التجمع الوطني..الطريق الى القبر !
تحقيق: فتح الرحمن شبارقة
قيل إنه حي لا يرزق، وقيل كذلك إنه مريض أو ربما يحتضر وأن جسد التجمع الوطني الديمقراطي المسجى في إنتظار معجزة سياسية تنقله من حالة الموت السريري الى خانتي الفاعلية والعافية بعد ان فقد من كلتيهما الكثير
.
فتوصيفات راهن التجمع تختلف من شخص لآخر باختلاف الزاوية التي ينظر بها أي منهم لحالته، لكنها، وعلى اختلافها تتفق على أن هذا المارد العملاق، أو بالاحرى، الذي كان عملاقاً، أو أريد له ان يكون عملاقاً، قد دخل القمقم أخيراً، بعد إصابته بالكثير من العلل والأمراض بإقرار قادته «الكبار» الذين حاولوا التغطية على تساقط أسنان التجمع بتلوين الشفاه
.
فالتجمع الوطني الديمقراطي الذى نعاه وزير الخارجية الاريترى فى حوار سابق اجريته معه،كان بمثابة المظلة التي استظلت تحت سقفها جميع فصائل ومكونات المعارضة لأول مرة في تاريخ السودان سواء أكانت تلك الفصائل شمالية أو جنوبية، مدنية أو عسكرية الأمر الذي شكل وثبة متقدمة على طريق الوحدة الوطنية
.
بدأ التجمع كفكرة داخل أقسام سجن كوبر عندما اقتيد اليه قادة البلاد السياسيين عقب إنقلاب الإنقاذ مباشرة، فسجن الصادق المهدي ومحمد عثمان الميرغني ومحمد إبراهيم نقد والتيجاني الطيب، وعمر نورالدائم وفتحي شيلا، وآخرون دخلوا السجن بمحض إرادتهم بعد أن قرر كبيرهم على نحو ماكر ان يذهب الى السجن حبيساً
.
ولد ميثاق التجمع بعد طول تشاور ومدارسة داخل سجن كوبر وسقت شجرته خارج البلاد تيارات لها ثقلها السياسي حتى اشتد عوده واكتمل بناؤه في مؤتمر القضايا المصيرية بأسمرا يونيو 1995م، حيث استطاعت جميع مكونات التجمع ان تصل الى إتفاقات وقرارات بالغة الأهمية في قضايا السودان التي كثيراً ما احتربوا من أجلها
.
من ذلك المؤتمر أصبح للتجمع هيكل قيادة ومكتب تنفيذي ووضع استراتيجياته لإسقاط نظام الإنقاذ عسكرياً وخارجياً وشعبياً. وتكونت الأجنحة المقاتلة والعسكرية للتعامل مع الحكومة في الخرطوم التي لم تكن وقتها تفهم غير شاكلة تلك اللغة
.
ومع تحرك قوات التجمع في جنوب البلاد أو على حدودها الشرقية، كانت تتحرك في داخل البلاد وخارجه الكثير من الآمال بالإطاحة بالإنقاذ، حتى أن أحد السياسيين المتفائلين امتعض جداً عندما أصر عليه صاحب المنزل الذي كان يستأجره في القاهرة بأن يدفع مقدم ستة أشهر، وقال له: «أنا ما حا أقعد ستة أشهر، كلها شهر أو اتنين بالكتير نسقط النظام ونعود للخرطوم
».
وكانت العودة، ليست بعد ستة أشهر فحسب، بل بعد نحو ستة عشر عاماً، عودة كان ينتظرها الكثيرون بالداخل قبل ان يصيبهم الاحباط فيما بعد بشيء من الشوق اختزلوه في مثل هذه الهتافات «بكرة التجمع جاي.. يبني البلد بأمان .. بلداً بلا كيزان.. لا سجن ولا سجان.. حر هو السودان
».
لكن التجمع عجز عن مجرد بناء دار له في الخرطوم ناهيك عن وطن وعجز حسبما أكد عبدالرسول النور هو أحد الفاعلين السابقين فيه إن يقدم نفسه بديلاً مقنعاً للنظام القائم، وقال في كتاب نفذ فيه الى دهاليز التجمع، ان البعض اعتبر التجمع غاية في حد ذاته وبنوا كل سياساته وخططه وإعلامه وتحالفه وتحركاته على أخطاء النظام المتمثلة في تكريس الشمولية وانتهاك حقوق الإنسان والعداء السافر مع الجيران ورفض الآخر
.
إذن التجمع عزف على أوتار تصرفات الإنقاذ وسمعتها غير الجيدة خارجياً، وانتشى التجمع كثيراً بقوته وبندقية الحركة الشعبية التي كان يتكيء عليها. حتى أن رئيسه السيد محمد عثمان الميرغني كان يقول بملء فيه: «لا تفاوض ولا سلام بل إقتلاع من الجذور»، ويزيد، إن مفهوم النضال الذي ارتضيناه لا يعني سوى اقتلاع هذا النظام من جذوره، ثم بدأ الحديث يميل اكثر جهة الموضوعية فكانت مقولته الشهيرة «سلم تسلم» ثم توالت بعد ذلك المصائب على التجمع ومرت الكثير من المياه تحت جسره جعلت النظام يسلم من غير ان يُسلم التجمع شيئاً يذكر، سوى وزيرين فقط وعدد قليل من المقاعد في البرلمان بعد ان تمخض التجمع وولد فأراً
.
لكن ما الذي أوصل التجمع الى هذه الحالة المتأخرة؟ إجابات كثيرة يمكن ان تكون صحيحة على هذا السؤال، فقد تخلت الإنقاذ عن كثير من أجندتها السابقة التي كانت تكسبها عداء الكثيرين في الداخل والخارج وتبنت أطروحات مغايرة عملت فيها بذكاء وفق المستجدات الدولية والإقليمية وبدأت التصالح مع خصوم الأمس من حلفاء التجمع الإقليميين الأمر الذي سحب البساط من تحت أقدام التجمع حتى وجد نفسه فجأة في موقف لا يُحسد عليه سياسياً
.
ورأي الفريق عبدالرحمن سعيد نائب رئيس التجمع الوطني الديمقراطي إن التجمع ما زال حياً وموجوداً ويصارع الاجيال وبصحة جيدة ولكنه بحاجة الى شوية أدوية «يشد بيها حيلو» وعزا أسباب تراجعه الى الخلاف الدائر حول مكوناته بسبب الشراكة في السلطة التنفيذية الى جانب اتساع الهوة بينه أحزاب ووجود وسواس وعدم ثقة بينها، لافتاً الى أن مستقبل التجمع يكتنفه الغموض كمستقبل أهل السودان تماماً على حد قوله لـ«الرأي العام
».
ويذهب البعض الى أن بداية النهاية للتجمع، كانت عندما نفض حزب الأمة القومي يده منه وعاد غاضباً الى الداخل بعدان أظهرت الإنقاذ جدية في الحل السياسي الشامل وأتاحت هامشاً للحرية تحرك فيه حزب الأمة على نحو محدود
.
وفي السياق قال فاروق أبوعيسى الذي تسبق اسمه عادة الكثير من الصفات منها مساعد رئيس التجمع في معرض إجابته على أسئلة طرحتها عليه، قال: «الصادق المهدي كسر ضهرنا» فقد كان من الممكن ان ندخل الخرطوم، كما أن نيفاشا أخذت منا -أي التجمع- الحركة الشعبية وهي كانت من أنشط فصائله وأصبح برنامج الحركة الآن برأي أبوعيسى -بعد التآمر الدولي لأن تكون الاتفاقية ثنائىة- غير برنامج المعارضة وإنما تنفيذ ما اتفقت عليه مع المؤتمر الوطني
.
وأحصى أبوعيسى أسباباً عديدة لتراجع التجمع منها ما هو في السابق كاستغلال الحكومة للصراع بين اثيوبيا واريتريا لمصلحتها وهو ما أسهم في تحجيم التجمع في اثيوبيا ومنها ما جاء لاحقاً مثل خروج بعض هيئة قيادته عن دائرة الفعل الداخلي كعبدالواحد محمد نور أو دخول بعضها في السلطة كمني اركو وفصائل البجا والأسود الحرة فضلاً عن عدم تمكن التجمع من عقد اجتماع لهيئة قيادته منذ اتفاق القاهرة في العام 2005م
.
وعوداً على بدء، فقد اجابني أبوعيسى ضاحكاً عندما سألته عن حالة التجمع الصحية، وما إذا كان قد مات أو على قيد الحياة بقوله: «باستثناء هيئته البرلمانية ورئاسته فلا شيء يتحرك في جسد التجمع، وزاد التجمع مثل جسم الإنسان بحاجة الى دورة دموية متجددة وهواء صحي يستنشقه، ولكنه الآن يعاني من التكلس وبحاجة لاستمرار الدورة الدموية ووجود هواء يستنشقه ليصبح على قيد الحياة
.
الحركة الشعبية كانت الحصان الذي راهنت عليه فصائل التجمع وأرادت أن تدخل الخرطوم على صهوته، قال نائب أمينها العام ياسر عرمان في اتصال هاتفي اجريته معه، إن التجمع حي لكنه يمكن ان يكون أعطى نفسه إجازة مؤقتة يمكن ان يكون بعدها أكثر حيوية
.
ومضى عرمان للحديث عما أسماه بالحالة الأسرية للتجمع بعدان اعتذر عن الحديث عن حالة التجمع الصحية بحجة انه لم يدرس الطب ويصعب عليه التشخيص مثل الأطباء، وقال إن فكرة التجمع والحالة الأسرية بين مكوناته والتاريخ الطويل الذي بينها لا تزال صالحة بشرط ان تكتسب محتوى جديداً وآليات جديدة وقدرة على التعامل مع المتغيرات والمستجدات، مشيراً الى ان التجمع قد غادر مرحلة من حياته ودخل مرحلة اخرى لها متطلباتها وقضاياها التي لا يمكن ان تُحل بطرق الأمس
.
ومهما يكن من أمر، فإن التجمع الوطني وبعد انسلاخ أكبر قوة سياسية منه قد حقق انجازات سياسية لا ينكرها إلا مكابر، ولكن «حزب الأمة» ومحاولة أكبر قوة عسكرية فيه «الحركة الشعبية» ان تجمع بين الآختين الحكومة والمعارضة، وعدم قدرته على ان يجتمع وأن يعد مجرد اجتماعه إنجازاً سياسياً كما حدث أخيراً، يشير الى أن التجمع يعيش هذه الأيام أسوأ أيامه وإن استمر قلبه في الخفقان
.
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة