قصة قصيرة " لعيني وردة برية " بقلم: بقادي الحاج أحمد
لعيني وردة برية
وردة ذابلة
تأتي من
وادي النهر، في رفقة الورد، تحمله باقات .. باقات اليا،
وتزيد بابتسامة حاضرة الوجنات، تتميز بها عن
ابتسامة " الجيوكندا "
باللاغموض. تقدم الابتسامة والوجنات علي وجه صنو الصباح، الأنف سيف، والعينان؛ أمعنتا
في البياض وأبحرتا في الزرقة والتحديق. قالت لي:
-
مزاجي في أسوء حالاته بسبب ما يحدث في غزة.
-
قلت لها: يحزنني ما يحدث في غزة. أصبحت حقل تجارب. وأحزن لما يحدث خارج غزة. أمست تتأرجح بين المتاجرة واللامبالاة. أريد أن أكون عملي وان افعل شيئا إضافة إلي الصلاة والتبرع من اجل أهل غزة، موقف يجعلني أرفع راسي أمام نفسي، وأمام وردتي العزيزة، موقف لا يجعلني حائرا أمام دموع الأطفال والصبايا والنساء، أرهم يمسكون الرصاص بأسنانهم ولا افعل لهم شيئا، أري وردتي البرية ذابلة، ولا استطيع أن اسقيها الماء الذي تنتظره وتتمناه.
.. و مع ذلك الابتهاجات الليلة علي الشوارع من اجل مباريات كرة القدم مستمرة! وكذلك القفشات علي رسائل الجوالات والايملات!
إليك هذا المقتطف من رسالة بريد الإلكترونية وصلتني من صديق بدون تعليق منى:
( قال الأستاذ للتلميذ... قف وأعرب يا ولدي:
" شاهدَ المسلمُ اليومَ أهلَ غزةَ".
وقف الطالب وقال: شاهد: فعل واضح مبني على الاستنكار والحزن يحدوه أمل العاجز عن المساعدة...
والمسلم: فاعل عاجز عن أن يخطو أي خطوة قي طريق تحقيق الأمل، وصمته هو أعنف ردة فعل يمكن أن يفعلها... اليومَ : ذكرى هجرة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم والذي يشكو إلى ربه الذي بعثه
حال أهل غزة، ضعفهم
و هوانهم على إخوانهم.... وأهلَ: مفعول به مغصوب وعلامة غصبه: أنهار الدم وأشلاء الضحايا وأرتال القتلى، وحصار وتجويع وإذلال واعتقال ...و...و...و... غزة: اسم مضاف إلى "أهل" مبني على العزة وحب الشهادة بالرغم مما سبق....).
ما زالت أسنانا الضبعه
بارزة.
في العام ألفان وستة من القرن الحادي والعشرين،
ادخل مليون ونصف نسمة؛ أطفال، نساء، شيوخ.. ورجال في سجن كبير. كانت هي معهم هنالك في غزة. سيدة عادية تنتظر مولودا.
خرجت مؤقتا من السجن الكبير في أواخر العام ألفان وثمانية من القرن الحادي والعشرين،
لتضع مولودها السجين منذ نعومة أظافره
خارج الأسوار في المستشفي علي الجانب الآخر، لتعود معه مرة أخرى خلف القضبان، فتلك الأثناء كانت السماء ترعد وتبرق
فوق غزة، بدون هطول المطر أو قرب قدومه. كانت السماء تصب حمم ولآفات علي أطفال ونساء وشيوخ .. ورجال غزة، كأن فوهات براكين صوبت عليهم من السماء، ومن البر، ومن البحر.
شريط الأنباء في القناة التلفزيونية الأجنبية كان يقدم قراءة لما وراء الإخبار. تم إعداد المسرح للتصوير، بعد التأكد من ثقل الديكور والإضاءة وإعداد الكاميرات
والمصورون والصحفيون، كل أعضاء فرقة وسائل الإعلام العالمية؛ جاهزون لا خذ لقطات من زوايا مختلفة وصور تذكارية مع أسنان الضبعه، من أجل التبييض لتصبح أكثر لمعانا، بعد ما
التهمت لحما بشريا (حيا) علي الفضائيات مباشر، بدلا من قطع اللحم الحيواني الذي يقدم لها في أفريقيا من أجل الترفيه والسياحة!
" في بعض المحميات الطبيعة الأفريقية يقدم اللحم الحيواني للضباع ليلا علي الهواء الطلق أمام عدسات عيون وكاميرات السياح ".
كانت السيدة تجلس مع أخريات علي أسرة في عنبر الولادة بالمستشفي، بعد التأكد مرة أخيرة من أعداد المسرح أعطيت إشارة البداية دخل العبر الصحفيون والمصورون تسبقهم الكاميرات.
في حضور طبيعي يحسدها
عليه مشاهير هوليوود انهمرت منها الدموع كالمطر. أوقف التصور. أمر الصحفيون والمصورون بمغادرة العنبر، ولكن تعليق مذيع القناة التلفزيونية الأجنبية كان حاضرا: " كل هذا لم يمنع دموع هذه السيدة من أن تعبر ...". كانت تعبر عن
الموقف الحزين لسكان السجن الكبير في غزة في تلك الأثناء.
كان المشهد مثل الذي أعد مائدة عامرة بأصناف الطعام، ثم أحضرت السجينة لتؤخذ لها صورة دعائية مع المائدة، عندما نظرت السجينة المحرومة إلي المائدة، تذكرت حال أهلها خلف الأسوار في تلك الأثناء؛ رأت اللحم المشوي أشلاء والدجاج
جماجم والشوربة دماء، ما كان منها إلا أن طردت الجمع وشتت شمله.
أفراقت ما في معدتها فوق المائدة. فروا
( كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ ).
ومازالت أسنان الضبعه بارزة !!
عتاب صامت
كانت تقف بالقرب من النافذة. تطل منها علي الحديقة. وقفت جنبها. هناك بين أغصان الشجرة عش صغير لعصفورين. يحلقان بعيدا عنه، ويعودان إليه في المساء.
ما زالت الوردة حزينة. تعيد علي مسمعي ما قالته من قبل: " مزاجي في أسوء حالاته.".
حاولت تسليتها. الله يخزى الشيطان. ذكرت لها موال قديم:
( جيت لداركم بعد العشاء بنتفه / لقيتكم نايمين وسراجكم مطفي / مديت يدي علي الهوى لا قطف أنا قطفه / صحت بنت لكم
يمه.. يمه .. حرامية.).
-
عاتبتني عتاب صامت.
-
قلت لها لا تقولي: ( حتى أنت يا بروتس).
-
قولي: ( ويك عنترة أقدم .).
( يدعون عنترة والرماح كأنها / أشطان بئر في لبان الأدهم / ما زلت أرميهم بثغرة نحره / ولبانه حتى تسربل بالدم / فازور من وقع القنا بلبانه / وشكا إلي بعبرة وتحمحم / لو كان يدرى ما المحاورة أشتكي / ولو كان لو علم الكلام مكلمي / ولقد شفي نفسي
وأذهب سقمها / قيل الفوارس ويك عنترة أقدم.).
بالقرب من حيث كنا
نقف عند النافذة توجد طاولة عليها مزهرية. اهتزت الطاولة. تأرجحت المزهرية وآلت إلي السقوط. هرعت إليها لا منعها من التحول إلي أجزاء صغيرة متناثرة. أمسكت بها وهي في طريقها إلي البلاط. أعدتها مكانها علي الطاولة.. فارغة، لم يعد بها ورد.
بحثت عن الورد. ظللت أركض.. واركض.. وأركض في الغرفة ابحث عن الورد، عن الوردة. أدميت قدماي من الركض. وأنا أقف بجوار النافذة انظر إلي الحديقة، إلي الشجرة، إلي الأغصان، إلي العش، مازال العش موجودا بين الأغصان في انتظار عودة العصفورة.
بقادي الحاج أحمد
الخبر مارس 2009م
bagadee@hotmail.com
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة