صوت من لا صوت له وطن من لا وطن له
الصفحة الرئيسية  English
المنبر العام
 
اخر الاخبار
اخبار الجاليات
اخبار رياضية و فنية
تقارير
حـــوار
بيانات صحفية
مقالات و تحليلات
بريـد القــراء
ترجمات
قصة و شعر
البوم صور
دليل الخريجين
  أغانى سودانية
صور مختارة
  منتدى الانترنت
  دليل الأصدقاء
  اجتماعيات
  نادى القلم السودانى
  الارشيف و المكتبات
  الجرائد العربية
  مواقع سودانية
  مواضيع توثيقية
  ارشيف الاخبار 2006
  ارشيف بيانات 2006
  ارشيف مقالات 2006
  ارشيف اخبار 2005
  ارشيف بيانات 2005
  ارشيف مقالات 2005
  ارشيف الاخبار 2004
  Sudanese News
  Sudanese Music
  اتصل بنا
Click Here
ابحث

اخر الاخبار English Page Last Updated: Apr 4, 2011 - 11:28:26 AM


من الدكتور عبد الله علي إبراهيم إلى الشعب السوداني
Apr 12, 2009 - 12:18:03 AM

سودانيزاونلاين.كوم Sudaneseonline.com

ارسل الموضوع لصديق
 نسخة سهلة الطبع

 

من الدكتور عبد الله علي


إبراهيم إلى الشعب السوداني

(كلمة الدكتور عبد الله علي إبراهيم في ندوته بطيبة برس بالخرطوم وقفة عيد الاستقلال 31-12-2008 التي أعلن فيها ترشيحه لانتخابات رئاسة الجمهورية، فبرائر 2009 )

 

 

سمعت أول ما سمعت بنبأ قرب خلاص السودان من الاستعمار وأنا في وضع منذر بسوء العاقبة. فقد كنت صبياً بالمدرسة الوسطى "قالب

هوبة": رأسي مدلدلاً وأقدامي  في الهواء على حائط من بيوت حلة المحطة بمدينة عطبرة. وأنا على هذا الوضع الاستثنائي جاء رجل من من أقصى المحطة مهرولاً يذيع نبأ توقيع اتفاقية فبرائر 1953 بين بريطانيا ومصر التي منحت الحكم الذاتي للسودانيين. ووجدت في هذا الوضع، الذي تلقيت فيه نبأ استقلالنا، رمزاً لسوء منقلب هذا الحادث السعيد حتى أصبح فينا "عيد باية حال عدت ياعيد". ولكن أكثرنا   عض على هذا المنجز الوطني الوسيم بالنواجذ مثمنين استعادتنا لإرادتنا الوطنية بغض النظر عن سوء استخدامنا لها. فالعودة إلى مربع الاستعمار (أو تشهي العودة له) عيب شؤم لأنه استبدال للحق و الحرية بالباطل وهو العبودية. والأصل في الإرادة الوطنية هو حق الخطأ.حتى قال الرئيس

 

نايريري للغرب إن لنا سرعتنا الخاصة فلا تعجلوا بنا.

وفي شرط الإرادة الوطنية والحرية قمنا بما نكاد أن نبلغ الآن به بر الأمان رغم مر الشكوى من الاستقلال. فقد توافرت الآن الأسس الواجبة لبناء وطن حر مستقل تظلله الإلفة السودانية. فالاتفاقات الناجزة (نيفاشا) والتي تحت النظر والمراجعة والاحتجاج (أبوجا والشرق والقاهرة) توجت ما اسميته من قبل ب "إعادة التفاوض" في بلدنا. وهو إجراء ضروري لنتحول بالبلد من مستعمرة فصَّلها الاستعمار على مقاسه وغرضه "قميص عامر" إلى وطن يسعد فيه السودانيون كافة بمنزلة المواطن لا الرعية. ونحن نقف بهذه الاتفاقات على أكتاف عالية سبقت مثل ثورة أكتوبر بتعبيرها الجنوبي المسئول ومفاوضات المائدة المستديرة في 1965 واتفاقية أديس أبابا في 1972 وسائر المفاوضات من بعد ذلك بين الدولة وخصومها ومن بين الجماعات السودانية فيما بينها.

 ومن حقنا تهنئة أنفسنا كسودانيين على أمرين. اولهما الشجاعة التي جاءت بها كل قوى الشعب السوداني بما في ذلك الجماعات المهمشة بأشواقهم جمعاء إلى مائدة المفاوضات تباعاً وبإلحاح وصبر وعزيمة حتى صرنا كلنا على علم بظلاماتنا. فكل شيء في الضوء وهذا سبيل الحلول والمواثيق التي تبقى وتلم شعث الوطن. أما ثاني ما نستحق التهنئة عليه فهو أننا لم نمل التفاوض وصار فينا عادة. وحتى الذي استكبر عاد   مكرهاً لطاولته: أباها ممعوطة فقبلها بصوفها. وما نريد اعتياده هو شرف الالتزام بالميثاق الوطني لا نهبط به إلى درك الحزبيات والجهويات وما أدريك. و عادة التواثق مما يحمل عليه الناكث لأن في السياسة من يراوغ حتى تنسد عليه السبل.

كدنا بما توافر لنا من مواثيق أن نرى الضوء في نهاية النفق. وكل ما أصابنا من ضر فادح هو من مستحقات بناء الأوطان الخيرة المتآلفة بلا   استثناء. فلنتفاءل بالخير نجده. ولا نستبق التطورات الدقيقة الحرجة القادمة لتشطيب بناءنا الوطني بالنذر البائسة. فليس بوسع سياسي أن يرشو شعبنا لإنتخابه كما يروج البعض من شرفات لوج السياسة. فهذا تبخيس لإرادة شعبنا سواء جاء ممن طلب شراء الذمم أو من صدق أن هذا ممكن الحدوث.شعبنا فوق هذه الصغائر. ومن تلك النذر قولهم إنه ربما طاف بنا طائف الجارة كينيا في انتخاباتها الأخيرة. وهذه استنتاج فاسد لأنه لم يقم على مقدمات منطقية. فلو كانت فينا جرثومة الفتنة الانتخابية لحدثت بعد انتخاباتنا في 1954 بعورها الكثير. ولكن بلدنا محروس. ومن النذر أيضاً قولنا أن تقرير المصير الجنوبي هو باب وشيك حتمي للانفصال. وهذا باطل من وجهين. أولهما: طالما كان الانفصال خياراً فلماذا هذا الترويع به أصلاً؟ لماذا نرتعب من ممارسة لحق مكفول؟ علماً بأنه، من الجهة الأخرى، لم يثبت من تاريخنا أن كان الجنوب على هذا المزاج إلا من قلة ستظل عليه قبل الاستفتاء وبعده ولا تثريب عليها.

 لذا كانت الانتخابات القادمة هي عقدة المسألة للخروج من نفق طال. وعلينا أن نستعد لها بأفضل مما نفعل. فأكثرنا ما زال يرواح عند استباق نتائج الفرص الذهبية المتوافرة لبناء السودان المتآخي الديمقراطي. فتهجم عليه نذر الشؤم خشية أن يتفرق السودانيون أيدي سبأ. وبالنظر إلى ما علقته من أهمية على الانتخابات القادمة للم شتات الوطن ولطويلة فإنني أنظر بجد وقوة إلى نتائجها على مستوى رئاسة الجمهورية خاصة. فمتى أَمَّنا زعامة صالحة ضمنا استثماراً أكيداً للفرص الغراء التي بمتناولنا حتى ننهض بالسودان ونشفي جراحه فيكون الوطن المتآخي السالم المسالم السعيد . . . " الفوق" الذي به هتفنا حتى انشرخ الصدر. وقد استخرت بشأن تبعتي شخصياً تجاه هذا التشهيل الطيب للانتخابات وتوصلت إلى ما يلي:   

 أصالة عن حقيقة في نفسي وامتثالاً لرغبة العديد من الأصدقاء ومريدي الخير لنا أنقل إليكم عودتي بصورة نهائية للسودان لإستئناف شاغلي العام وشغلي في وطني وبين أهلي. قال ولي في الطبقات حين استبان الحق : "البيضوي البيضوي بين أهله" .وسأبعث برسالة بعد لقائي هذا بكم إلى مخدمي وهو شعبة التاريخ بكلية الآداب والعلوم بجامعة ميسوري بالولايات المتحدة أطلب منها إحالتي إلى المعاش الذي بلغت سنيه الاختيارية. وليس هنا موضوع تفصيل فضل هذه الجامعة وأمريكا بعامة عليّ. وسيجي يوم شكرهم جميعاً تباعاً.

وبعد تفكر طويل في ما ينبغي لي عمله في جولتي الأخيرة هذه في العمل العام قدرت أن افضل ما بوسعي القيام به هو أن أشٌرف برئاسة الجمهورية في هذه المنعطف الولود الخصيب من تاريخنا الذي سيتشكل فيه بلداً للسودانيين جميعاً. وبناء عليه فيسعدني   أن تنقلوا عني ترشيح نفسي لإنتخابات رئاسة الجمهورية القادمة في سبتمبر من هذا العام أو متى وقعت.

من أمثل؟

للإجابة على سؤال "من أمثل؟" أعود إلى ذكرى من الطفولة. عدت ظهيرة يوم من أيام 1947 من روضة مدرسة كمبوني بعطبرة. ووجدت ركباً من العمال متجهاً صوب مكتب مدير السكة الحديد. فسرت في ذيل الموكب فضولاً. وعلمت لاحقاً أن ذلك كان أول موكب أراد به العمال الضغط على الحكومة للاعتراف بهيئة شئون العمال أو نقابة السكة الحديد. ثم اخترت لاحقاً بوعي أن أكون في الحلف الاجتماعي السياسي الذي نشأ حول النقابة وإنسانيتها. وهي إنسانية عمت القرى والحضر متواشجة مع إنسانية القبيلة والطائفة ومغطية عليها. وكانت لها امجادها وعثراتها. فقد نهضت بثورة أكتوبر 1964 وابريل 1985 وابتنت تحالفات سياسية إجتماعية ستراودنا أبداً. من الجهة الأخرى كان لهذه الإنسانية عثراتها. ونذكر عرضاً تمترسها خلف مصطلح "القوى الحديثة" حتى تنصلت عن الأرياف وتركتها نهباً لتكتيكات العنف. ومن عثراتها ضيقها بالهزائم ومحاولاتها المتكررة لتجديد ثوراتها بالانقلاب والانقلاب المضاد حتى أصابها الإنهاك. وسيكون كل ذلك موضوع نظرنا لعودة إنسانية النقابة إلى معترك اليساسة بعد جلاء الطغم المسلحة التي سادت الحكم والمعارضة في العقود الأخيرة.  

كنت في ذيل موكب لهذه الإنسانية طفلاً ثم كنت بعضها شاباً ثم في وسطها كهلاً. وأريد منكم في شيخوختي أن تعينوني أن أكون على رأسها مجاهداً برئاسة الجمهورية لنصلح   البلد ونسعد أهله وغمارهم خاصة.            

وماذا أطلب بالتحديد؟

لن أفصل في برنامجي لا منعاً للإطالة فحسب بل لأنني أخشي أن يكون قولي مكروراً أنسج من قماشة الأزمة ذاتها في طلب مستحيل لتفكيكها والشفاء منها. فقد سمعت الأمريكيين يقولون أنك لا تحل شِبكة ما وكل زادك هو نفس الفكر الذي ورطك فيها أول مرة. ويقول أهلنا الملوية من البهم ما بتحل رقبتها. فلكي نوفق إلى الحل الصواب (لا المسكنات وجراحة التجميل وعدي من وجهك) رأيت ان تكون مناسبة ترشيحي باباً لفتح باب الحوار الوطني على مصراعيه حول أدق وأعصى متاعبنا بروح سمح وأريحية تشترط الآخر لسداد الفكرة والاستنارة. لقد انقطع حبل هذا الحوار دائماً لتطوع نفر منا باحتكار الرأي وفرضه بانقلابات عسكرية-مدنية متساوقة. فجعلوا من رأيهم عقيدة بينما تعصب معارضوهم وجعلوا من رأيهم غبائن. واصبحنا جميعاً وقلوبنا شتى.

 

والتزم من جانبي بما يلي:

- أن أسعى ومن تبعني بإحسان إلى عقد حوارات موثقة مع كافة طوائف المواطنين والجاليات باختلاف لغاتها ومواقعها لبلوغ إقليم الوجع فيهم ومكنون حكمتهم. وشرط هذا الإجراء الحرية والعزيمة. فنسأل ولاة الأمر في حكومة الوحدة الوطنية وحكومة الجنوب والولايات أن يتفاءلوا باستئنافنا الحوار الوطني وأن ييسروا ولا يعسروا. وسيجدوننا في مقاس كثافة تبعة مثل النهوض بمثل هذا الحوار وتمام الذوق السياسي متى اختاروا قبولنا. وسيروا صدق عزائمنا إن هم لجوا عن سواء سبيل الحرية.   

  غير أنني أبادر بمؤشرات عامة حول تصوري للحكم في ظل رئاستي للجمهورية:

1-      استئناف تحرير الدولة من موروث الاستعمار الذي لا مكان فيه لمواطنة مستحقة التكريم. فقد بقينا في ذل وضعية "الأهالي" حتى في ظل الاستقلال لأن ولاة امرنا لم يجدوا سوى القدوة الاستعمارية في الحكم فناسبتهم. فالأهالي هم من يدفعون الضريبة عن يد صاغرين بغير تمثيل إنتخابي حقيقي   في كيان الحكم. وعليه فلا حق لهم   في مساءلة الخاصة الحاكمة في انفاق تلك الضريبة. وقد انتهى بنا هذه إلى سفه   حكومي طال مداه ووجب لجمه بشرع الشعب.

2-      أن يستتب دوران الحكم بالإنتخاب ويتنزل أدنى فأدنى من الولاة حتى أصغر قائم بالولاية العامة. وفي هذا ترسيخ لمبدأ مساءلة ولي الأمر باقتران الوظيفة العامة وخلعها بالجمهرة   لا بسلطان علوي.

3-      أن يمتثل السلطان العسكري والشرطي والنظامي للإرادة المدنية مجسدة في ممثلي الشعب المننتخبين.

4-      أن تعنى الدولة باللغات غير الرسمية عناية تأذن للمتحدث بها أن يبلغ الدولة بأشواقه وظلاماته في المحاكم ومفوضيات الأراضي والنزاعات. فهذه اللغات المتروكة هي مستودع أوجاع ورغائب في الحياة الحرة السعيدة رمينا بها على قارعة الحكم في طلبنا لإدارة الشعب رغماً عنه. فتحرر الصفوة من الشعب وسفهها هو وجه من وجوه قمع اللسان المظلوم.

ولغاية ترشيد الحكم ولجمه بإرادة المواطنين وتصريفهم سأطلب من الجهات المختصة أن تضع في متناول حملتي الإنتخابية ما يلي:

1-      كل التقارير المتعلقة بالمواجهات التي تمت بين الدولة والشعب أو الشعب والشعب مثل واقعة الضعين و سوبا والمهندسين وبورتسودان وكجبار والمناصير وغيرها.

2-       سأطلب كل بيانات عمليات الخصصة والتصرف في رئات المدن وأراضي المواطنين بولاية الخرطوم وغيرها.

3-               سأطلب تقارير دقيقة عن شركات الدولة الباطنة وسير أدائها ودخلها ومنصرفها.

وغايتي من ذلك لا مجرد المحاسبة بل بذر بذرة التعافي والعدالة الانتقالية على بينة وعلى مرأى من الشعب وبإذن منه.   وأدعو من هنا أهل العلم والاختصاص أن يستعينوا بهذه الحصيلة وثمرة أبحاثهم الخاصة لترتيب بيت الدولة على الامتثال للشعب.

أتوقف هنا قليلاً لوصف إلتزام سياسي وروحي هو ميثاقي خلال رئاستي للدولة أو كجزء من الحركة الاجتماعية السياسية التي نرمي إلى استنهاضها خلال الانتخابات لتمكث في الأرض وتنفع الناس. كانت عمتي أمنة بت حجر قد رعت طفلة تركتها بنتها القسمة شافعة ورحلت عن دنيانا. وكانت تسميها "البنت الأمانة". والتزم كرئيس للجمهورية أن تكون من بين مسئوليتي المباشرة وتحت نظري تماماً الجماعات الأمانة التالية من ذوي الحاجات الخاصة أو من ضحايا إضطراب الحكم وسفهه منذ الاستقلال: وأحصرهم في (1) العرجى والمكاسير والعجزة والعجائز والمفرطين في القصر والمتعففين من الفقراء والمساكين.

 

 (2) اصحاب المعاش الذي أفرطنا في فرضه على العاملين فأبتلوا بموارده الشحيحة وهم في زهرة أعمارهم. وكذلك المالون للصالح العام. ولن يخرجوا عن أمانتي حتى تتهيأ الدولة لعودتهم إلى أضابيرها عوداً كريماً.

(3) قدامى المحاربين من العسكرييين والحركات التي ناهضت الحكومة المركزية حتى نستقر على سياسة حكومية مثلى تعتبر خدمتهم الوطنية وتعتبر بها.

(4) قدامى المحاربين من قادة العمل النقابي وما جرى مجراه ممن خدموا جمهورهم ووسعوا ماعون الديمقراطية من أسفل.

(5) ضحايا إضطرابات السياسة السودانية وعنف الدولة والعنف المضاد.

وهذه أمانة انا محاسب بها أمامكم سياسة وامام الله تقوى واحتساباً. وأنا على يقين شديد أن ديوان الزكاة سيعينني ، جهازاً وفقهاً، على هذا الإبتلاء السيادي. وسأسن من القوانين ما يٌفَعِل تقوى "فضل الزاد" بإسقاط جٌعل من الضريبة على أهل الخير والسالفة.

إنني متفائل بأن مسعاي هذا سيكلل بالنصر. فالفلاح معقود على ناصية الخير. والخير أردت. وثقتي في شعبي عامة كبيرة وفي الكادحين فيه كدحاً بالذات. ولكنني حريص بذات القدر بأن تكون حملتي الإنتخابية مناسبة لإستثارة حركة سياسية إجتماعية باسم "القائمة الوطنية للنهضة" (قون) تتقتق عن عبقرية شعبنا المعهودة. وسنفصل في ذلك في حينه. فأرجو أن أتوجه عبركم هنا للسودانيين جميعاً ليباركوا خطوتي هذه وينصروها. فإن لم تكن ممن قبلني ظاهراً وباطناً فباركها لأنها تصب في نهر التحول للديمقراطية. وأوصي من سمع عنا خيراً أن يذيعه ومن سمع منا غير ذلك أن يأوله على حسن القصد ويعفو عفواً وعافية ويطلب   لنا المغفرة.

د. عبد الله علي إبراهيم

عن القائمة الوطنية للنهضة (قون)   

 

 

 

 

 

 

 

انتفاضة الوعي هي تشاؤم الفكر وتفاؤل العزيمة

حوار مع الدكتور عبد الله علي إبراهيم

 

حاوره : مؤيد شريف سراج النور

هذه أسئلة وضعها أمامي الصحفي النابه مؤيد الشريف ونشر اجاباتي عليها بجريدة "أجراس الحرية". ولما ارتاحت نفسي للاسئلة الذكية عدت إلي تلك الاجابات أحررها أزيد وأنقص فيها طمعاً في أن أوفيها بياناً حتى تسوغ للقاريء. وهاهي. وأنا ممنون لمؤيد الذي زارني وصبر على هذا الحديث وفرغه من الأشرطة بصبر وحمله من الشفاهة إلى الكتابة ثم الكتابة الأخرى.   

 

عناوين الحوار:

 

ــ     أثمن وأقيم الجهادات المختلفة لأهل الأقاليم في دارفور والشرق وكلها نهضت لأنها تريد   أن تكون بعض هذا الوطن كمواطنين.

 

ــ     واحدة من أكبر متاعب النظام تتصل بانعدام ثقة الناس في القضاء.

 

ـــ    لا يجب أن نكون علي نموذج من قال طه حسين بلسانه :"أنت شكاء بكاء كأختك الصغيرة".

 

ـــ   الديمقراطية تحتاج الي صراع من أجلها وأن تحرسها بالجمهرة.

 

ـــ    يجب أن   نخلق الوعي ب الانتخابات، فهي السكة غير اللاعب

 

-         نحو انتفاضة الوعي بتشاؤم الفكر وتفاؤل العزيمة

-          

-         لما لم يبن الترابي مشروعه على الحرية انتهى إلى الغبائن التي

ترونها

 

-         المزاج السوداني أمزجة وخصوصيته خصوصيات

-         الديمقراطية بعبارة بسيطة هي التمرغ في الخصم

-          

-         دارفور من ذيول الحرب الباردة ايضاً

-          

-         صفوة دارفور حملت "القبيلة" محامل لا قبل لها بها

-          

-         التسوية الدرافورية بلا عربها قنبلة موقوتة

 

 

 

إذا كان الناس يجمعون علي حراجة الإنحشار الذي يعيشه النظام ، وما ينسحب من هذا الوضع علي الوطن ، وأنت تقول وتصفه بأنه "منعطف ولود!!" ، فما هو باعثكم لهذا التفاؤل ؟

 

حاصل ترتيب في البيت السوداني استغرق سنين عددا.، ترتيب داخلي شاق ودموي. ولكنه ترتيب لامهرب منه لبناء وطن مستحق للجميع. وأنا  دائما ما أشير إلى أنه عبر تاريخنا منذ الاستقلال، وفي السنين الأخيرة بوجه خاص، اتفقت لنا   مجموعة مواثيق في قسمة السلطة وقسمة الثروة . والحق أني لا أنظر اليها كتقسيم مجرد للسلطة والثروة بل أعتبرها خطوات باتجاه نشر المواطنة علي مواقع ومناطق واقاليم كانت مستبعدة من المواطنة وتشتكي من انعدام أثرها في السلطة. أفتكر نحن الان نسير في طريق المواطنة "السابغة" أي الشاملة للجميع. وتم هذا عن طريق صراع عنيف . وأنا أثمن وأقيم الجهادات المختلفة لأهل الأقاليم في دارفور والشرق والجنوب وكلها نهضت لأنها تريد أن تكون بعض هذا الوطن كمواطنين . وأختلف معهم في التكتيكات وأرى أنه كان بامكاننا، وبديمقراطية 1986م، أن نصل الي هذه الغايات بشكل برلماني، بشكل ليبرالي، بشكل سلمي. ولكن أحاطت بهذا الطريق السلمي ملابسات ومتاعب وتفرقت السبل. وما لم نبلغه بالسلم وبالنظام البرلماني بلغناه بالحرب والاقتتال ، وهذا ثمن باهظ ، ولكنه الثمن الذي يتوقع دفعه كل من يريد أن يبني أمة سوية. وأنا افتكر أن هذا سببي للتفاؤل بالوطن الجديد وهو أنه اكتملت عندنا معاني المواطنة السودانية. فالمواثيق المؤدية الي ذلك تحت تصرفنا ، بعضها لم يكتمل في دارفور . ومع ذلك انطبق علينا قول القائل نعرش على كده. فلم تبق سوى مرحلة تشطيب الوطن للجميع. والانتخابات التي قررت دخولها لمقعد الرئاسة داخلة في مرحلة التشطيب. وهي تمثل فرصة للسودانيين أن يختاروا مقاولي تشطيب من الدرجة الأولى. لأنه اذا استمرت الانقاذ، وهي عند الكثيرين فاقد مواثيق أو "قََادة" مواثيق بمعنى بؤس إئتمانها عليها ، ومورطة في تواريخ مذكورة وسلبية ، فستعود حليمة لقديمها. فإذا نحتاج لفتح صفحة جديدة بالانتخابات تأتي بطواقم سياسية جديدة سواء علي مستوى رئاسة الجمهورية أو البرلمانات تكون في حل من تواريخ الحكم القديمة والحزازات القديمة   والثارات القديمة والثوابت القديمة. وأهم ما نطلبه من هذه الطواقم أن تتصف بخلق الوفاء بالمواثيق الذي هو لب السياسة وما عداه هرج. ومن الجانب الاخر مفروض علينا دستوريا أن نجري الاستفتاء على وضعية الجنوب فأما انفصال واما وحدة عن طريق الاستفتاء. وهذه سكة خطرة نريد أن ينهض بها الأشداء على الحق منا: رجال ونساء جنوبيين وشمالين في قامة بناء وطن وليس رجال في قامة الكتال من اجله. نقدمهم لأنهم موهوبين في فن التنازل والمساومة وتخطي العقبات بالصبر ورباطة الجأش والتفاؤل بالسودانيين الذين يستحقون كل خير وما وجدوه. وعدة هؤلاء الإرادة الوطنية التي هي كل ما تبقى لنا من الاستقلال الجريح.   وهنا مبعث تفاؤلي من أن الاشياء التي تنتظرنا ولود . ولكن كل   حامل لجينات الخصوبة والوعد يحمل أيضاً جينات السلبية الاجهاض. امامنا   طريقان شتى مستقيم وأعوج. ولا نريد أن نبكت أنفسنا تبكيت المتنبيء لنفسه حين قال: وإذ أهدى الطريقين التي أتجنب.

 

هناك رأي آخر قد لا يري في الاتفاقات - والتي تراها بناءاً كاملاً وأساساً صالحاً وما ينقصه فقط هو  التشطيب - قد لا يري فيها هذا المعنى  ويعتبرها ثنائيات جزئت المُشكل وعمقت النزاعات الطرفية ويستشهدون بأبوجا ؟

 

أفتكر أن هذه من ثوابت بعض الناس لتوا فيها وعجنوا فيها طويلاً. هذه ثنائية وتلك ثلاثية وهذه ثلاثية وقدها رباعي. حتاما. ومثل هذه الثابته ما أحرص في دعوة الناس للتخلص منه. فالاتفاق اتفاق وليس إمساكية رمضان. وليس فيها ما يحرم تجديده ومرحلته واستكماله من مثل استكمال أبوجا بالتعويضات وغيره. العبرة ليست في فساد الاتفاقات التي بيدنا. العبرة في قصر قامة القيادة عندنا التي لا تنهض بالتبعة حتى غايتها. فهي قيادة العودة من الغنيمة بالإياب والشكوى مر الشكوى.

قيادة أم مؤسسية وآليات للدولة ؟

 

البرلمان مؤسسة وقيادة تشريعية ، ورئاسة الجمهورية هي مؤسسة تنفيذية ، والقضاء مؤسسة رقابة وصون. ونحن نريد أن نجدد هذه المؤسسات ونرسم الحدود بينها في حكم ديمقراطي تأخر طويلاً. فعلي سبيل المثال لابد أن نؤمن فصل القضاء واستقلاليته . فالواضح الان ان واحدة من أكبر متاعب الإنقاذ تتصل بانعدام ثقة الناس في القضاء. هناك شبهة أن القضاء لا يزعج الجهاز التنفيذي ولا يعقب عليهً. فأنا مستغرب جداً أنه لم تننشأ بين قضاتنا ثقافة حرية التعبير في أحكامهم مع أن الرقابات المختلفة تأخذ بخناق الصحافة.  هناك ظلم سميته "جورا" في مقال أخير. ولما جابهتنا مسألة دارفور لم نجد في قوانينا ما أقنع العالم بأن محاكمنا الوطنية قد أعدت للأ مر أهبته. فمن المحرج أن يتخطانا العالم إلى محاكمه نفر منا لأننا لم نرتب بيتنا القضائي بصورة تسترد إرادة العدل لنا ولا تكون قميص عثمان غربي. وهذا قول عابر يؤكد علي أهمية تامين مسألة استقلال القضاء. وهذه تبعة للاصلاح من أجلها خلقت الانتخابات وتنافس المتنافسون لتحقيق هذا الاستقلال وتأمينه.

يمكن لك أن تشكو من الثنائيات ما وسعك. وأخشى أن يكون في ذلك مصداقاً لقول طه حسين بلسانه عن نفسه:"أنت شكاء بكاء كأختك الصغيرة". فأترك الشكوى وأبدأ النقد. فقد لاح صباح الفعل بالناس وللناس عبر الانتخابات التي لا يمكن أن تنعقد إلا في مناخ حريات مهما طففتها الحكومة.    ولا احد بإمكانه أن يعطيك الضمانة للديمقراطية وبالأخص الحكومة، أي حكومة. فالديمقراطية تؤخذ غلابا وتحرسها بالجمهرة والطبع في نهاية الأمر. المعارضة الرسمية للإنقاذ قطعت أواصرها بالجمهرة وبدأت الشكوى. فأبوجا جاءت ناقصة أو ثنائية ليس بسبب الإنقاذ وحدها بل بسبب الأمريكيين بصورة كبيرة لأنهم أرادوا اتفاقاٌ مع حركة مسلحة غالبة على حساب حركات خافتة لحماية اتفاق نيفاشا مع الجنوب. فأبوجا صناعة العالم القوي الذي كان يمول معارضة التجمع نفسه في القاهرة. فالوعي بنقص ابوجا لا ينبغي أن يقتصر على بؤس الإنقاذ. إنه أكبر من ذلك وهو وعي باستضعافنا، عرباً نحن ونوبة، في ميزان العالم. فمسألة دارفور عولجت في أبوجا لا بقدر أهميتها بل لأنها ستمطر في حفل نيفاشا وتفسد زينتها كما يقول الأمريكيون.

 وهذا سبب لنبعث فينا الوطنية كإرادة نصوبها نحو متاعبنا متمتعين بالنظر الشامل. وهذا سيقودنا إلى تحجيم القانونيين في السياسة العملية. فبعض اسباب غلبة الشكوى في نشاط المعارضة هو سيادة العقل القانوني في ممارسة المعارضين. فالقانوني لا يعتقد في حصول الشيء إن لم يصدر قانون بشأنه أو ان يلغى قانون يحرمه. يضيقون واسع السياسة كممارسة تجترح المعجزات (بما في ذلك الثورة) بتخفيضها إلى فقه تشريع وتشكى من مماطلة في التشريع. هذا مقبول من القانونيين ما ما رسوه في حيز المحاكم والمحاماة. ولكنهم حين ينقلونه بحذافيره إلى ساحة السياسة يصبح بعض آفات مهنة مخصوصة هدت في غير مكانها.   

 

بالنظر لدولة الحزب الواحد والدولة الامنية القابضة ، أليس من الاجحاف تعليق كل اللوم العنيف علي الاحزاب وتشكيها ونترك حزب الدولة القابض بقوة القمع والسلاح ؟

 

دي الشكوى بذاتها وصفاتها .. ده تشكي برضو.   الحكومة كعبه يعني حنقول الكلام ده كم مره . فنحن نقوله منذ جاءت في 1989. هل كتب علينا أن نكرر جور الانقاذ   كل صباح جديد. دا حدو وين؟   ؟ ده كلام ما يصح. إنتو ما بتزهجوا ...

 

اذا ما هو المخرج من "حالة التشكي" في رأيك ؟

 

الإنتخابات ثم الانتخابات ثم الانتخابات. الحل هو تحكيم الشعب. فلو جاءت الإنقاذ بالانتخابات شن قولك؟ ننتظر انتخابات قادمة فصراع الديمقراطيين متنى.     

وهل يمكن أن تقوم انتخابات في أجواء من الكبت والاستفراد؟ وهل الاجواء اليوم مناسبة لانعقادها حرة وشفافة ونزيهة ؟

 

شكوى برضو. هذه صنعة المحامين فينا. فطالما لم يصدر قانون إيجابي لصالح الشفافية فالإنتخابات مزيفة مقدماً.لا. السياسة غير ذلك. نحن ما ولاد الليلة. ولم تقع مآثر السياسة عندنا في شروط القانونيين للعمل السياسي. نشأنا في اليسار على ضرورة ربط العمل القانوني بالعمل غير القانوني لإنفاذ خطتنا وعلى المساومة في التراجع وعلى العزيمة في الهجوم. نلحف في المطالبة بالقوانين الديمقراطية ولا ننتظرها لنمارس ما نعتقد. وندفع الثمن. ودا مربط الفرس.  

 

وكيف نخلق الجو ؟

 

يجب أن تقول للناس أن الانتخابات هي طريقنا الأقصر إلى حل الأزمة الوطنية العاولة. وحتى لو غفلنا عنها وزورها مزور في (في شرط نيفاشا) فهي أقل وجعاً في الوطن. فقد طال مدى إراقة الدماء. إنتو قلوبكم ما فيها رحمة. والانتخابات كذلك هي الوسيلة الوحيدة التي هي طوع إرادتنا الوطنية. أما بقية المخارج الأكامبوأوبامية فهي ملك مسجل لآخرين. ومن يملك من أمرها شيئاً فليورينا عياناً بياناً أن في طياتها شفاء لوطننا. علينا أن نكون إيجابيين وصادقين وكلنا عزيمة في خلق الوعي بأن الانتخابات هي المخرج الوحيد والذي بين أيدينا . يمكن أن نرجع لحرب التحرير ولكن النسخة التي نراها في دارفور منها على ايامنا هذه فمحزنة ولا تسر عدو ولاصليح. لقد جرب بعض الشماليين هذا الحل وعاد العائد منهم ملوماً محسورا. أنا دعوت دائماً لاسترداد قوى الأمة الحية من من العمال والمزارعين والرأسمالية الوطنية والهامش المدني قاطبة إلى الساحة السياسية بعد تفريغها من المليشيات والمسلحين في الحكومة والمعارضة . ولا سبيل لعودة هذه الجماعات (التي اختطف المسلحون منها السياسة) إلى دائرة السياسة إلا بالإنتخابات. وأعجبني قول السيد   الصادق المهدي حين وصفها ب "إنتفاضة إنتخابية". فلن تعود هذه القوى إلى ساحة السياسة إلا بفوهة صندوق الإنتخابات. فقد تأذينا من معشر المسلحين الذين حكمونا أو عارضوا بنا بفوهة البندقية. بالديمقراطية تسمع كلام من يبكيك لا من يشهر البندقية فوق راسك. كفاية.

هذا يحيلنا الي مسألة أساسية جدا ، وانت تتحدث عن انعدام الفعل لقوى الشعب ، أليست هي نفسها مكبلة بترسانات من القوانين الاستثنائية والاجراءات الاستثنائية أيضا ؟

 

يا مؤيد أنا كل ما اخرج بك من الطين تعود بي إلى (الروب) اي إلى شكوى القانونيين ؟ كيف يختلف هذا السؤال عن السؤال الذي سبقه ؟

 

هذه دليل علي انها حالة مستمرة ؟ألا تؤخذ في الاعتبار ؟ الأصل أجواء طبيعية و...

 

الأصل أن تنتزع هذه النقابات من سدنة النظام. وليس هذا بالأمر الطاريء. تاريخ النقابات منذ عهد الاستعمار هو تاريخ استبدال ممثلي الحكومة عن النقابة بممثلين أخيار لمصالح العمال. فهذا هو الأصل في تاريخ هيئة شئون العمال في السكة حديد. اراد الإنجليز أن يكونوا لجان مصلحية بدلاً عن النقابة التي بدأ العمال في الحديث عنها. أراد الإنجليز أن تكون هذه اللجان أداة طيعة في يدهم ويبدو عليهم مع ذلك أنهم استجابوا لمبدأ تمثيل العمال. ورفض العمال هذه اللجان النقابية الزائفة. وكتب الرفيق قاسم أمين "وكشفناك يا نيومن" ليعرى خطة النقابة الكاذبة. وشهدت عطبرة في 1947 معارك جد لإنتزاع نقابة عمالية بحق وحقيق. ولو درست مصطلح "إنتهازي" في سيرة النقابة السودانية لوجدته وصفاً لعمال اختاروا صف المستخدم أو النظام الحاكم على التعبير الشجاع عن مصالح العمال. القصة قديمة لكين مين يقرأ يا مؤيد يا ابني. ولا تقول لي الإنقاذ جاءت بما لا عين رأت من صنوف السيطرة على النقابات بما يتواضع به فعل الإنجليز وعبود ونميري مجتمعين. كضباً كاضب.

اقول لك كلام. أعرف أن نقابة البوستة (المخصصة) معتصمة منذ أسابيع احتجاجاً على شروط الخصصة التي اضرت بهم. وانعقد خلال هذه المدة مؤتمران حزبيان تاريخيان. هل سمعت يا مؤيد اي قرار لصالح هؤلاء العمال والموظفين من المؤتمرين بغض النظر عن من يسيطر على النقابة من الحكومة أو المعارضة.   لقد أبت نفسي إلا أن أغشاهم لوقت قصير في اعتصامهم واستمعت إلى نقابي منهم حول مظلمتهم بعد تعريفي بنفسي.

يشكون من سيطرة الإنقاذ على النقابات وتزوير الانتخابات ثم تضرب نقابة ضد الخصخصة البغيضة ولا معين   وما زلوا يشكون من الإنقاذ التي وسعت كل شيء وأدخلت النقابات في حظيرتها. ود اسمو كلام. أما المحامون المعارضون فقد أصبح انسحابهم من انتخابات نقابتهم هو غاية همهم.

 

تنسحب اعتراضا علي أجواء معينة.

 

لا تنسحب حتى تكتب عند الناس منسحباً. تنسحب لتستعد للجولة الثانية. فالنقابيون المعارضون ينفقون الفترة بين الانتخابات في حالة بيات مهني وسياسي. فدائماً تفاجئهم نقابة فتحي خليل بالانتخابات وهاك يا شكوى. فالمعارضون لا ينتهزون فرصة ما بين الانتخابات لخلق رأي عام حول الإصلاح القانوني واستقلال القضاء وديمقراطية القانون لا بطق الحنك في ندوات مبعثرة هنا أو هناك. بل بسلاسل لنشر كتب عن هذه القضايا وسمنارات بل ومراكز للبحث في متاعب المهنة وآفاقها. فقد انحل معهد التدريب والإصلاح القانوني بجرة قلم ومحامي المعارضة غائبين عن ساحته جملة واحدة. الشاهد أن المحامين المعارضين حين ينسحبون لا يعودون لإنتخابات العام الجديد داعين إلى وعي مبتكر بالقانون وبالمهنة يجذبون به أهل المهنة على الحق. فهم يعودون يمضغون سياسة محضة كممثلين للمعارضة. لا يأتون اصالة عن انفسهم كأهل مهنة للعدل والانصاف بل ككادر معارض من نوع العشرة بقرش.

لابأس في الانسحاب ما دعت له الدواعي التكتكية. لكن لا تجعل منه سيرة.

أين ترى جذر النزاعات والصراعات في السودان؟

 

أولاً أنا أفتكر أنها صراعات مشروعة . لا أبدأ بالتحسر منها.  وجذرها في أن في القومية الشمالية السودانية (التي ابتدرت الحركة الوطنية وافتصرت عليها لزمن طويل) نجحت في مسألة التحرر الوطني واطاحة بالانجليز لكنها فشلت في انجاز الخدمة التالية والمتمثلة في عمل إلفة في هذا البلد. فمدار الحركة الوطنية الشمالية (وحركة الخريجين خاصة) السودان النيلي المشبع بتراثه العربي الاسلامي. فقد كان من أحب شعارات هذه الوطنية أنها: (أمة أصلها للعرب ودينها خير دين يحب). فحين تتحدث عن العلاقات الأزلية مع شعب أخر فهو عن مصر وحين تنفعل بالمحن في العالم تحظى فلسطين مثلاً بقصب السبق. وحين آل الحكم بالاستقلال   لهذه الجماعة لم تنتبه لوجود لغات اخرى وعقائد أخرى وعلاقات أزلية أخرى. فمثلاً العلائق الأزلية للجماعات السودانية عديدة. فقد اتضح بالتدريج أن للغرب علاقة أزلية بشاد وأن للشرق علاقة أزلية بأرتريا وهكذا. فالسودان ذو علائق أزلية لا ذا علاقة أزلية. وهذا باب رحب في التنوع السياسي. لقد جاءت هذه العلائق العديدة إلى الساحة السياسية بإطراد   دخول الأقوام السودانيين غير الشماليين ساحة الممارسة السودانية.

لم تحسن حركة الخريجين سياسة تكوين الأمة- الدولة حين التزمت بما نشأت عليه من تقاليد ووجهات. ولكن سرعان ما اقتحمت قوى نسميها بالهامش ساحة السياسة تباعاً. وسارعت أخطاء صفوة الخريجين هذا الاقتحام العنيف. فقد هزت سياسات هذه الصفوة حياة الهامش فأجبرتهم على النزوح والتسيس بصورة إثنية لا قومية. فحتى قيام نظام 17 نوفمبر 1958 مثلاً وقف   الانجليز حائلا دون دخول اي استثمارات رأسمالية الي مناطق جبال النوبة لتجنيبهم الانفتاح على الشمال العربي المسلم في ما عرف بسياسة المناطق المقفولة. وبدخول نظام 17 نوفمبر بدأ المعاشيون من الأفندية والضباط في شغل استثماري فتحت الحكومة لأجله أراضي جبال النوبة في هبيلة وغيرها بغير شرط أو وازع. وسهل لهم البنك الزراعي الاقتراض لأجل مشاريعهم. بل وجدوا تشجيعاً من البنك الدولي الذي رأى في مشاريع هؤلاء المستثمرين الآلية منارة للحداثة في ظلمات الهامش البدائية.   هكذا بدأ إزعاج هؤلاء القرويين الأمنين لاقتصادياتهم المعيشية الطبيعية باتجاه المدن لتتشكل لهم فهوم جديدة ووعي جديد بالحق والظلم. ولذلك فبالامكان أن نعزي ما تسمى بحروب السودان الأهلية لمثل هذه السياسات الجشعة التي تدثرت بثوب الحداثة. فالريف السوداني غاضب على الحكم غضباً مشروعاً. واختلفت مع قادتهم في التكتيك العنيف لا في مشروعية طلبهم للعدل من ظالميهم. فكنت أنقد الحركة الشعبية في أنها لم تعط   الديمقراطية أو   البرلمان فرصة   يوم رفضت أن تكون طرفا في برلمان 1986م وكان بامكانها ان تكون القوة الوحيدة في البرلمان ضامنة ديمقراطيته وعدله . وافتكر أنه ما زال للديمقراطيين منا في الشمال والجنوب نقداً مستحقاً للحركة الشعبية التي لم ترم بثقلها إلي جانب القوى الديمقراطية لتمكين الديمقراطية. بل انتهت إلى جذبها هي نفسها   إلى ساحة الوغى. وحرب النظام الديمقراطي حرب سهلة.

صفوة القول إن لهذه النزاعات المشاهدة أصولاً مادية وتاريخية. فقد حصرت   الحركة الوطنية الخريجية خيالها في الشريط النيلي ولم توفق إلى تضمين الهامش في خطابها او ادائها. وما تزال ترى هذه النزاعات كأوجاع مؤقتة أو مملاءة من الخارج. فهي قد تضطر إلى عقد اتفاق أو آخر مع زعمائها ولكن ما في القلب في القلب وتعود حليمة إلى قديمها. وهذا طريق الأشغال الشاقة في بناء الوطن فمتى نختصر الطريق إلى وطن حر سالم ديمقراطي.

 

هل تتحدث عن قومية شمالية أم ...(مقاطعاً)..

 

أنا   أسمي الحركة الوطنية التي أدمنت الفشل بقومية الشماليين بقواها من الأفندية البرجوازية الصغيرة وأهل الإرث الطائفي والقبلي . وفي الجانب الاخر أجد   حركة العمال الوطنية وهي طاقة سياسية وخيال سياسي بخلاف وطنية القوميين الخريجين. وضربت دائماً مثلاً بتهافت الخريجين على السودنة حتى نسوا الجنوبيين منها أو كادوا. وأنظر في الجانب الآخر للعمال يطلبون من الحكومة الوطنية الأولى تطبيق مبدأ الأجر المتساوي للعمل المتساوي لرفع مرتبات المستخدمين في الجنوب إلى وضع الشماليين. وكانوا يريدون السوية في الوطن لرفع تمييز الإنجليز للشماليين على الجنوبيين من حيث الأجر. وفعلوا الإنجليز ذلك لسوء ظنهم ب" الزنج" الذين إذا كثرت نقودهم سكروا وأفسدوا في الأرض. ، الحركة العمالية كانت واعية أن المسألة ليست في ان "تكبر كومك" ، بل في أن تتنازل عن كومك أو أن تقتسم كومك . وفي حال أنك لم تقم بذلك سيكون الاستقلال مفخخا بهذه المظالم التي صنعها الانجليز وسترثها وتصبح هي أنت مع أنك لم تقم بها أول مرة. وهذه ما حدث . وأصبحنا الاستعمار الذي لم ير صفوة الهامس مثله استعماراً حتى في المستعمرين الإنجليز.   إن جريرة حركة الخريجين وصفوة الإرث كبيرة. ولم نبدأ بعد في فهمها على وجها الأكمل وبخاصة حين نعممها لتصبح عاراً لكل الشماليين لا لقوى من قواهم. فقد تركت الحركة الوطنية العمالية إرثاً كريماً في العلائق مع الآخر يتغاضى عنه الكاتبون العجولون.

 

كيف يمكن أن نفسر الاستعدادية العالية من العنف والمتصف بها النظام الحالي ؟

 

علينا أن نجيب أولاً على سؤال كيف يقاس الظلم ؟ وقياسا علي ماذا ؟ لماذا نخص نظام الإنقاذ بالاتصاف بالعنف العالي ونتغاضى عن نظم الفريق عبود والمشير نميري.   أفضل دائماً أن أرى    نظام عبود ونظام النميري وهذا النظام كنظم متصلة غير منقطعة في مادة العنف.   ووصفتها من قبل بأنها جميعا خرجت من "نقتيف" واحدة. وجذر المسألة في القومية الشمالية الخريجية   التي لم تستطع   أن تبني الوطن بشكل عادل ومنصف.   وما أن ينقلب الهامش عليها حتى يتدخل الجيش بالانقلاب لحماية بيضة الوطن . ويستمر في حكمه لست سنوات أو 17 عاما أو 20 عاما بشريعة واجبه في حماية وحدة البلاد . في رأئي لا بد من الربط بين هذه الأنظمة الثلاثة حتى نقيم سياساتها علي نحو أكثر عمقاً نتعرف به على سياسة الفئات الاجتماعية الحظية في الشمال . معلوم أن جميعها نظم عنيفة . ولكن المعارضة الضريرة للإنقاذ تميز بينها مع ذلك. فنظام عبود يا سلام موية بس ونظام نميري والله مش بطال لكين ديل جونا من وين ديل.   وقاعدتهم في هذا التمييز بسيطة. فالنظام الأعنف الورانا جديد ما كان على بال هو النظام الذي يواجههم لساعتهم التي هم فيها. وحين يأفل هذا النظام الفظيع يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.   وهذا تبسيط وربما ضيق خلق ولكنه ليس من السياسة في شيء. فالسياسي والمواطن ليسا ملزمين ب "العزل" بين النظم المؤذية. فحتى لو كان بين النظم المؤذية نظاماً خف ضرره فتفسير ذلك في بطنه لا في منشأ العنف وتطبيقاته   وما يتحقق له منه. ما الذي يجبرني كمواطن على قبول الظلم الخفيف دون الظلم الثقيل. لا هذا ولا ذاك. التمييز بين الظلمة من حيل المعارضة وتأجيجها لأنهم يريدون لنا أن نعارض النظام القائم بشروطهم لا بوعي يحاكم كل تلك النظم المستبدة محاكمة تاريخية نهائية.   وربما حاكم هذا الوعي أحزاب المعارضة حساباً أعسر.

عبود لم تكن له حربا دينية تصنع شرخا اجتماعيا كبير ؟

 

هذا غير صحيح . من فرض يوم الجمعة عطلة علي الجنوبيين بدلاً عن الأحد ؟ من فرض عليهم دخول المعاهد العلمية كرد على مدارس التبشير؟   أول تمرد أو حركة سياسية لوليم دينق وجوزيف ادوهو تجمعت سحبها احتجاجاً على هذه الإجراءات الثقافية. وسميتها في موضع آخر ب "البلدوية" والأشارة إلى السيد علي بلدو مدير الإستوائية الذي هو أول من استخدم الدولة كجهاز للتبشير بدينه طمعاً في حل المعضلة السياسية التي واجهها.

ما قصدته أن عبود لم يصل مرحلة أن يقول أن الجنسية السودانية هي لا اله الا الله وأن وثيقة السفر السودانية هي محمد رسول الله (ص) ؟

 

أنت أيضا تميز بين عبارات من يظلمك بفرض تفسيره لدينه عليك. ولماذ اتسامح مع عبود لأنه   لم يقل شئياً قالت به الإنقاذ مع أنه سبقهم إلى كومهم في تديين الدولة.

 

أنا أميز الفعل الاكثر ضررا علي وحدة البناء الوطني ؟

 

ليس هذا من النباهة في شيء.  أن تقول من يضرالبناء الوطني أكثر هو الملام . من أعطاك حق اسقاط العفو عن الذي أضر ذلك البناء على خفيف. هناك وحدة في هذه الأضرار لا ينبغي التغاضي عنها بأسباب معارضة سياسية يخدم "العزل" بين النظم المستبدة عاجلتها المعارضة فتنسى مقتضى النظر السياسي والتاريخي السديد. فبين النظم موضوع حديثنا وحدة في التراكيب هي الأجدر بعنايتنا. اما مقادير ضررها فهذا حديث لا نفع منه. أنا شخصياً لا أحتمل أن يؤذيني نظام أذى خفيفاً كان أم ثقيلا. وكانت يا عرب.

 

 

 

كيف تصف الطريق إلى "انتفاضة وعي" بإمكانها أن تبطل حروب التجارة السياسية والاقتصادية المقنعة في السودان وتفتح مسارات جديدة لحلول مغايرة ؟

 

عن طريق ما اسماه الفيلسوف الإيطالي قرامشي "تشاؤم الفكر وتفاؤل العزيمة". بمعني أن نشعر بالطمام من أفكارنا التي أوردتنا مورد التهلكة المشاهدة. أن يحس كل منا أن حمار فكره قد وقف في العقبة. أن يعيد النظر كرتين في ثوابته. فكل ما ثبت استعصى على الريح فأنكسر. وكثيراً ما كررت قانون الحفر الأمريكي لوصف فساد الفكر عندنا. فالقانون الأمريكي يقول إذا وجدت نفسك في قاع حفرة فأول ما عليك عمله أن توقف الحفر. وقد كتبت كتابي "بئر معطلة وقصر مشيد" عن إفلاس الفكر السياسي   السوداني لتحذير الحافرين في الحفر أن يتوقفوا حتى لا تذهب ريحهم. ومجاز البئر والقصر قرآني كما هو معروف. وصف به الباريء كيف تنضب البئر التي بنت القصر بينما تظل حيطانه مشيدة إلى يوم قريب. أما الشق الثاني من عبارة قرامشي فهو ما أحاوله بخوضي انتخابات الرئاسة. فقد أردت تدشين ممارسة سياسية إيجابية (شاقة وربما مستحيلة ولكن أرجوك ألا تساعدني بالإشفاق عليَّ لأنك ربما اسرفت في الوصاية. ساعدني بوجوه أخرى عديدة). وقصدت من ترشيحي أن يكون رافعة لقوى التجديد والمخاطرة في فكرنا. نسترد بها السياسة من الهرج ونزيل آثار عسكرة الحياة المدنية ونبني جسورنا ببعضنا البعض نحو إلفة في الوطن. فتفاءلوا بالوطن تجدوه. و انتفاضة الوعي هذه تخلص من الفكر إلى العمل ومن العمل إلى النهضة نستبدل بها دورة الفكر الخبيثة التي تترواح بين "القطيعة" في النظام القائم التي تدمنها صفوة النادي اليساسي ونصحه على طريقة "نصحتهم نصحي بمنعرج اللوى". وهي دورة يظن المصابون بها أنهم أبطال مجهولون وما عرفوا أنهم متورطون كبار في النظام. فقد لا يكونون في واجهة النظام أو متمتعين بوظائفه ولكنهم هم مثله أيضاً مفردة في الأزمة الوطنية العامة ومن ثمار التراكيب الاجتماعية والثقافية والطبقية التي خرج منها النظام. إنهم والنظام   في هذه الرحلة الخطرة في الوطن. ولربما كان هذا هو سبب عقم معارضتهم المتخيلة حتى بلغت عقدين من الزمان والجايات أكتر من الرايحات. أردت بترشيحي تجديد العزيمة للتغيير بفكر متشائل (متشائم متفائل في نفس الوقت) كما جرت العبارة.                            

 

 

كتبت كثيرا عن فكرة الترابي وخلعت عليه صفة "المجدد" من بين صفات اخرى . فكيف تحاكم نموذجه ، ما كان منه وما آل اليه ، في الحكم ؟

 

أولا لم يأت الترابي للسلطة في 1989 بطريقة شرعية . وحتى في عهد نميري جاءها بمصالحة وبعد فشل تجربة العنف والغزوة. اما المساومة فلا غبار عليها لولا ان الترابي حين عقدها لم   يلتزم بأشراط المساومة.   فانت لا تساوم في جوهر دعوتك . فلم تكن ق و انين سبتمبر الإسلامية التي فرضها النميري في 1985 أصلاً عنده. فقد اكتفى قبيل صدورها بصورة متدرجة لتطبيق الشريعة   اقتصرت على " مواءمة القوانين السائدة بمقتضيات الشريعة " كان هذا حجم طموح الحركة الاسلامية وسقفها. وقد استخف النميري بجهود اللجنة التي طابقت بين القوانين والشريعة حتى أنه لم يعرضها على جمعيته التشريعية. وانقلب عليها بليل. وجاء بقوانين سبتمبر التي حرص ألا يعرف الترابي عنها شيئاً قبل إعلانها على الملأ.   وكان يلزم أن يكون للترابي عند هذه الحادثة حديثاً ولم يفعل. فتحمل وحركته وزر قوانين جرى تصميمها لتمديد أجل نظام كان يترنح نحو النهاية.   لقد ميزت الترابي كمفكر إسلامي لم يسعفه المؤمن القوي أو الحنيف لخدمة الحرية كغاية وفرض. فقوله في معرض كشفه لملابسات انقلاب 1989 إنه ذهب إلى السجن بينما سار البشير للقصر سيلاحقه أبداً بوصفه عبارة شاذة وشغل استغماية لا يجدر براع مسئول عن رعيته. وأتذكر لي مأخذاً قديماً على حرفته السياسية. فقد رفعته إلى مسرح كلمته المعروفة في ندوة أكتوبر 1964 التي اشترط   الحرية لمسألة الجنوب. وما أن دخل البرلمان بعد الثورة حتى دعا إلى دستور إسلامي لم يراع فيه شرط الحرية في معالجة أمر الجنوب الذي لم تجر انتخابات في أكثر دوائره بسبب انفراط الأمن فيه.

أنا معجب بمشروعه التجديدي الإسلامي ووجدت فيه مرونة لمن أراد من موقعي في اليسار أن يكون يسارياً مسلماً لا مجرد يساري يحترم الإسلام كعقيدة. ولا زلت أعجب كيف لم يجد مشروعه هذا سياسياً فيه يزكيه للناس بالصبر والموعظة الحسنة. وأنا معجب بنفاذ بصيرته في بناء حركته في كتابه عنها الذي وصف فيه نهجها وكسبها. ولما لم يبن الترابي سياسته على التزام الحرية انتهى إلى ما هو إليه الآن غبيناً من حيران جفوه أ وزعيماً على قسم صغير من حركة لم تعد شيئاً مذكورا.

 

 

بعضنا يصف مشروعهم في الحكم بـ "إسلام القشور":نموذج اسلام ألوان دهانات واجهات المحال التجارية ولبس الظاهر دون الجوهر ، وليس هو بالمشروع العميق الذي يخلف اثرا راسخا علي المجتمعات ، فاين مصدر الحيوية في الحركة والذي تحدثت وكتبت عنه ؟ هل الامر فقط متعلق بشخص وكاريزما الترابي ؟

 

لا. كان للحركة الإسلامية وما يزال مكانها في السودان المستقل عن الاستعمار. وبخاصة أن الاستعمار ليس مجرد نظام سياسي أو اقتصادي وإنما حركة تبشيرية دينية أيضاً يطمع في حمل من استعمرهم على عقيدته أو على سوء الظن في دينهم على الأقل. فالإسلام إذاً مضاد حيوي ثقافي لا غنى عنه ضد مهمة الاستعمار التبشيرية. ولكن كريزما الترابي وعزائمه هي التي تنزلت بالدعوة والحركة إلى أرض الواقع.

من الجهة الأخرى فإن الذي صبغهم بالإسلام الذي وصفته هو مسارعتهم غير الرشيدة ولا الماكرة (بالمعنى القرآني الذكي) لتطبيق الشريعة. فقد وصفت لك في إجابتي الماضية كيف أن الإسلاميين ذوي السابقة المعروفة في محاربة الاستبداد قد حالفوا في أخر أيامهم المستبد خصماً على عقيدتهم أو كانوا هم من استبد بالانقلاب. فالانقلاب ابتذال. فبه تبدو الفكرة التي لم يأذن بعد وقتها دانية القطوف. فلا يواليها صاحبها ولا يصبر عليها بنقص الأنفس والثمرات حتى تلقح العقول والأفئدة وتقع موقعها في التاريخ مستريحة ومريحة. وقد بينت في كتابي عن البئر المعطلة والقصر المشيد كيف أن دعوة الإسلاميين لتطبيق الدستور الإسلامي منذ الاستقلال قد افقدتهم الحس بالتاريخ ومنازل العقائد من الناس والحياة. فلم تبلغ الحركة الإسلامية فقها الجريء عن المرأة كفاحاً. فقد احتاجت للحركة الشيوعية لتخرج من الفقه أكثر معانيه نصرةً للمرأة. فقد ضنوا على الشيوعيين أن تتحرر المرأة على يدهم كما كان الحال المشاهد في الخمسينات فغاصوا في بحر فقه الإسلام وجاءوا منه بما اجتذب النساء فأصبحن ناشطات في الحياة والسياسة على محجة الإسلام. وهذا نوع من التمرغ في الخصم يقويك لأنه لايقتلك.  

كانت الحركة الإسلامية من بعد جهادها في أكتوبر قد تهيأت لقفزة كبرى. وكان الترابي هو من تغرب وتأهل وضحى ليقودها في سكة القفزة الكبرى. وصارع التربويين في الحركة ممن أردوا لها أن تكون جماعة تتربى فكراً   بمعزل عن السياسة حتى يأتي يوم أن تخرج للناس بالحق. وصرعهم بحجة أن السياسة هي التربية الأمثل ومن جافاها نقصت تربيته.

 

إلى أي مدى تعتقد أن "مشروعه" للسلطة ملائم ومتسق والمزاج السوداني والخصوصيات الدينية عند المجتمعات السودانية ؟

 

للمجتمع السوداني أمزجة تاريخية. وخصوصياته التاريخية عديدة. ففي عهد الفونج اتسع لفرقة للزبالعة المظنون أنهم باطنية مترخصون وخصومهم المتحنبلة الذين شنوا عليهم حرباً طويلة. واتسع للتقوى الصوفية ولتقوى الشرع الدقيق. وكان هذا مدار كتابي "الصراع بين المهدي والعلماء".هذا من جهة. أهم من ذلك كله أن لا نعطل بمثل عقيدة المزاج والخصوصية اجتهاد من يريد أن يخرج عنها إلى سكة أخرى في الدين. وها ما حاولته الحركة الإسلامية في سياق ابتلاء المسلمين بالحداثة. فخلافاً للحداثين في بلاد الإسلام أرادت الحركة الإسلامية في السودان (وهي واحدة من أذكى تلك الحركات) أن تأسلم الحداثة لا تحدث الإسلام. وهذا مطلب جديد للمسلمين ولا غبار على الاجتهاد فيه ولا يحق لمعترض أن يقول لهم إنهم بذلك إنما يخرقون ما اتفق لنا من مزاج وخصوصية. ألم ينه الإسلام نفسه عن الإنكفاء على ما وجدنا عليه أباؤنا؟ وأقول عرضاً إن القائلين بهذا المزاج المستقر الثابت للإسلام السوداني إنما يجترون قولاً قديماً للقس ترمنغهام في كتابه "الإسلام في السودان" الصادر في 1946. وقد لا نتوقف عند صفة الكاتب ولكن عام 1946 موغل في القدم يا ذووي الألباب.

 

 

اليس في تطبيع فساد وافساد الدولة واستشراءه علي نحو غير معهود بالمرة ، اليست هذه وضعية او ثقافية سياسية طارئة وجديدة ؟

 

أراك تصر ان تخص الانقاذ حصريا بهذه الاشياء . في مثل عمرك كنت أعتقد أن نظام عبود هو الذي أفسد واستشرى فساده وورانا جديداً ما كان على بال. مثل العقيدة المعارضة التي جاءت في سؤالك قد تصلح في باب مقاومة النظم موضوع الحديث ولكنه لن ينفعنا إذا أردنا لبلدنا النهضة فينعتق من ربقة تاريخ لفساد في الدولة أطول عمراً من الإنقاذ. وكان يضيق بي معارضو الإنقاذ الرسميون حين أقول بذلك. فهم كارهون للإنقاذ لا يريدون أن يشركوا بها أحداً. ويظنون بمثل قولي الظنون مثل إنني أخاف الإنقاذ أو اتزلف لها. وكنت اقول لها حين أضع الإنقاذ في مسلسل الحكومات عندنا فأنا إنما أكرهها بحق وحقيق. كراهية فقه وعلم ونظر وعزيمة. فطريقتي في النظر إلى الإتقاذ كأعلى مراحل النظم المستبدة التي عرفناها حتى الآن مما أكشف به جذور التركيبات الاجتماعية والطبقية الفكرية والثقافية التي ولدتها كما ولدت سابقاتها. وهذا منهج يأخذني من التركيز الأعمي على فضح   نظام سياسي قائم إلى فضح هذه التراكيب في المجتمع والاقتصاد والثقافة التي ظلت تستنسخ النظم الجائرة منذ الاستقلال. الذين يقولون بان الانقاذ جاءت بما لم يسبقهم اليه الاوائل يريدون اعتقالنا في مشروعهم المعارض الذي يقتصر على تغيير الحرس في النادي السياسي ولا يريدوننا ان نفكر في مشروع معارض أفضل بمعنى أن يطوي النظم المستبدة جميعها في جناحه لينفذ إلى تراكيبها   المستبدة النشطة   المستقرة.   هذا من نخاع السياسة .

 

 

كيف تصف ما حدث ويحدث في دارفور؟

 

هو نزاع معقد جدا . مثلاً هو ذيل من ذيول الحرب الباردة. فوفرة السلاح في الإقليم التي جعلت النزاعات دامية كثيرة الضحايا ترجع للمواجهة الأمريكية القذافية في أوائل الثمانينات. أقول لك حاجة. انفق القذافي ليؤمن مصالحه في تشاد نحو إثنين ونصف بليون دولاراً في الأسلحة وانفقت أمريكا لصالح حلفائها ومن حلفائها مبلغ بليون جنية. وصار السلاح شائعاً حتى قدروا أن بالولاية قطعة سلاح لكل بالغ من الرجال.   وأرخص هذا بسعر السلاح في المنطقة حتى قدر أحدهم في الثمانينات ثمن الكلاشنكوف في أسواق دارفور بنحو 40 دورلاراً. ولما كثر الموت نتيجة لهذا السلاح تعذرت الديات التي كانت تكبح لفداحتها العدوان. وأصبح دفعها يؤجل مما يوغر صدور أهل الضحايا. فاصبحت مجالس الصلح زي بعضه لأنها لا تفصل في الخصومة فصلاً نهائياً يبدأ به أطراف الصراع صفحة جديدة. صراع أفيال الحرب الباردة (القذافي المدعوم من السوفيات وأمريكا) وطأ الحشائش ونشفها. فقد اضطرت جماعات تشادية لدخول السودان هرباً من شيء أو طمعاً في شيء فهزهزت نظم دارفور السياسية وربما استخدمها النظام لمآرب سياسية عاجلة.

الحكاية طويلة. وتناولتها في كتابي "اصيل الماركسية: المقاومة والنهضة في ممارسة الحزب الشيوعي". ونقدت فيه من حلل الأزمة في دارفور بالنظر إلى العرق أي الثقافة بردها بصورة بسيطة إلى عدواة العرب والزرقة. فقد نظرت إلى أساس النزاع المادي في نظم تاريخية لتملك الأرض في دارفور في ظروف طحن الجفاف والتصحر جماعات لم تجد بداً بغريزة الحياة من خرق أعراف ذلك التملك. كما نظرت في المناشيء الرأسمالية في دارفور التي ابطلت الإتيكت الريفي بين الرعاة والمزارعين لأن كل أمريء بما ملكت رهينا فأغلق الباب على نفسه ولنفسه فقط.

لعل أعقد جوانب قضية دارفور هي مسألة قيادة الصفوة المتعلمة لها على خطة حرب التحرير. ولم نخضع هذه القيادة لمبضع النقد. وقد سلمنا لها بالقيادة على جمهرة دارفور بغير فرز. بينما نبه الدكتور آدم الزين إلى أن لقضية دارفور جانبان. فهي ضد تهميش المركز لدارفور كما أنها صراع أثني بين الدرافوريين حول الموارد. والصفوة المتعلمة معنية بالنزاع مع المركز كما ورد في كتابهم الأسود. ومطلبهم عبارة عن صدور طبعة دارفورية متأخرة للسودنة. وقد اضطربوا كثيراً في الماضي بين تحالفات مختلفة مع المركز. فهم مع حزب الأمة الذي حصد دوائرهم الانتخابية دائماً أو مع الإسلاميين الذين فارزوا بأول دائرة جغرافية في 1965 بدارفور. كما تحالفوا مع مايو وانتفعوا من الحكم الإقليمي. ولم يظهروا أبداً تعاطفاً مع اليسار والدعوة للدولة العلمانية التي يلحون عليها حالياً. ربما كان مناسباً الآن أن يجري هؤلاء القادة نقداً ذاتياً لهذا التاريخ مع المركز الذي ضيعوا فيه لبن الدولة المحايدة تجاه الدين القائمة على المواطنة. من الجهة الأخرى سلمنا لهم بالقيادة على أهلهم بشأن النزاع الأهلي الداخلي. وهم أبعد ما يكون حسساً به. وقد نقدهم الدكتور شريف حرير بصورة صائبة حين قال إنهم استخدموا "القبيلة" للجاه الإنتخابي الإقليمي وضد المركز الظالم ولكن غاب عنهم دائماً أن "القبيلة" كيان محلي لا يصح أن تحمله محامل في العدواة يصعب التراجع منها للعودة للعيش الآمن في السياسة المحلية. فجمهرة كادحي دارفور تعكر وتصفو. تحارب جيرانها ثم تخلد إلى السلم لأن هذا منطق العيش هناك. ولكن الصفوة التي تسنمت القيادة من الإدارة الأهلية وكبار القبيلة لا تخضع لهذا المنطق. وتبرر ذلك بجعل الأولوية لحرب المركز حتى يستجيب لمطالب دارفور جمعاء. إن معاناة جمهرة دارفور المشاهدة نجمت من مثل هذا الزيغ   في القيادة.

ولكن ربما كانت اقل القضايا وضوحاً (من جهة البحث لا الإدانة) في مسالة دارفور هي قضية العرب فيها عامة ورحل البادية الشمالية الصحراوية فيها المعروفين ب" الجنجويد" خاصة. فقد تعاورتهم سنوات المحل الطويل الطارد. فاصبحوا عملياً بلا وطن صغير. وشاركهم الزغاوة في هذه المحنة الوجودية. ولكنهم حلوا مشكلتهم بطرق الهجرة والتأقلم مع البيئات الجديدة. أما عرب أبالة الشمال فقد اضطروا إلى حلف سيء السمعة مع الحكومة لكسر "عصيان" حركات التحرير في دارفور بما أسماه أليكس دي وال "قمع العصيان بأرخص ثمن". فهذا كان كل ما بوسع الحكومة عرضهم عليهم كمواطنين ضاقت بهم ديارهم وعز فيها المعاش.   وأفسدوا بذلك قضيتهم في نظر العالم وهي قضية هم فيها ضحايا نظم طبيعية وبشرية (بما فيها من صدوهم عن حواكيرهم) حكمت تملك الحواكير في دارفور. ويحدق شبح مسألة عرب دارفور الآن بالمساعي القائمة لتوفيق الأوضاع بدارفور نحو التسوية الشاملة . . .     

 

هؤلاء العرب عبر التاريخ كانوا حلفاء للسلطة في المركز فكيف يمكن ان نفهم انهم علي الدوام الطرف الأضعف ؟

 

لا يعني هذا أنهم بغير متاعب لا بد أن توضع على طاولة أي مفاوضات وبوضو ح . فلا يصح أن ندير لهم الكتف السياسي البارد بمؤاخذات مثل ما نسب إليهم من تجمع عربي قرشي أو نحوه.   نعم كان بعضهم حلفاء للحكومة في "تعريبها" للسياسة العسكرية في الجنوب ثم دارفور. ومنهم من حالف القذافي في مشروعه للتمكين العربي المضلل. ولكنهم أيضاً ضحايا هذه السياسات. وينبغي أن ننظر إلى ما هو أبعد من هذه المشاهد للوقوف على متاعبهم التي ربما أملت عليهم هذه الأحلاف سيئة السمعة. فهم مثل البدو جميعاً اقل الناس حظاً في التعليم والخدمات قياساً بالمزارعين. وهذا ربما ضيق فرصهم في الحوكمة المحلية والقومية. علماً بأن دارفور هو إقليم سادت فيه صفوات الزرقة دائماً. ومن الحصافة أن لا نحجبهم عن التسوية في دارفور بالنظر إلى أحلافهم التي ربما كانت أحلاف مضطر أو فقه ضرورة. ربما كرهنا هذه الأحلاف التي قوت حكومة مركزية لا نحبها. ولكن السلام المستدام لدارفور يقتضي أن لا يكون عربها خارج المعادلة وإلا بذرنا بذلك   تيراباً لفتنة جديدة.

 

المسألة كبيرة يا مؤيد. ولكن الله يكبر العقول لنستوعبها ونحتويها بالبحث كما بشر بذلك الدكتور آدم الزين بدلاً عن الفتنة.    

 

 


© Copyright by SudaneseOnline.com


ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام

أعلى الصفحة



الأخبار و الاراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

Latest News
  • Taha Leads Sudan Delegation Participating in France-African Summit
  • Sudan Envoy to UN says movements of the so-called ICC exposed attempts to disturb current historic developments in Sudan
  • Taha to Lead Sudan Delegation for African - French Summit in Nice City
  • President Al-Bashir Receives Message from President Kibaki
  • SPLM Wary of President Bashir’s Referendum Pledge
  • Dr. Sabir Al-Hassan Leads Sudan Delegation to ADB Meetings in Cote d'Ivoire
  • Southern Sudan HIV/AIDS infections on the rise
  • Journalists held for boycotting Sudan inauguration
  • Dr. Ismail meets Obasanjo, Discuss Sudanese-Nigerian Relations
  • President of Malawi, Prime Minister of Ethiopia expected to arrive in Khartoum Thursday morning
  • Sudan's Bashir Sworn In to Another 5-Year Term
  • President Mohamed Ould Abdel Azizof Mauritania arrives in Khartoum
  • Kenyan Vice President Musyoka Arrives in Khartoum to Take Part in inaguartion of President Al-Bashir
  • Kingsport helps Sudanese town design land use plan
  • Dialogue, co-op vital to end Nile row
  • Intn'l court reports Sudan to UN
  • Qatari Prime Minister and Dr. Salahuddin Review Developments in Peace Process in Darfur
  • President Al-Bashir Congratulates Premier Zenawi on Winning of his Party in the Ethiopian Elections
  • Minister of Interior Meets Wali of North Kordofan State
  • Sudan slams Human Rights Watch
  • Sudan charges opposition journalist with terrorism
  • Dr. Ismail: UN, AU, Arab League and OIC will Participate in Al-Bashir's Inauguration
  • Dr. Nafie: New Government will be One of United Programme and Vision
  • SDU (UK & I) Ireland Chapter meeting
  • Washington DC Marchers Protest Darfur Genocide
  • Egypt's Citadel starts power project for Sudan cement plant
  • Rwanda: Dialogue Will Resolve the Nile Water Dispute
  • Ahmed Ibrahim Al-Tahir Nominated as Speaker of National Assembly
  • Al-Zahawi Ibrahim Malik: Unity shall be the Best Choice for Southern Citizens
  • Dr. Al-Jaz Launches Electricity Project for Northern Rural Area of Khartoum North
  • Dr. Nafie: Sudanese Workers' Trade Union Federation Plays the Greatest Role in Facing Tyranny
  • Sudanese authorities shut newspaper in crackdown
  • Salva Kiir receives message from Secretary General of the Arab League
  • UN Names Countries, Groups Using Child Soldiers
  • Salva Kiir Inaugurated As President of South Sudan
  • Kiir Pledges to Work for Making Unity the Attractive Option
  • Salva Kiir Sworn in as President of the Government of South Sudan
  • Second Sudanese opposition leader arrested: family
  • Darfur rebels say 200 killed in clashes with army
  • Egyptian Irrigation Minister Declares Joint Sudanese - Egyptian Vision that Includes their Rights on Use of Nile Water
  • Arab - Chinese Cooperation Forum Lauds Sudan Elections
  • Sudan and Egypt Agree to Continue Efforts to Unite Nile Basin Countries
  • Darfur rebel leader's 19-hour standoff ends
  • SUDAN: Key post-referendum issues
  • Debts of Sudan Amount to 37.7 Billion US dollars, IMF Agree to Negotiate with Sudan
  • Slva Kiir Receives Written Message from Eritrean President
  • Dr. Fedail Conveys Message from President Al-Bashir to Ethiopian Prime Minister
  • American woman among 3 aid workers kidnapped in Darfur
  • Darfur Jem leader Khalil Ibrahim stopped in Chad
  • Analysis: Ten years of talks - and still no resolution to Nile controversy
  • Chad Rejects Entry of Khalil Ibrahim to its Territories, Declared him Persona non-Grata Deby to Visit Sudan next Week
  • Dean of Bar Association: Israel Aims to spliting South Sudan
  • Taha Affirms State Commitment to Expand Security and Stability all over the Country
  • SUDAN: Bol Manyiel, "I can still buy more guns with my remaining cattle"
  • Salva Kiir, USAID Official Discuss Food Security Situation
  • U.S. Starts $55 Million Agriculture Program in Southern Sudan
  • Sudan: Govt Arrests Top Bashir Critic
  • Secretary General of the Assembly calls on the Elected Deputies to Attend Procedural Sitting
  • SUDAN: Disarmament doubts in Lakes State
  • Egypt police kill Sudanese migrant near Israel border
  • Sudanese army seizes Jebel Moun JEM base
  • Sudan Arrests Islamist Opposition Leader Turabi
  • Agricultural Bank finalizes preparations to inaugurate 12 branches in Gezira State to focus on micro finance
  • In Phone Call with Al-Qaddafi: President Al-Bashir Affirms Progress of Sudanese - Chadian Relations
  • Fishing festival promotes Sudan’s fish resources
  • Press Releases
  • Press release from the Popular Congress 22/5
  • Sudanese man facing execution in Saudi Arabia over ‘sorcery’ charges
  • SHAFT AT PHOENIX SKY HARBOR AIRPORT
  • Sudan: Oxfam reaction to UN mandate renewal in SUDAN-UNMIS
  • UNICEF hails latest child demobilization in Southern Sudan
  • Sudan Civil Society Announces Sudan Vote Monitor Project
  • Sudan Elections: The Theatre of the Absurd and the Tomb of Democratization
  • Statement from Sudan Liberation Movement/Army on Sudan Election
  • Activists from 18 countries join global day of action ahead of Sudanese elections
  • U.S. Conventional Weapons Destruction Program Helps Sudan Overcome Legacies of War
  • THE SUDAN HUMAN RIGHTS ORGANIZATION – CAIRO To enforce constitutional guarantees for the right to life
  • The SPLM’s Independents Should Blame the Political Bureau’s Small Clique, Not Pagan Amum
  • Prophet Ngundeng’s family will meet to endorse the Bieh Leader
  • Press Release of Bahar Idris Abugarda
  • PRESS RELEASE OF BAHAR IDRISS ABU GARDA
  • When Did the SPLM Turn Separatist?
  • The Beja Congress demands the trial of the Port Sudan massacre and Condemns the violation of Human rights in Sudan
  • Sudan: The Obama Administration Expresses Concern About Arms Flow in Sudan
  • Urgent call for Peace from Diaspora Sudanese Women
  • The UN Secretary General’s Special Representative for Sudan Ashraf Qazi Congratulates the Government and the People of Sudan on the Fifth Anniversary of the CPA
  • CHRISTIANS ARE THE FASTERS GROWING POPULATIONS IN THE SUDAN TODAY
  • Media Release: Preparations of Young Anya-Anya
  • FOURUM OF FEDERATIONS CONDUCTS WORKSHOP ON DEMOCRATIC FEDERALISM FOR UNIVERSITY FACULTY IN SUDAN
  • Oversight Committee for social peace in South Darfur:Statement of public opinion and all advocates of social peace and human rights:
  • Statement of the SPLM Chapter denouncing the arrest of the SG of the SPLM, his deputy and democratic protestors
  • URGENT CALL ON GOVERNMENT TO ENSURE PUBLIC FREEDOMS, RELEASE SPLM LEADERS
  • Amnesty International Reports Sudanese Protesters Tortured After 200 Arrests in Protest Outside Parliament in Khartoum
  • Carter Center Welcomes Peaceful Voter Registration in Sudan; Urges Further Steps to Improve Registration Process
  • PRESS RELEASE: Sudanese Group in Ottawa for Supporting the Democratic Transition
  • Denmark: Government must arrest Sudanese President if he attends climate conference
  • Congratulating Lt. Gen., H. E. Salva Kiir Mayardit, the President of South Sudan Government for Handling Longechuk
  • Press Release: Special Representative for Children and Armed Conflict visiting Sudan
  • Turkey: No to safe haven for fugitive from international justice
  • Sudan: Death row prisoner bore marks of torture
  • Statement by the United Nations Humanitarian Coordinator for Sudan Condemning the Kidnapping of a Red Cross Worker in Darfur
  • Uganda: Amnesty International says government obliged to arrest Sudanese President
  • Press Release: Protest in support of Lubna Hussein
  • The South Sudanese Parliamentarians in A Political mess
  • Open Message from Sudan Liberation Movement /Army SLM/A to African Leaders to support the victims of Darfur
  • Seed of discord and tribalism in South Sudan planted by SPLM against some South Sudanese:
  • African Union Panel on Darfur Khartoum Hearing
  • A response to the Nuer Supreme Council press release titled “SPLM-DC betrays South Sudan interests
  • SPLM-DC betrays South Sudan interests
  • Nuer Community Calls upon Lt. Gen. Kiir to Reverse Upper Nile StateAppointments
  • Nuer Community Calls upon Lt. Gen. Kiir to Reverse Upper Nile State Appointments
  • Sudan: Unamid's New Deputy Force Commander Joins Mission
  • The Nuer Community Welcomes Bentiu Peace Initiative
  • SLM Statement on the Cancellation of the Civil Society Conference
  • The Family of Prophet Ngundeng Bong has withdrawn its endorsement of Ezekiel Lol Gatkuoth
  • Strong Statement: The SPLM Caucus stands for Sudanese diversity
  • The Memorandum of the Sudanese Communities in Europe
  • Nuer Community Warns SPLM’s Leadership of Consequences of Dismissing Dr. Lam Akol
  • League of Arab States/Sudan: Humanitarian assistance must not be made hostage to arrest warrant against President al-Bashir
  • In press release Sudanese embassy in Nairobi says ICC has no jurisdiction over Sudan, President Al-Bashir will continue his constitutional responsibilities and duties internally and externally
  • President Omer Bashir Should Surrender Himself to ICC
  • Statement from the Sudan Liberation Movement Regarding Issuance of Warrant of Arrest against El Basher
  • ICC issues a warrant of arrest for Omar Al Bashir, President of Sudan/ La CPI dأ©livre un mandat d’arrأھt أ  l’encontre du Prأ©sident soudanais Omar Al Bashir
  • Sudan: Amnesty International warns 2.2 million at risk in Darfur after aid agencies expelled
  • PRESS RELEASE: Darfur rally in NY Dag Hammarskjold Park ,near the Sudan Mission
  • Sudan: Respect for Human Rights Plummets Further
  • Jarch Capital and Leac Company did not engage in future oil deals in southern Sudan
  • Darfur: International community fails to protect
  • Sudan: 2009 Could Be a Make or Break Year for Peace - UN Special Representative
  • Launching of the Sudan DDR programme in Blue Nile State
  • British Ambassador marks the 25th Anniversary of the Chevening Scholarship Programme
  • Articles and Analysies
  • Political Divorce a lesson for both the Sudan and the rest of Africa.By: Justin Ambago Ramba
  • China has been silent about the war in Darfur in order to reap the benefits from Sudanese oil and the sale of Chinese weapons to the Sudanese government by Jaafar Mirmar
  • Sleeping with the Devil:When the US goes the wrong way in Sudan by Ibrahim Ali Ibrahim -Washington, DC
  • South Sudan is never too young for an independent state By Atok Dan Baguoot
  • Making Justice is a Political pinyana in south Sudan. By: Daniel Abushery Daniel
  • A letter to UN Secretary General by Dr. Mohamed Ali Mustafa
  • Kiir Promises Clean Water while the Food continues to come from Uganda. By: Justin Ambago Ramba
  • Why Egypt Threatens the Africans over their own Water By Izzadine Abdul Rasoul
  • Let the Debate Boil Down to the Referendum… Not a Dead Unity!! By: Luk Kuth Dak.
  • No Negotiation with Al-Bashir Government even if the venue is in white House By: Abdellatif Abdelrahman
  • NCP: End this Ignoble Episode By Usman Ibn Foda-CRID, Abuja
  • Idriss Deby, The Ultimate Hater of South Sudanese! By: Luk Kuth Dak.
  • To Salva Kiir: Don’t Fuel Athor’s Rebellion By Dr. James Okuk
  • Why NCP blackmails the AU, UN Forces in Darfur?By : Abdellatif Abdelrahman.
  • A Tougher Obama is needed to secure a Peaceful Divorce in Sudan. By: Dr. Justin Ambago Ramba, MD.
  • Lam Akol’s Flunkies Are His Worst Enemies!! By Luk Kuth Dak:
  • Dr. Josephine Lagu’s case exposes the nasty face of tribal politics in south Sudan. By: Justin Ambago Ramba, MD.
  • Should Padang-Dinka community continue silent over Jongeli incident? By Atok Dan Baguoot
  • Why Dr. Lam Akol Shouldn’t Be The Minister Of Foreign Affairs!! By: Luk Kuth Dak.
  • The Not Inevitable War in Sudan: Goss vs. NPC By: Dr. Mohamed N Bushara
  • Agar’s snub on south Sudan’s independence must cease. By: Justin Ambago Ramba.
  • Scandalous Pipes Market Disaster or the Ponzi scheme in El-Fasher By Mahmoud A. Suleiman
  • Is American policy over Sudan invidious? By Izzadine Abdul Rasoul
  • An Independent South Sudan Is Vital to USA!! By Luk Kuth Dak
  • Let’s SPLM Political Bureau be answerable to all current messes in the South By Atok Dan Baguoot
  • How bitter the injustice suffered, south Sudan must still come first. By: Justin Ambago Ramba.
  • Panaruu-Dinka historical, political naivety and leniency towards the SPLM by Atok Dan Baguoot
  • Western Equatoria: The will to resist and succeed. By: Justin Ambago Ramba.
  • Sudan Elections 2010: Defective beyond repair! By Arman Muhammad Ahmad
  • A Unified Sudanese Currency II by Abdel - Halim Anwar Mohamed Ahmed Mahgoub
  • voting in election is hallmark of demcracy by Siddik, Nadir Hashim
  • The Rigged Elections Boxes Should Be Disqualified By Dr. James Okuk
  • General election of Sudan By Aru Mayan:
  • Nasir Declaration was a well calculated move to destroy the Nuer tribe by Simon R. Gatluak,
  • the manifesto of the Sudanese Emancipation United Movement (SEUM) by Aguer Rual
  • When confusion steps in, then only a genuine change can help. By: Justin Ambago Ramba, MD.
  • Let’s your vote not throttle the CPA By Atok Dan
  • Watch out; is your transport fee to your voting centre available? By Atok Dan Baguoot
  • Delaying the Election is not a Good Option by Nhial K. Wicleek lives in Canada.
  • Are Independent candidates still SPLM members? I doubt BY: Isaiah Abraham, JUBA
  • The SPLM Party Is The Answer: By: Luk Kuth Dak.
  • Dose general Scott Gration Understand get lost? by Hatim Elmedani*
  • SPLM Tactics of Scaring Away Voters in Southern Sudan By Dr. James Okuk
  • Civil liberty must precede the civil divorce. By: Justin Ambago Ramba, MD.
  • Seeking Justices for the Rape Victims of Terekeka.By: Justin Ambago Ramba, MD.
  • Will the National Election in Sudan takes place? By Federico Vuni
  • Southerners have better reasons to vote for H.E Salva Kiir Mayardit By: Gieth A. Dauson
  • Dr. Lam Akol SPLM-DC candidate reveals early defeat in Sudan April elections By Magdelina John
  • National Interest first By Kenjok D, Bentiu
  • Kiir declares the Central Equatoria State votes as insignificant! By: Justin Ambago Ramba, MD.
  • Go to Hague! by Hatim El-Medani
  • Vote for Salva, Vote for Change, is it a Joke? Nhial K. Wicleek lives in Canada
  • President Kiir and VP Machar campaign rally in Bor, Jonglei is historic BY: Mawut Guarak , NEW YORK , USA
  • Watch out SPLA/M by Dr. Mawien Akot is a family physician in Wynyard, Canada.
  • Rushing or NOT, the CPA ends in 2011, IGAD reiterates! By: Justin Ambago Ramba, MD.
  • Medical Registrars threatening to go on strike over pay increase by By Federico Vuni
  • Your vote may land us into trouble! By: Justin Ambago Ramba, MD.
  • The Future Of South Sudan Will Be Brighter Than Others Think! By: Luk Kuth Dak.
  • Opinion Poll on nominees for South Sudan Government by Shean Ashang
  • GOSS Corruption: Minister Awut Deng stops recruitment of diplomats BY: David Joseph Lomoro, JUBAs
  • Lam Akol set to meet his Waterloo By Majok Nikodemo Arou
  • Stop the Humanitarian Blockade of Jebel Marra, Darfur BY Dr. Anne Bartlett
  • Who is best leader for South Sudan after April? By DJames Okuk
  • Southerners have Perfected Political Hypocrisy and are becoming vendors.By: Justin Ambago Ramba, MD.
  • (JEM) has not intended to keep the Fellow Combatants out of the Darfur Peace Process By Mahmoud A. Suleiman
  • اخر الاخبار
  • عرمان لـ(الطاهر): الحركة ليست من أحزاب التوالي ولا حيطة قصيرة (نزعته الرقابة الامنية)
  • خلاف داخل كتلة الحركة بالبرلمان
  • السودان: الحكم بالإعدام شنقا على 10 من عناصر «العدل والمساواة»
  • جون كيري اليوم في السودان ويزور دارفور قبل الخرطوم.. ولن يلتقي البشير
  • رئيس الجمهورية يرحب بالاشارات الموجبة الصادرة عن الرئيس الأميركي أوباما بشأن الحوار مع العالم الإسلامي
  • الشعبية بجنوب كردفان صراع القادة...وطموحات التنمية
  • الجبهة المتحدة للمقاومة تزور ليبيا
  • يتجدد بفرنسا الخرطوم، باريس...حوار التفاهمات
  • من الدكتور عبد الله علي إبراهيم إلى الشعب السوداني
  • إدوارد لينو، يشن هجوماً حاداً على المؤتمر الوطنى فى مؤتمر صحفي ،بالقاهرة
  • نص المذكرة التى رفعتها الجاليات السودانية فى دول الاتحاد الاوروبى لرئاسة الاتحاد الاوروبى ضد ما يسمى بمحكمة الجنايات
  • المؤتمر الشعبي يطرح اليوم رؤية لتجاوز أزمة السودان السياسية‏
  • الخدمة الوطنية: تجنيد الدبابين مستمر (نزعته الرقابة الامنية)
  • انتقادات لقانون الصحافة بالبرلمان (نزعته الرقابة الامنية)
  • جماعات حقوقية تحث السودان على السماح لجماعات إغاثة بالعودة لدارفور
  • رأي حزب البعث السوداني في تأجيل مواعيد الانتخابات العامة
  • المبعوث الاميركي يعد بمساعدة أبيى ويدعو مواطنيها للتكاتف
  • خبراء:مشروع قانون الصحافة الجديد "الاسوأ" منذ 1993
  • عبدا لله السباعي:الفنان يجب أن يثبت وجوده في محيطه المحلي أولا
  • الشريكان ... وعودة الداء القديم
  • تصاعد الإنتقادات لمشروع قانون الصحافة الجديد
  • دعوة هامة من رابطة ابناء الزغاوة بفرنسا
  • ندوة كبرى لمرشح الرئاسة ب عبد الله على ابراهيم
  • البشير: بعد المصالحة سنلاحق مجرمي الحرب في دارفور
  • الحركة ترفـض مساءلـة وزير الخارجـية قالت إن وزراءها «ليسوا طلاباً بمدرسة أحد»
  • أدادا يحذر من تصاعد اللغة العسكرية بين السودان وتشاد
  • البشير مستعد لتعويض النازحين واللاجئين بدارفور
  • "أحرار إفريقيا" يعلن مسؤوليته عن خطف رهينتين بدارفور
  • دينق ألور: زرت واشنطن بصفتي الحزبية
  • اشتباكات داخل القوات المشتركة بأعالي النيل