|
في هذا الحوار مع ابوبكر الامين الناشط الماركسي والشيوعي الخارج على صفوف الحزب الشيوعي نحاول ان نلقي ضوءاً كثيفاً علي ما يجري داخل الحزب الشيوعي وهو على مقربة من مؤتمره الخامس خاصة فيما يتعلق بالصراع الفكري والذي يبدو انه في طريقه الى ان يخلص الى معسكرين معسكر يدعو الى التمسك بالماركسية وآخر يدعو الي تجاوزها بالقطع معها
*
توصف بالماركسي ورغم ذلك خرجت على الحزب الشيوعي ضمن تيار اعلن نهاية الماركسية وعدم صلاحيتها وهو التيار الذي اسس حركة «حق» ؟
إذا كنت تقصد توقيت الخروج فلربما كان الأمر صحيحا من حيث التزامن، ولكن برغم علاقتي بحركة حق ومؤسسيها إلا انني اعتقد أنهم قد خرجوا الى يمين الحزب بينما خرجت انا الى يسار الحزب او في الحقيقة ـ اذا اردنا عدم استخدام هذه العبارات ـ انا رفضت اتجاهات الحزب الذي انحرف يميناً وتركنا في أماكننا هذا من الناحية العامة، اما من الناحية التنظيمية انا رفضت ان اضع نفسي تحت خدمة قيادة لي وجهة نظر في نهجها وتوجهاتها.
*اذاً رفضت ان تضع نفسك تحت خدمة قيادة الحزب التي ترى انها قد انحرفت يميناً؟ ولكن هذا لم يكن الخيار الوحيد ـ الخروج من الحزب ـ كان بامكانك المكوث داخل الحزب ومقاومة ما تراه انحراف القيادة اليميني؟
صحيح ، هذا حديث قيل لي اكثر من مرة ومن اكثر من جهة واحدة، ولكن إذا وضعنا في الاعتبار اشياء متعلقة بتاريخ علاقتي بالحزب يمكن فهم الموقف فهما صحيحا، اولا : طوال تاريخي بالحزب وهو تاريخ قصير بالمعني التنظيمي انا لم ارتبط بفرع حزب في مدينة او في حي ـ هذه نقطة مهمة جداًـ ثانياً: أنا طوال عهد الحركة الطلابية كنت ديمقراطياً بمعني انني كنت شيوعي منتظر (توصيلة) من الثانوي منذ 1973 ــ 1979م وعندما تم توصيلي بفرع الحزب كنت علي وشك التخرج من الجامعة وتخرجت وعملت لفترة قصيرة جدا بمكتب مركزي وبعد ذلك مارست حياتي داخل السجن ومنه الى ممارسة حياتي الحزبية داخل صحيفة الميدان فبهذا المعني لم يكن لدي ارتباط حزبي بغير مركز الحزب، فانا ارتبط بهيئات حزبية مركزية فالميدان تابعة لمركز الحزب وفرع القلعة تابع لقيادة الحزب، والهيئة التي كنت اعلم بها بعد التخرج لفترة قصيرة تابعة هي الاخري لمركز الحزب لذلك لا اعرف عن الحزب غيرالمركز بالتالي عندما اكف عن العضوية فانني اكف عن هذه العلاقة مع المركز وهذا جعل خروجي عن الحزب غير معني بتنظيمات الحزب العادية في السكن او في مجالات العمل، هذه نقطة اولى ، النقطة الثانية ، انا شخصياً بالنسبة لي في البداية الامور لم تكن واضحة بالنسبة لي بشكل كافٍ وكانت التوجسات كثيرة والشكوك محيطة من كل جانب فكنت احتاج لفترة طويلة من الابتعاد لكي استطيع ان اتبين خطاي او ان اصوغ افكاري جيداً وحقيقة ان افكاري لم تتضح بشكل كافٍ الا بعد مناقشات طويلة ولقاءات عديدة وبعد شهور ممتدة فلم تكن عملية الخروج هي ضربة واحدة امرها واضح بل كان الخروج عبارة عن «عملية» او «عملية خروج» وهي بهذا الوصف غير محددة التاريخ.
*يعني أنت رأيت ان الافضل هو «الخروج» وبذلك اعطيت الفرصة الكاملة لقيادة الحزب المتهمة لديك بالانحراف والسعي نحو تصفية الحزب الشيوعي فعلاً بمصادرة الحزب وتصفيته وامتلاكه وفقا لمنطقك هذا ؟
شوف ، بالرغم من هذا الموقف الذي يعتبر موقفاً خاصا بي، لم ادعُ على الاطلاق اعضاء الحزب للخروج منه وحتي اليوم لا اعتبر ان هذه الدعوة صحيحة بمعني ان الشيوعيين المتقنعين بحزبهم والباقين فيه يستطيعون ان يمارسوا بشكل ما سياسة تصحيحية ولكنهم لا يستطيعون ان يجهروا بالقول مثلما نستطيع ان نجهر نحن ، لاننا خارج اى قيد لائحي وبالتالي نستطيع ان نقول ما نريد ، اما العضو الذي يظل داخل الحزب فهو مقيد بقيود اللائحة وبالتالي يمارس الصراع داخل الحزب وفق ما تقرره اللائحة اذا كانت هنالك لائحة تسود وتحترم، نحن لنا قناعة بأن الشيوعيين سيستطيعون ان يصححوا اوضاع حزبهم واذا استطاعوا ان يقوموا بهذه المهمة فليعتبروننا معهم، ولكن ليس لدينا علاقات تنظيمية لا مع اجنحة داخل الحزب ولا مع جماعات ولا تكتلات ولا نريد ذلك ولا ندعوا له .
*ولكن من خلال كتاباتك اعلنت انكم ستقومون بلاعلان عن حزب شيوعي جديد إذا سار اتجاه المؤتمر الخامس للحزب نحو حزب اشتراكي ديمقراطي ؟
الحيقة ان الامر لم يكن بمثل هذه البساطة، قلنا اذا كان هنالك اناس لا يرغبون في الشيوعية ولا يريدون الماركسية ويحبون ان يصبحوا حزباً ليبرالياً فليخرجوا وليتركوا للشيوعيين حزبهم، وليتركوا الشيوعية للشيوعيين ونحن ندعوهم حتي اليوم اذا خرجوا عن برنامج الحزب ولائحته وما اقره المؤتمر الرابع فليؤسسوا حزبهم وليتركوا للشيوعيين حزبهم هذا هو جوهر الموضوع وليس رغبة بتأسيس حزب بعد المؤتمر الخامس لان الحزب اصلاً سيظل باقيا ، الحزب الشيوعي سيبقى وراياته ستظل باقية.
*قل عبد الخالق محجوب انهم لم يجدوا الوقت الكافي لدراسة الماركسية وتعميقها وربما هذا دعا كثيرين الي اعتبار ان الحزب الشيوعي لم يكن ماركسياً في الواقع وانما كان حزباً منخرطاً مع آخرين في مقاومة الاستعمار والدكتاتوريات المتعاقبة و ....؟
مقاطعاً : عبد الخالق كان يتحدث عن ان الشيوعية وصلت السودان «ووقعت للسودانيين في جرح» او المثقفين الذين كانوا منشغلين بالكفاح ضد الاستعمار ولم يكونوا ملمين بالظاهرة الاستعمارية في العالم وجذور الامبريالية ولم يستطيعوا التعرف على هذه الظواهر الا بواسطة الماركسية والتي قدمت في شكل كتب ومقالات واحتكاكات مع دول مجاورة ومثقفين زائرين او مقيمين، وهكذا المسارب التي جاءت عبرها الماركسية جعلت المثقفين المنخرطين في المعركة الوطنية ان يتحسسوا مواقع اقدامهم بشكل افضل وهذا هو المدخل السياسي للماركسية، وعبد الخالق ذكر هذا الامر بشكل واضح عندما قال ان المدخل السياسي وحده يكفي ، ولكنه اى عبد الخالق كان يبحث عن الفكر الذي يباعد بين المرء والتناقضات العاطفية والفكرية اى ينسق الوجدان والشعور وهذا مطلب في الثقافة موجود وبالنسبة للمثقفين مهم وفي ذلك الوقت حدد عبد الخالق التيارات والاتجاهات من ضمنها تيار غربي كان يركن لثقافة المستعمر ولان ثقافة المستعمر كانت ليبرالية تدعو للحرية ، كان التناقض الاساسي بينها وبين نتاجها المتمثل في قهر الشعوب والاستقلال والاستعمار وهذا تناقض مهم جداً، ومن جهة اخري كانت الثقافة التقليدية التي تعتمد على الفكر والتاريخ الاسلامي كانت تتكلم عن امجاد غابرة انقضت وانمحت ولم يعد لها دور في الحياة وإعادتها مرة اخري الي الحياة كان يتطلب نشاطا عمليا غير موجود، وفي هذا السياق كانت الماركسية بالنسبة للمثقفين السودانيين حلا فكريا كبيرا جداً لذلك قلت لك (وقعت ليهم في جرح) ومن هذا المنطلق تقدم الماركسية حلولا في السياسة كما تقدم حلولا في الفلسفة وفي مجالات المعرفة الاخري مثلاً الفن والجمال.
*طيب كيف تنظر الي اراء بعض الشيوعيين داخل الحزب القائلة بنهاية الماركسية ؟
هنالك اتجاهات كثيرة داخل وخارج الحزب ولكن اي شخص لا يري في الماركسية نفعا فليتركها هذا من حقه هنالك فرق بين الخيار الفردي للشخص في ان ينتقل من فكرة الي اخري هذا يتعلق بحرية الفرد وحرية ضميره ، اما اذا كان الامر متعلقا بخيار جماعة تواثقت وعقدت مؤتمرات فلا يستطيع احد داخل الحزب الشيوعي ان يلغى ما قرره المؤتمر الرابع الا من داخل المؤتمر العام، بالتالي هنا لا توجد حرية خيارات فالخيارات تقررت جماعياً ولابد من الغائها جماعياً هذا امر عام، اما فيما يتعلق بالماركسية فهي قد اصبحت حلقة من حلقات المعرفة في العالم من الصعب تجاوزها، فهي قد اصبحت كتابا مفتوحا واوسع حتي من اسهامات ماركس نفسه ،فبعد ماركس خاض العالم تجارب وهذه التجارب بها تلخيصات وحكم واليوم الماركسية وبالذات في مؤسسات العلم الاجتماعي اصبحت جزءا مما يدرس في الجامعات هذا من ناحية اكاديمية من ناحية جماهيرية ايضاً اصبحت الماركسية ومقولاتها جزءا من التفكير الشعبي وكذلك المثقفين حتي الذين ينضمون لاحزاب غير الحزب الشيوعي الا انهم يستخدمون مصطلحاتها ومقولاتها وحججها ، خذ مثلا مصطلح المصالح الطبقية لم يعد فقط يستخدم من قبل الماركسيين ولا مفهوم الصراع الطبقي والذي هو اصلاً موجود قبل الماركسية الى آخر هذه الادوات في التحليل. بالتالي فان الحديث عن المركسية واختزاله في كونها صحيحة او خاطئة غير صحيح ، في اعتقادي ان على الماركسية ان تصارع الاتجاهات والافكار التي تحاول ان تبسط امور الدنيا والحياة.
ولكن هنالك مفاهيم جديدة مثل حقوق الإنسان والمهمشين و ...؟
مقاطعا : مفهوم المهمشين ينطوي علي مكر بمعنى اذا نظرت اليه من وجهة نظرنا النظرة الطبقية كوننا نتحدث عن الطبقات والفئات التي تتعرض للاستغلال والافقار والاذلال القومي من هذه الناحية يمكن ان يكون مفهوم المهمشين مفهوما تعبويا ومقبولا ويمكن استخدامه دون الاحساس بمجافاة العلمية.. لكن المفهوم نفسه «التهميش» يمكن ان تستخدمه فئات وطبقات بالذات في الاقاليم وهي تقاتل فقط من اجل ازالة تهميشها من قبل المركز الذي تسيطر عليه فئات طفيلية رأسمالية، فاذا ارادت ان تستخدم الشعور العام والاحساس بالظلم المتفشي في وسط جماهير المنطقة او القبيلة لتصارع به في معركة محدودة مع مركز لكي تنال حقوقا بعيداً عن الناس بالتالي هذا المفهوم بهذا المعني باعتباره تهميش فئات رأسمالية او قومية بهذا المعنى انا لا احب ان افهمه بهذه الطريقة، وكل المفاهيم الملتبسة مثل التهميش محتاجة ان تخضع الى نقاش وفي نفس الوقت مفترض ان يمتحن كل الاشخاص الذين يرفعون مثل هذه الشعارات (التهميش) ان يمتحنوا في صدقهم في الواقع العملي اذا كانوا خارج السلطة او في السلطة .
*تتهمون قيادة الحزب الشيوعي بالانحراف اليميني والسعي نحو تصفية الحزب اين تتجلي مظاهر ذلك خاصة وان الحزب اعلن صراحة تمكسه بالماركسية ورفضه لاطروحة الخاتم عدلان واطروحة د . فاروق محمد ابراهيم؟
نحن لا نتهم الناس بالباطل انما هي تصريحات منشورة في الصحف وهي تصريحات مشهورة هذا اذا تخلينا عن التحليل للمسلك العملي لقيادة الحزب ، اذا كنت تتحدث لغة اليسار ولكنك لا تفعل شيئا عملياً تقوم قيادة الحزب الشيوعي بتجميد النشاط الجماهيري للحزب وفي نفس الوقت تطلق التصريحات الرافضة للماركسية والرافضة للشيوعية والرافضة لمقررات المؤتمر الرابع ، التصريحات التي تغازل اليمين ويبادلها اليمين الغزل ..و .
*مقاطعا : ولكن في اول ظهور له في ميدان الديم اعلن محمد ابراهيم نقد انهم مازالوا ماركسيين وانهم يتمسكون بالماركسية و ..؟
رد مقاطعاً: شاكراً ، نعم فلنشكر نُقد على ذلك، كان هنالك اتهام، وكان اعضاء الحزب يتساءلون وكان هو أى محمد ابراهيم نقد بحاجة للرد لان هنالك اعضاء في اللجنة المركزية قالوا بغير ذلك وهذا الاتجاه لاعضاء المكتب السياسي الرافض للماركسية تمت مواجهته بموقف صلب وصارم من قبل عضوية الحزب ولذلك ما فعله محمد ابراهيم نقد هو انه قد تراجع ونحن ننظر الى تراجعه هذا ليس بوصفه تصحيحاً للموقف وإنما هو تراجع تكتيكي.
*ولكن الحزب الان عملياً به صراعات فكرية مفتوحة ومُعلنة فتاج السر عثمان في مقالاته يرد على تصريحات الشفيع خضر وهذا صراع حميد وفي الهواء الطلق فتاج السر يعلن في مقالاته التمسك بالماركسية وهذا ربما يمثل اتجاهاً داخل الحزب الشيوعي وداخل قيادته ؟
في اعتقادي ان موقف تاج السر نفسه جاء في سياق من الضروري الانتباه له، اولا تاج السر شخصية معروفة صعدت الي اللجنة المركزية دون انتخاب وشارك مع اللجنة المركزية في كل ما تقوم به من اعمال ومن اهم هذه الاعمال مشروع الدستور، وفي هذا المشروع تجد الملامح الرئيسية للخروج عن مقررات الحزب ومقررات المؤتمر الرابع ، وتاج السر هو جزء من هيئة قيادة وجزء من اعمال هذه الهيئة واعضاء هذه الهيئة القائدة كانوا يتحدثون في الصحف ولكن تاج السر لم يتصد لهم اجمعين بل اختار من اعضاء هذه الهيئة القائدة التي جنحت يميناً ،اختار الافكار التي عبر عنها الشفيع خضر والسر والشفيع وهما جزء من تيار واحد كونهما يتصارعان هذا يجئ في سياق ان افكارهما لم تعد ذات وزن بالنسبة لقواعد الحزب ، وأن هنالك تسابقا حول محاولات كسب القواعد لهذا فان تاج السر يحاول ان يظهر وكأنه يعبر عن القواعد ولكن اذا نظرنا الي الامر جيداً نجد ان هذا الاتجاه نابع من كون ان السكرتارية المركزية تحاول ان تنقذ خططها ولكن عبر طريقة جديدة الطريقة الجديدة هي تبني افكار القواعد او الافكار الناقدة في محاولة للملمة الصفوف والخروج بقيادة جديدة تستمر في النهج القديم.
*ماذهبت اليه في اجابتك تسهل هزيمته خاصة وانه يعتمد على نظرية المؤامرة لماذا لا تري فعليا ان الحزب او قيادته تتجه اتجاهاً ماركسياً عبر ما تعلنه في تصريحات متوفرة وفي منتديات وندوات وفي البرنامج اول ما ذكر ان هذا الحزب حزب ماركسي يمسك بالماركسية ؟
يا عزيزي انا احيلك لوقائع تعرفنا عليها، انا اسأل ماذا جري في الاجتماع التحضيري للمؤتمر الخامس في غرب اوربا ؟ لماذا أُلغيت الندوة التي كان من المقرر ان يقيمها محمد ابراهيم نقد ؟ ومن الذي الغي هذه الندوة ؟ هذه معلومات ضرورية جدا لان عضوية الحزب التي في الخارج والتي في غرب اوربا بالتحديد واعضاء الحزب الذين هم الان في امريكا وفي كندا هؤلاء ينتقدون اتجاهات قيادة الحزب ناهيك عمن هم بالداخل ولذلك فان المركز يتراجع امام عضويته هذا تراجع تكتيكي وانا افهم النقد الذي يقدمه تاج السر عثمان في هذا الاطار ولهذا انا لا ارجم بالغيب ولكنني اتحدث عن واقع توازن قوي يتطور داخل صفوف الحزب.
|