بسم الله الرحمن الرحيم
قالت نملة ....... وتبسم ضاحكا من قولها
د. طه بامكار
من القصص الممتعة في القران الكريم قصة سيدنا سليمان عليه السلام. وسوف نستعرض بعض الآيات من سورة النمل والتي تحكي قصة سيدنا سليمان مع ملكة سبأ..... لقد وهب الله سيدنا سليمان وسيدنا داؤد العلم والحكمة... ثم ورث سليمان داؤد..... ولقد أوتى سليمان منطق الطير ومنطق النمل و...... قال تعالي ( وورث سليمان داؤد، وقال يا أيها الناس علمنا منطق وأُوتينا من كل شئ، إن هذا لهو الفضل المبين)...... كان لسليمان جنوده من الإنس والجن والطير..... وفي يوم من الأيام جمع سليمان جيشه وتحرك به فلما جاء الي واديٍ يدعى وادي النمل...
( وحشر لسليمان جنوده من الجن والأنس والطير فهم يوزعون* حتى إذا أتوا علي وادي النمل قالت نملة يا أيها النمل أدخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون)..... ففهم سليمان لغة هذه النملة المسكينة وتبسم ضاحكا من قولها ليس ضحك المنتصر علي الضعيف ولكن كتبسم الضاحك الشاكر لنعمة الله ، وفي تواضع لا يشوبه أي كبرياء يسجل القران... ( فتبسم ضاحكا من قولها وقال ربي أوزعني أن اشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلي والدي وان اعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين).... منتهى التواضع... قمة الاعتراف والشكر .... هكذا ...عندما يمنح الله النعمة لعبد من عباده ينبغي أن تكون هذه النعمة سبب للتواضع....وسبب للشكر... لم يغتر سيدنا سليمان ولم يقل هذا الفضل أُتيته وورثته...... بل يطلب أن
يلهمه الله شكر هذه النعم ويطلب من الله أن يتقبله كفرد واحدٍ من عباده الصالحين....... من قبل اغتر قارون بماله وقال لقد أوتيته علي علم من عندي فخسف به الله الأرض........ وندم الذين تمنوا أن يكونوا مثل قارون...... إن قارون كان جهولا كفورا.....
يجلس سيدنا سليمان ويتفقد جيشه..... ، وأثناء استعراض الجيش أمام سيدنا سليمان لجميع قواته، وفي سرايا الطير بالذات يلاحظ سيدنا سليمان أن هنالك غيابا لعنصر الهدهد فتملك منه الغضب إذ لا يعقل أن يغيب الهدهد من غير إذن منه.... ( وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين* لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين)....رغم انه قرر في الأول أن يعذبه عذابا شديدا أو يذبحه ولكنه تراجع في الآخر لأنه نبي وقال إلا إذا أتي بعذرٍ واضح ومعقول..... وبعد مدة من الزمن جاء الهدهد وجلس غير بعيد وخاطب سيدنا سليمان وأبلغه سبب غيابه.... ( فمكث غير بعيدٍ فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأٍ بنبأٍ يقين)..... تخيل يقول الهدهد لسيدنا سليمان أحطت بما لم تحط به.......
هذا الأمر غير مألوف لدينا، لا يستطيع أحد أن يقول للحاكم أنا أعلم أكثر منك أو أحط بما تحط به، حتى إذا كان هذا الأمر في مجال تخصصه..... فالحكام هنا اكبر درجة... فهم ملهمون يعرفون الاقتصاد والهندسة والطب والتربية والتربة والطرق والكهرباء، ويخططون نيابة عن المجتمع في كل الأمور ولا يسألون ولا يحاسبون......
المهم ماذا وجد الهدهد ؟ وبماذا أحاط ؟ وما هو النبأ اليقين الذي جاء به سبأ ؟....... ( إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شئ ولها عرش عظيم* وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون ) هذا هو النبأ الذي جاء به الهدهد... ملكة وقومها يسجدون للشمس من دون الله .... حتى ينال الهدهد رضي سيدنا سليمان يقول.... ( ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض
ويعلم ما تخفون وما تعلنون* الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم*).... رغم هذه الحجة الكبيرة ورغم هذا الجهد الجبار من الهدهد لم يتخذ سيدنا سليمان قرارا فوريا ولكنه تأني وقال... ( سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين)... وبعد التحريات والمشاورة قرر سيدنا سليمان أن يرسل مكتوبا بواسطة الهدهد الي الملكة ( اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون)...... طار الهدهد بمكتوب سيدنا سليمان ووقف عند شباك الملكة صباحا والقي إليها الرسالة فتفاجأت واستغربت وبدأت بقراءة الرسالة وكانت الرسالة عبارة دعوة لدين الله ودعوة لعبادة الله وحده وترك عبادة الشمس ولكن بطريقة مهذبة وكريمة كما دائما دعوة الأنبياء والرسل..... حملت الملكة الرسالة ويبدو إنها أُعجبت بها ، ثم دعت كبار قومها أو مجلس شوراها .. ( قالت يا أيها الملأ إني ألقي الي كتاب كريم* إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم* ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين* قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون)....مما يدل علي حصافة هذه الملكة إنها وصفت الرسالة وصفا صادقا وقالت عن الرسالة إنها كتاب كريم وانه يدعو الي الإسلام... الغريب في هذا الكتاب انه جاء عبر الهدهد. ولكن الأمر في النهاية أمر شوري وما اعتدت أن أقطع أمرا دون مشاورتكم ودون الرجوع إليكم فماذا أنتم فاعلون ؟. هذه هي الشورى الحقيقية وهذه هي طريقة الحاكم الذي يحبه شعبه ويحترمه ، يشاورهم في أمور الدولة ويجعلهم يشاركون في تسيير دفة الحكم ، خاصة في الأمور الكبيرة التي تطلب تضافر الجهود، لاحظ إن شوري هذه الملكة كان يتكون من قادة الرأي من القوم ، ليت حكامنا يفهمون..... بعد هذا التوضيح من الملكة أجاب مجلس الشورى، ولأن الأغلبية فيه من الرجال، والرجال دائما يحبون حسم الأمر بالقوة ............ ( قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا
تأمرين)....يبدو أن الملكة (المرأة) كانت حصيفة ولا تتعجل الأمور والصورة مكتملة في ذهنها وتدري أن هذا الملك الذي تخدمه الطيور والذي يدعوا للقيم والأخلاق ويدعوا الي دين الإسلام لابد أن يكون جادا ووفيا لدينه ولا يمكن مواجهته بالقوة أو علي الأقل لا يمكن الدخول معه في مواجهة دون معرفة الموقف الحقيقي ودون الإلمام ببعض تفاصيل ميدان المعركة.....لذلك كان موقفها ونصيحتها لقومها منطقي ومعقول...( قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة، وكذلك يفعلون) ,,,,, وكذلك يفعلون الأخيرة هي تأكيد من عند الله لقول الملكة.... ولان الملكة (المرأة) تريد أن تعرف الموقف الحقيقي قبل الدخول في مواجهة اقترحت الآتي...( وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون).... بهذا التصرف وعبر الهدايا المرفقة بالاستخبارات والجواسيس أرادت الملكة أن تحدد موقفها النهائي... وجاء الوفد الي سيدنا سليمان محمل بالهدايا، ويبدو أن الوفد قد انبهر بملك سليمان وجيشه الذي يتكون من الجن والأنس والطير والحيوانات... حدد الوفد الأمني والاستخباراتي الموقف بعد أن رأي قوة سيدنا سليمان......
رفض سيدنا سليمان الهدية وغضب من هذا التصرف وطرد الوفد.... ( فلما جاء سليمان قال أتمدونني بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم، بل انتم بهديتكم تفرحون* ارجع إليهم فالناتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون)..... إجابة حاسمة وقاطعة لا مساومة ولا مجاملة في الدين ولا تنازل في المبادئ والقيم.... هذا الموقف بكامله نقله الوفد الأمني والإستخباراتي الي الملكة.... الوفد الاستخباراتي والفني العسكري نقل الصورة الحقيقية عن جيش الملك سليمان ويبدوا انه أوصى باستحالة المواجهة...... لذلك قررت الملكة الذهاب بنفسها الي سيدنا سليمان ومقابلته.... وتم تحديد ميقات الزيارة وأبلغت الملكة سيدنا سليمان بذلك...... ثم توجهت الملكة تلقاء مملكة سيدنا سليمان......
وفي الطرف الآخر يجمع سيدنا سليمان هيئة شوراه ويتناقش معهم في أمر زيارة الملكة ويقول...( قال يا أيها الملؤا أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين*) ... هنا يقصد سيدنا سليمان أن يمتحن الملكة ويريها مدي قوته..... قام واحد من مجلس شوري سيدنا سليمان وهو عفريت من الجن وابدي استعداده لجلب العرش..( قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين)... ولأن العفريت يعتمد علي قوته وحدها برر وقال إني لقوي وأمين للإتيان بهذا العرش.... أما الشخص الذي يعرف ربه حق المعرفة ويخلص له وحده اقوي من كل شئ...قام واحد من الإنس من رعية سيدنا سليمان وقال.... ( قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك، فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أاشكر أم اكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فان ربي غني كريم)...... هكذا واحدٌ من جنود سليمان لم يكن يأبه له أحد يأتي بالعرش في لحظة قبل أن يرتد لسيدنا سليمان طرفه ، ومن ثم يشعر سيدنا سليمان بفضل الله عليه إذ ابتلاه واراه انه يضع سره حيث يشاء........ بعد أن استقر العرش عنده جاءه خبر اقتراب موكب الملكة..... أراد سيدنا سليمان أن يمتحن الملكة فقال نكروا لها عرشها..( قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون).... جاءت الملكة ودخلت علي سيدنا سليمان وابهرها الموقف والمفاجأة ولكنها تمالكت ولم تعلن الانهزام عندما سئلت....
( فلما جاءت قيل أهكذا عرشك ، قالت كأنه هو، وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين)... لم تعترف لأن الاعتراف يعني إعلان الهزيمة فهي ملكة ومازالت في شك مما تراه لأنها لم تكن من المؤمنين وصدها كبريائها وعنادها... ( وصدها ما كانت تعبد من دون الله، أنها كانت من قوم كافرين)..... رغم ذلك كانت المفاجآت كثيرة ومتنوعة ومبهرة وتدل علي قدرة غير التي إعتادها الإنسان العادي مهما كان موقعه ملك أو حاكم....( قيل لها ادخلي الصرح، فلما رأته حسبته لجةً وكشفت عن ساقيها، قال انه صرح ممردٌ من قوارير، قالت ربي اني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين).....
هكذا أعلنت الملكة إسلامها لله رب العالمين.
ما يستفاد من هذه القصة هو ضرورة إشراك قادة الرأي في تسيير أمور الحكم، وضرورة اختيار القوي الأمين في مجالس قادة الرأي، وضرورة التأني في اتخاذ القرارات التي تمس المصلحة العامة، وضرورة التواضع وترك الأنفة والكبرياء.
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة