أعلان الجمعية العامة للامم المتحدة عام 2012 سنة دولية للتعاون أمتداد لثورة الاصلاح –الحلقة (6)
تناولنا فى الحلقة السابقة الصكوك الدولية التى تم الاستناد عليها من قبل اللجنة الحكومية الدولية التى أعدت الخطوط التوجيهية الطوعية للاعمال المطرد للحق فى غذاء كاف , واليوم نتناول ما تضمنته مقدمة تلك الخطوط التى تم أجازتها , والتى عنونت بالحق فى غذاء كاف وتحقيق الامن الغذائى , وكما زكرنا اّنفا , ان القطاع التعاونى بالنسبة لدول العالم النامية , والتى يشكل قطاع الزراعة المكون الاساسى لاقتصادياتها , هو القطاع الاوحد الذى يترجم بناءا على الفلسفة التى يقوم عليها تلكم الخطوط التوجيهية على أرض الواقع وسوف نتناول ذلك من خلال استعراضنا لتلكم الخطوط حتى يتمكن القارىء الكريم من الالمام بالاسباب الكامنة وراء محاربة الحركة التعاونية وتحجيم دورها من قبل المناهضين لها , فأى مناهض للحركة التعاونية لايمكن أن يؤمن بالديمقراطية وحقوق الانسان , وبعد فشل فلسفة القطاع العام والخاص بأنتشال هذه الدول من وهدة الجوع والفقر والجهل والمرض , لجأت الجمعية العامة للامم المتحدة وفى أطار الاصلاحات التى تجريها بمختلف مؤسساتها وبرامجها الى اصدار قرارها الخاص بأعلان عام 2012 سنة دولية للتعاونيات وصدر القرار بعنوان " دور التعاونيات فى التنمية الاجتماعية " فهل سمعتم بسنة دولية لدور القطاع العام أو الخاص فى التنمية الاجتماعية . وهل هناك تنمية أجتماعية دون تنمية أقتصادية , ولكن بلاغة الصياغة جاءت فى كون التعاون قطاع أقتصادى أجتماعى , وهو ماتضمنه القرار بأعتبار العديد من مقررات قمم العالم التى عقدت مرجعية أساسية لذلك القرار , حيث يتفرد القطاع التعاونى بتلبية متطلبات تدابيرها وخطط عملها وبرامجها , وكيف لا فأن كان سكان كلا من الصين والهند والبرازيل وهى التى أضحت تلقب بالقوى الصاعدة أو الاقتصاديات المتسارعة زات الثقل , يشكل سكانها 40% من سكان العالم , وهل كانت لتحدث هذه القفزة النوعية دون توليفة منظومات اقتصادية واجتماعية متسقة , وهو ما أشرنا لاثنين منهما (الهند والبرازيل ) من خلال دراسة الحالة فيما يتعلق بسلسلة الامن الغذائى ومحاربة الفقر والجوع ولازلنا نواصل . وكيف لا , فالذى قام بأعداد دراسة الحالة المعنية هى خبراء من اللجنة الحكومية الدولية والتى على ضوء نتائجها تم أعداد الخطوط التوجيهية الطوعية لاعمال حق الغذاء التى نحن نتناوله الان عبر هذه السلسلة , وهو ماتوج بأستصدار تشريع الملحق الاضافى لحق الغذاء , والذى تم أجازته من قبل الجمعية العامة للامم المتحدة نهاية عام 2008 , أى بعد ثلاثة سنوات من أجازة الخطوط التوجيهية , وتم الحاقه بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للعهد الدولى لحقوق الانسان .
نعود الى موضوعنا اليوم وفق ماورد فى تقديم الخطوط التوجيهية , الا وهو الحق فى غذاء كاف وتحقيق الامن الغذائى , حيث جاء النص على النحو التالى :
( يتحقق الامن الغذائى عندما يتمتع البشر كافة فى جميع الاوقات بفرص الحصول , من الناحيتين المادية والاقتصادية , على أغذية كافية وسليمة ومغذية تلبى حاجاتهم التغذوية وتناسب أزواقهم الغذائية كى يعيشوا حياة توفر لهم النشاط والصحة . ويشكل توافر الامدادات وثباتها والحصول عليها وأستخدامها الركائز الاربع للامن الغذائى .)
وقبل أن نتابع , نتوقف قليلا لنتدبر هذا التعريف الدقيق لمفهوم الامن الغذائى , حيث ينادى بأن يتمتع الكافة بفرص الحصول من الناحيتين المادية والاقتصادية على الاغذية الكافية . فمن الناحية المادية ومقيسا بمعيار خط الفقر الدولى وهو حصة الفرد الذى يعيش على أقل من دولار وربع أمريكى فى اليوم , وحسب الاحصاءات , للبنك الدولى نجد أن معظم سكان الدول النامية وخاصة دول جنوب الصحراء بالقارة الافريقية يندرجون دون خط الفقر هذا , وهم الاسواء حظا من غيرهم فى العالم . ومن الجانب الاقتصادى ففرص الحصول يرتبط ارتباطا وثيقا بما سوف نتناوله من شرح تفصيلى وفق التقارير الدولية والاحصاءات لمدى امكانية حصولهم هذه . ونأتى بعد ذلك لموصفات الاغذية الكافية المطلوب توافرها , فهى سليمة أولا , وهنا يكمن كما يقولون بيت الداء , فمعظم الدول النامية لاتمتلك حقيقة معامل تقنية بالمستوى التى يؤهلها للوقوف على سلامة الاغذية التى يتناولها سكانها , وهى عالية التكلفة , فمعظم سكانها يتناول الاغذية دون رقابة عن مدى سلامتها , وهو ماتعكسه الاحصاءات عن تفشى الكثير من الامراض خاصة فى الاونة الاخيرة , فالخضروات والفاكهة واللحوم وغيرها لاتخضع لفحص للتأكد من سلامتها قبل تناولها من قبل المستهلكين , وحتى اللحوم , فهى تخضع جزئيا على الفحص بالنظر فى أحسن الحالات , وهى التى تمر عبر السلخانات , ولا تخضع لاى فحص معملى , حيث تؤكد البحوث أن كثيرا من الامراض التى تحدث نتيجة تناول اللحوم من خلال زيادة نسبة العديد من العناصر التى تستخدم فى الادوية والعقاقير التى تستخدم لمعالجة أمراض الحيوان حينما فى بعض الاحايين تتجاوز النسب المحددة , وهذه لايمكن بأى حال من الاحوال تحديدها بالعين المجردة (المرجع-CODEX ) , وليس هذا فحسب بل وزيادة الجرع بالنسبة للاسمدة والمبيدات الحشرية والافات والحشائش , كلها لها تأثيرات خطيرة على صحة المستهلك , وأستخدام الاسمدة والمبيدات بهذه الدول لاتخضع للرقابة , وهو يدفعنا للسؤال عن دور جمعيات حماية المستهلك بهذه الدول ومدى قدرتها على مواجهة الموقف , وكذلك دور الجهات الرسمية فى توعية المستهلك وحمايته بهذه الدول . وتناول الحديث عن سلامة الاغذية فهذا موضوع بالغ التعقيد , ويعلم ذلك المتخصصين فى الامر , وهنا نشير كذلك لدور ادارات الموصفات بهذه الدول ومدى قدرتها وامكاناتها فى الحدّ من سلبيات الاستخدام المفرط لهذه المواد هذا بالاضافة الى جوانب عديدة متعلقة بهذا الامر مثل المواد المضافة للاغذية المصنعة مثل الخبز والحلويات واللحوم والمشروبات وخلافه . ثم نأتى بعد ذلك للمطلب الاخر وهو أن تكون الاغذية مغذية تلبى حاجاتهم التغذوية , وهنا لاحاجة بنا لكثير شرح , فيكفى أن نشير الى حصة الفرد من الالبان واللحوم والخضروات والفاكهة التى يتناولها يوميا مقارنة برصفائه بالدول المتقدمة , فانتشار سوء التغذية لدى معظم سكان هذه الدول ونقص العناصر الغذائية الاساسية وغير الاساسية يتسبب فى معظم الامراض التى تصيبهم , واحصاءات سوء التغذية الصادرة عن المنظمات الدولية لخير دليل , وهذا يرجع ليس فقط لضعف دخولهم , بل كذلك لعدم توافرها فى كثير من الاحايين ونقلها وتخزينها وتوزيعها , بل وضعف الثقافة الغذائية أيضا . وهو ما أشار اليه التعريف بالركائز الابع وهى توافر الامدادات وثباتها والحصول عليها واستخدامها . وهذه الركائز موضوع يأتى شروحاته من خلال تناولنا للخطوط التوجيهية بالتفصيل .
نواصل النص حسب ماورد بتقديم الخطوط التوجيهية:
(ويستدعى الاعمال المطرد للحق فى غذاء كاف أن تفى الدول بواجباتها ذات الصلة بحقوق الانسان التى تقع على عاتقها بموجب القانون الدولى . وتهدف الخطوط التوجيهية الطوعية الى ضمان توافر الغذاء بالكمية والنوعية الكافية لتلبية الحاجات التغذوية للافراد , وصمان الوصول المادى والاقتصادى لكل فرد بما فى ذلك المجموعات الضعيفة , الى الغذاء الكافى الخالى من أية مواد غير مأمونة والمقبول ضمن ثقافة معينة , أو الى الوسائل لشرائه .
تترتب على الدول واجبات وفقا للصكوك الدولية ذات الصلة والمتعلقة بالاعمال المطرد للحق فى غذاء كاف . ويشار فى هذا الصدد الى أنه يجب عاى الدول الاطراف فى العهد الدولى الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية احترام الحق فى غذاء كاف والترويج له وحمايته , واتخاذ الخطوات الملائمة لاعماله على نحو مطرد . ويتعين على الدول الاطراف احترام امكانية الحصول حاليا على غذاء كاف من خلال عدم أتخاذ اّية تدابير تحد من هذه الامكانية , ويتعين عليها أيضا حماية حق كل فرد فى غذاء كاف بأتخاذ خطوات تمنع المؤسسات والافراد من حرمان أفراد اّخرين من امكانية حصولهم على غذاء كاف . كما يتعين على الدول الاطراف وضع السياسات الرامية الى الاسهام فى الاعمال المطرد لحق الشعوب فى غذاء كاف بأن تنفذ مسبقا أنشطة تعزز حصول الجميع على المواد والوسائل التى تضمن لهم سبل عيشهم , بما فى ذلك أمنهم الغذائى . وينبغى على الدول الاطراف أن تضع شبكات أمان أو أية أوجه مساعدة أخرى , وأن تحافظ عليها , بهدف حماية من ليس فى وسعهم توفير الغذاء لانفسهم , وذلك ضمن حدود الامكانيات المتاحة لها .
يرجى من الدول غير الاطراف فى العهد الدولى الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية النظر فى التوقيع على هذا الصك .
وعلى المستوى القطرى , يشدد النهج القائم على حقوق الانسان على الطابع العالمى والمترابط وغير القابل للتفريق والمتكافل لهذه الحقوق , وعلى واجبات الدول والادوار التى يلعبها أصحاب الشأن ذوو الصلة . كما يشدد على تحقيق الامن الغذائى بأعتباره نتيجة لاعمال الحقوق القائمة , وكوظيفة منبثقة عن عدم التجزئة , ويشتمل على بعض المبادىء الاساسية وهى : الحاجة الى تمكين الافراد من اعمال الحق فى المشاركة فى تسيير الاعمال العامة , والحق فى حرية التعبير , والحق فى السعى وراء المعلومات والحصول عليها ونقلها , بما فيها مايتعلق بأتخاذ القرارات الخاصة بالسياسات الرامية الى اعمال الحق فى الغذاء الكافى . ويجب أن يأخذ هذا النهج بعين الاعتبار الحاجة الى التركيز على الفقراء والضعفاء الذين يبعدون غالبا من عمليات تحديد السياسات الرامية الى دعم الامن الغذائى والحاجة الى مجتمعات جامعة متحررة من التمييز الذى تمارسه الدولة فى تأديتها لواجباتها المتمثلة فى تشجيع حقوق الانسان واحترامها . ويمكن للشعوب وفقا لهذا النهج مساءلة حكوماتها والمشاركة فى مسيرة التنمية البشرية بدل أن تكون مجرد أطراف متلقية . ولايستدعى النهج القائم على حقوق الانسان معالجة النتيجة النهائية المتمثلة فى القضاء على الجوع فحسب , بل اقتراح طرائق وأدوات لتحقيق الهدف المرجو . ويشكل تطبيق مبادىء حقوق الانسان جزءا لايتجزأ من العملية .)
ان المتفحص لهذه الاسطر بعناية ودقة يجد أنها شملت كافة الجوانب المحورية لاسس نشوء مجتمع متحضر , وأن جاءت فى سياق الامن الغذائى , فتأمين المشاركة والمساءلة للدولة , وحقوق الانسان كجزء لا يتجزأ من العملية من خلال كافة صكوكها , بالاضافة للركائز الاربعة السابقة الزكر , فهل ياترى هنالك قطاع أقتصادى أوفر حظا وفق أصوله الفلسفية وقيمه الاخلاقية من القطاع التعاونى لتلبية هذه المتطلبات ؟ أترك الاجابة لفطنة القارىء الكريم .
وحتى نلتقى بأذن الله فى الحلقة القادمة
عاطف عبد المجيد محمد
عضو المنظمة الدولية لشبكة المعلومات والعمل لاولوية حق الغذاء –هايدلبرغ – المانيا
عضو الجمعية الدولية لعلوم البساتين – بروكسل – بلجيكا
الخرطوم بحرى – السودان
تلفون :00249912956441
بريد الكترونى :atifabdu1959@hotmail.com
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة