رحلة الشرق التاريخية مع الثالوث (الجهل ،الفقر،المرض)،نهاية الطريق لاتلوح في الافق
http://ajrasalhurriya.net/ar/news_view_3451.html
تقرير:صالح عمار- أجراس الحرية
تاريخ شرق السودان لالاف السنين ـ وجبال البحر الاحمر وسواحله علي وجه التحديد ـ يمكن القول بالرجوع لوقائعه وماسجله المؤرخون انه كان عبارة عن حروب دفاعية متواصلة ضد جيوش غازية، هدفها نهب ثروات الاقليم من المعادن النفيسة والاستفادة من موقعه الاستراتيجي (الفراعنة والبليميين والرومان والعرب والبرتغاليين والاتراك..الخ) ،وهو الوضع الذي ادي عندما بدأت قوة السكان المحليين وقدرتهم علي المقاومة تضعف لانسحابهم التدريجي والتقهقر للداخل والنظر بعين الشك والريبة لكل الغرباء المرتبطين في الاذهان بالسيطرة والسرقة ونهب الموارد
،وهي نظرة ماتزال رواسبها مستمرة حتي اليوم وتفسر السبب في ميل قبائل شرق السودان من البجا وغيرهم للابتعاد عن المناطق الحضرية والتمسك بعاداتهم وثقافاتهم ورفض كل جديد ووافد (الامر الذي يضعه البعض سببا رئيسيا في تأخر الاقليم، ولكن يتم الحديث عنه من دون استصحاب خلفيته ومسبباته التاريخية تلك) .. في العصر الحديث بدأت الحركة المطلبية والسياسية في الاقليم والنابعة من احساس اهله بالظلم والتهميش في عهد مبكر ،فمنذ الثلاثينيات بدأوا ينتظمون في تجمعات تنادي بتحسين الاوضاع في الاقليم، وتذكر بعض الروايات ان رئيس حزب المؤتمر الهندي ورئيس الهند فيما بعد جواهر لآل نهرو توقف في بورتسودان في العام 1938 وقام بزيارة احياء البجا وعندما رأي المأساة التي يعيشونها اقترح عليهم قيام مؤتمر يضم كل البجا ،وفي العام 1946 نشأت لجنة البجا للعون الذاتي ومن ثم هئية تنمية البجا 1949 وكانت اهدافها تتمثل في بناء رأس المال البشري ومحاربة الفقر والمجاعات الناتجة عن اهمال الدولة (الاستعمارية آنذاك)،كما تم في تلك الفترة انشاء نادي البجا في مدينة بورتسودان .. ويعبر عن ذلك الشعور بالغبن والظلم الاجتماعي الذي كان يحسه اهالي الاقليم ماجاء في نشرة كفاح البجا عام 1953 (توجد في شرق السودان قبائل لاتقل تخلفا عن تلك الموجودة في جنوب السودان ،لم يطالب البجا ولن يطالبوا بالانفصال ولكنهم قد يطلبوا شيئا شبيها بذلك)، النقلة الكبري في مسيرة مطالبة اهل الاقليم بحقوقهم في التنمية كانت في اكتوبر 1958 بعقد مؤتمر البجا بعد عشرين عاما من وصية لآل نهرو والذي تم فيه اضافة لحضور مكونات البجا وقبائلهم تمثيل كل اهل الشرق القاطنين في تلك الفترة بالاقليم ويتضح من مقررات المؤتمر انه كان مطلبيا في المقام الاول ينادي بانشاء وتحسين خدمات الصحة والتعليم والزراعة والموانئ ،ولكن ولطبيعة التكوين التي اعتمدت علي معايير اجتماعية بحتة وضعف التنظيم (اوالمؤتمر) وحدوث انقلاب الفريق ابراهيم عبود بعد شهر فقط من انعقاد المؤتمر(نوفمبر1958) وحظره لنشاط المؤتمر اسوة ببقية الاحزاب والتنظيمات لم يستطع مؤتمر البجا في تلك الفترة احداث نقلة عملية في مطالبه بتنمية الاقليم رغما عن فوزه باحدي عشرة دائرة في انتخابات العام 1965 الان المطالبات وحركات الاحتجاج المطلبية لاهالي الاقليم لم تتوقف ففي 16مارس 1965 دخل اكثر من اربعة الآف من عمال الشحن والتفريغ في اضراب عن العمل مطالبين بتحسين بيئة العمل وزيادة الاجور وانضم اليهم عمال محلج بورتسودان وتطور الاضراب وادى لشل حركة الميناء ،وصباح 18مارس اطلقت الشرطة الرصاص الحي علي العمال المعتصمين بالمحلج مما ادي لسقوط خمسة قتلي وعشرات الجرحي بين صفوفهم .. اما حقبة السبعينيات والثمانينيات ومابعدها فهي حقب التدهور والجفاف والتغييرات البيئية والهجرات البشرية الواسعة التي اوصلت الاقليم في العام 83 لحد المجاعة المعلنة والمعترف بها رسميا من حكومة المشير جعفر نميري (المعروف ان الدول خصوصا غير الديمقراطية منها لا تعترف بوجود المجاعة رسميا الا بعد ان يصل الامر مرحلة الكارثة والموت والنفوق الجماعيين) ولم يتم تجاوز تلك المرحلة الابعد التدخل الدولي المباشر والجسور الجوية التي تم انشاؤها بواسطة عدد من الدول علي رأسها الولايات المتحدة التي بعثت بنائب رئيسها في تلك الفترة جورج بوش (الاب) للسودان، وكانت منطقة ودشريفي الواقعة علي بعد 10 كيلومترات شرقي كسلا احدي المناطق المنكوبة التي زارها بوش (وهي احدي بلدات شرق السودان التي توفي الآلاف من اهلها بسبب انتشار وباء الكوليرا في ذلك العام وتوجد فيها مقابر جماعية تذكر بتلك الكارثة).. وعقب اندلاع الصراع المسلح في منتصف التسعينيات، تأثرت مناطق جنوب طوكر وهمشكوريب وتلكوك والقاش وريفي كسلا وود الحليو وجنوب القضارف المحاذية للشريط الحدودي لدولتي ارتريا واثيوبيا ومناطق اخري من الشرق، بالحرب التي دارت بين القوات الحكومية وقوات التجمع الوطني البيمقراطي وتسببت في هجر المزارعين لمزارعهم وتلغيم المراعي والمزارع ونمو أشجار المسكيت في المنطقة ودمار البيئة التي كان يحيا عليها البجا منذ ألآف السنين مما أدى إلى نفوق الحيوانات والنزوح وتدمير البنيات الخدمية القليلة التي كانت موجودة في بعض هذه المناطق وصار النازحون على أطراف المدن يعيشون في ظروف غير صحية تفترسهم الأمراض الصحية والاجتماعية ويدفعون المال مقابل السلع التي كانوا يتحصلون عليها مجانا في قراهم الأصلية مثل السكن والوقود والحليب والمياه وغيرها والآن لا يجدون عملا لأن ليس لهم مهن أو تعليم وبالتالي ليس لهم مال لشراء تلك السلع والخدمات فأصبحوا متسولون على أطراف المدن وفي قلوبها.. وبعد توقيع اتفاقية نيفاشا وما احدثته من انعاش في آمال وطموحات مناطق كثيرة في السودان يري اهلها ان مظالم تاريخية قد وقعت عليهم، شهدت بورتسودان حركة جماهيرية ونشاطا مكثفا كان نتيجته رفع مذكرة لوالي ولاية البحر الاحمر احتوت علي مطالب سياسية واخري تتعلق بالتوظيف والمواني ووجهت برد وتدخل سريع من الحكومة يومي 28 و29 يناير 2005 ادي لقتل 27 وجرح مايفوق الاربعين وكانت واحدة من النتائج الرئيسية لهذه الاحداث اعتراف الحكومة بمؤتمر البجا الذي كان يحمل السلاح آنذاك كممثل للشرق والبجا وتوقيع اتفاق سلام معه فيما بعد. ورغم اعلان مؤتمر البجا في العام 94 للكفاح المسلح ودخوله ساحة العمل العسكري وطرحه لبرنامج ومشروع سياسي وفكري كغيره من الاحزاب السياسية والحركات المسلحة الا ان المطالب التنموية المباشرة ظلت تتصدر خطابه السياسي ومثلت عاملا رئيسيا لنجاحه في استقطاب الجماهير والتفافها حوله، اما الحكومة فقد اعترفت هي الاخري ضمنيا حتي قبل احداث بورتسودان وتوقيع اتفاق الشرق بان للشرق قضية وذلك بتكوينها لجنة وزارية سمتها (لجنة تنمية شرق السودان) بدأت عملها في ثلاث محاور وهي الاغاثة من خلال تقديم كميات من الذرة توزع في ولايات الشرق الثلاثة، وتنفيذ برامج في مجالات الصحة والتعليم، وحسب التقارير الصادرة عن وزارة المالية الاتحادية فان هذه اللجنة صرفت حتي يونيو 2006 مبلغ وقدره 714 مليون دينار، ورغم الانتقادات الموجهة لهذه اللجنة الاان تشكيلها من حيث المبدأ فيه دلالة علي اعتراف الحكومة بوجود مشكلة في شرق السودان يقول المهتم بملف الشرق عبدالمنعم ابوادريس (انه كان عاملا مهما في سرعة التوصل لاتفاق سلام شرق السودان باسمرا اكتوبر2006).. ويتضح من هذه المسيرة الطويلة لشرق السودان مع الصراعات المتسبب فيها غياب خطط ومشاريع التنمية (ومحصلة ذلك مايعرف في ادبيات اهل الشرق بثالوث الجهل والفقر والمرض)، والتي ظل بعضها صامتا وتطور بعضها الاخر لحركات احتجاج وعنف ان للامر جذورا عميقة، وكل ماكانت الاوضاع تترك دون حل اوتتخذ اجراءات شكلية (وقمعية) لمواجهتها تتطور تدريجيا لكارثة انسانية قد تتجاوز تداعياتها حدود القطر(مجاعة83) اولحركات احتجاجية وثورات تتزايد حدتها ودرجة تاثيرها من حقبة لما يليها لما هو اعنف (حركة العمال65،اعلان مؤتمر البجا للكفاح المسلح 94 ،احداث يناير2005) ، ويورد د.عمر عجيمي استاذ علوم البيئة بجامعة الخرطوم (في ورقة له بعنوان المحتوي التنموي لاتفاق سلام شرق السودان قدمت في ورشة عقدتها منظمة فردريش ايبرت ودلتا الطوعية بكسلا) ان هناك قول شائع عالميا وهو ان النزاعات لاتفصح ابدا عن اهدافها الحقيقية ولكن النزاع في شرق السودان يدحض هذه المقولة حيث ظلت قضية الحرمان التنموي والتهميش التاريخي هي علي الدوام اهم اسباب ودوافع النزاع.. صندوق الاعمار سلاح طرفي اتفاق اسمرا لحل الازمة،مبالغ قليلة مستلمة و(انتقادات بالجملة)!! رغم الانتقادات الموجهة لها تعتبر اتفاقية سلام شرق السودان اول وثيقة رسمية تعترف بمشكلة الشرق والحرمان التنموي والتهميش للاقليم بشكل واضح وصريح، ففي ديباجة الاتفاقية يرد ان التهميش السياسي والاجتماعي والاقتصادي يمثل جوهر مشكل شرق السودان، وعلي منوال اتفاقية نيفاشا قسم الاتفاق لثلاثة فصول خصص الثاني منه لمعالجة القضايا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، وتم تحديد الاهداف الاستراتيجية لتنمية شرق السودان في هذا الفصل ب: (تأهيل المناطق المتأثرة بالحرب، تأهيل الخدمات الاجتماعية بما يشمل الصحة والتعليم والمياه، تأهيل وتنمية البني التحتية، بناء القدرات البشرية والمؤسسية، محاربة الفقر، تنمية وتأهيل قطاعات الزراعة والصناعة والسياحة والثروة السمكية وقطاعات اخري ذات اولوية، تشجيع فرص الاستثمار وخلق فرص العمل ،حماية وتحسين البيئة الهشة، حماية وترقية التراث التاريخي والثقافي ،ضمان عودة وتأهيل اللاجئين والنازحين داخليا، ضمان استجابة كافة برامج التنمية لحاجات المرأة،م22) وقد تم ايكال مهمة التنمية وتنفيذ هذه الاهداف الاستراتيجية لصندوق اعادة بناء وتنمية شرق السودان ،والذي تشرح المادة 23 كيفية انشائه والمبالغ المخصصة له وهيكلته...الخ : 1/ يكون صندوق اعادة بناء وتنمية شرق السودان والذي تمثل فيه جبهة شرق السودان بفعالية، تنظيما رئيسيا في التخطيط والتطبيق ومتابعة برنامج اعادة البناء والتنمية ،ولايشمل البرنامج مشاريع التنمية القومية التي تشرف عليها الحكومة القومية في شرق السودان 2/ يتفق الطرفان علي ان تخصص حكومة السودان ،اضافة لنصيب شرق السودان في مفوضية تخصيص ومراقبة الايرادات المالية ،مبلغا يساوي مائة مليون دولار امريكي كمبلغ ابتدائي لصندوق اعادة بناء وتنمية شرق السودان للعام 2007 ومبلغ لايقل عن مائة وخمسة وعشرين مليون دولار امريكي سنويا للاعوام 2008،2009،2011،2010 . 3/ يكون هيكل ادارة صندوق اعادة بناء وتنمية شرق السودان علي النحو التالي: (أ) يكون لصندوق اعادة بناء وتنمية شرق السودان مجلس ادارة يرأسه وزير المالية والاقتصاد الوطني ،ويضم الي جانبه: والي ولاية كسلا، والي ولاية البحر الاحمر، والي ولاية القضارف، وزراء المالية بالولايات الثلاث ،ثلاثة اشخاص ترشحهم جبهة الشرق،شخصين يعينهما الرئيس (ب)يدار صندوق اعادة بناء وتنمية شرق السودان بواسطة مدير مهني يعينه الرئيس من قائمة يقدمها مجلس الادارة ،وفريق الادارة الذي يعمل تحت اشراف هذا المدير يتكون من اشخاص مؤهلين وذوي خبرة.. 4/ يبدا صندوق اعادة بناء وتنمية شرق السودان في موعد (90) لايتجاوز تسعين يوما بعد توقيع هذا الاتفاق ويري د.عمر عجيمي في قراءته للمحتوي التنموي للاتفاقية ان الاتفاقية في جملتها، بما في ذلك محتواها التنموي ،تميزت بعمومية المواد الواردة فيها ،كما انها مواد تكاد تتوفر في كل نص من النصوص التي تتناول العلاقة بين الدولة والمجتمع (الدستور الانتقالي مثلا وماسبقه من دساتير منذ الاستقلال) وهنا يجئ التحدي الكبير من حيث تفسير هذه المواد وتفاصيلها ومن ثم تفعيلها في مجال التطبيق،اما الاهداف الاستراتيجية الواردة في الاتفاق فقد جاءت عامة للغاية وغير محددة الاطار اوالمعالم اوالاستهداف، نصف الاهداف تقريبا ركز علي موضوع اعادة التاهيل.هذا يطرح السؤال الاساسي والمحوري :ماذا كان هناك لتتم اعادة تعميره ؟ بل لوكان ماهو موجود مرضيا فلماذا كانت مشكلة الشرق في المقام الاول؟ ولماذا جاء الاعتراف نصا في هذه الاتفاقية "بالتأثير المتراكم لمشكلة التخلف والحرمان التاريخي لسكان الشرق"؟
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة