنظمات غير الحكومية عن دعمها لبرنامجه الخاص بالامن الغذائى المعروف بأسم Fome Zero .
وأتت أبرز الجهود المبذولة لانشاء نظام لرصد اعمال الحقوق الاجتماعية من مجموعة من المدعين العامين فى مكتب المدعى العام الفدرالى , والذين أبدوا اهتماما بالدعاية والترويج للحق فى الغذاء , وفى التأثير على السياسات العامة فى هذا المجال . ونتيجة لذلك , فتح 26 مدعيا عاما , بالتعاون مع عدد من المنظمات الاجتماعية , تحقيقا مدنيا عاما لرصد السياسات والتمويل العامين المخصصين لاعمال الحق فى الغذاء .
وفى الهند سجلت فى عام 2001 علامة هامة فيما يتعلق بوعى الشعب لبرامج مكافحة الفقر ومشاركته فيها . لاسيما فى توزيع الغذاء على المحتاجين . واثر قلة الامطار الموسمية للسنة الثالثة على التوالى وعدم قدرة العديد من حكومات الولايات على تيسير الغذاء للفقراء ممن يعانون من اّثار القحط , بادر عدد من المنظمات غير الحكومية والمواطنين الساهرين على الصالح العام الى اطلاق حركة حق الشعب فى الغذاء فى الهند . وقد أمتدت هذه الحركة الى العديد من الولايات , لاسيما الولايات التى يتركز فيها الفقر والمجاعة . وقد ولدت هذه الحركة وعيا للمستحقات القانونية بين صفوف السكان غير القادرين , وساعدت أيضا على تحسين مستوى المساءلة ضمن الاجهزة الرسمية وبين السلطة المحلية الموكلة بالبرامج الاجتماعية .
ويلعب المجتمع المدنى فى جميع أنحاء كندا دورا هاما فى الحث على اعطاء الاولوية للامن الغذائى وفى التقدم بالحوار بشأن حق الانسان فى الغذاء . لكن وعلى الرغم من التوصية الصادرة عن خطة العمل القطرية بأن يؤدى القطاع وظيفة رصد قطرية , فان ضعفه المالى يمنعه من تأدية هذه الوظيفة . وتحتل منظمات المجتمع المدنى مكانة أكثر بروزا على مستوى المقاطعات والمستوى المحلى , حيث تتقدم بالحق فى الغذاء والامن الغذائى الى الامام عبر أنشطة شبكات الغذاء الخيرية , ومشاريع الجماعات المحلية البديلة والخاصة بالاغذية , والشراكات الطوعية التعاونية العامة , وشبكات الامن الغذائى , ومنظمات المزارع ومجالس السياسات الغذائية , بالاضافة الى القيام بأعمال البحث والتعليم العام والترويج للسياسات .
بناءا على ما تقدم , يتضح لنا جليا أن دور المجتمع المدنى فى أى دولة كانت فى التصدى لقضايا التنمية الاقتصادية والاجتماعية بقدر حجم أشاعة روح المشاركة الحقيقية بين مختلف شرائح وتنظيمات المجتمع , بحيث يتم صياغة استراتيجيات وسياسات وبرامج يساهم الجميع فى أعدادها وأجازتها والسعى بجهد مشترك خالص للوصول بها الى غاياتها , بحيث تؤسس على مقتضايات المصلحة العليا للوطن , وليس لفئات بعينها دون الاخرى , وبأشاعة روح المساءلة والشفافية والانضباط , بما يفضى الى تفاعل الجميع معها , فى ظل واقع تمثل تحديات الامن الغذائى بهذه الدول قمة التحديات التى تهدد استقرارها ونموها وتطورها ولنا فى المثال البرازيلى قدوة حيث تفاعل الدولة من القمة الى القاعدة مرورا بكافة مكونات المجتمع فى المساهمة الفاعلة لمواجهة هذه التحديات بروح الفريق الواحد .
وحتى نلتقى فى الحلقة القادمة بأذن الله
عاطف عبد المجيد محمد
عضو المنظمة الدولية لشبكة المعلومات والعمل لاولوية حق الغذاء- هايدلبرغ – المانيا
عضو الجمعية الدولية لعلوم البساتين – بروكسل – بلجيكا
الخرطوم بحرى – السودان
تلفون :00249912956441
بريد الكترونى :atifabdu1959@hotmail.com
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة