|
بسم الله الرحمن الرحيم
مبادرة حكماء أفريقيا إلى أين ؟
المتوكل محمد موسي
Almotwakel
_
m@yahoo.com
جاء فى الأخبار أن لجنة حكماء أفريقيا برئاسة رئيس جنوب أفريقيا الأسبق ثامبو أمبيكى .. قد طرح على شريكى نيفاشا رؤيتها لحل أزمة دارفور توطئة لرفعها إلى مؤتمر القمة الافريقية نهاية شهر أغسطس الجارى بالعاصمة الليبية طرابلس .... المصدر معظم الصحف السياسية يوم الثلاثاء 25 أغسطس 2009م ..
لست أدرى على من تضحك لجنة حكماء أفريقيا ؟ فكيف فات على اللجنة التى تزعم أنها تحمل مشروعاً أو رؤية لحل أزمة دارفور وتقدمه للمؤتمر الوطنى والحركة الشعبية و تتجاهل حركة جيش تحرير السودان الموقعه على السلام والحركات الأخرى التى انحازت له ؟.. ولست أدرى ما الحكمة فى تجاهل الحركة وهى تملك الآن ميدانأ عسكرياً ولديها تجربة توقيع إتفاق للسلام
،بغض النظر عن قبولنا بالإتفاق أو رفضنا له , فأنه فى الآخر الأمر يُعد تجربة يمكن أخذ الدروس والعبر منها بعد تقييمها .. ولست أدرى أيضاً كيف تكون الحركة الشعبية معنية بقضية دارفور أكثر من أبناء دارفور أنفسهم الموجودون فى الحكومة لقد غاب عن حكمة حكماء أفريقيا أن عدم استصحاب الحركة الموقعه ومعها الحركات المنحازه للسلام سيضر بمجمل الجهود التى يبذلونها اليوم إن قُدر لها أن تُثمر .. فماذا تفعل اللجنه اذا أفلحت جهودها وتم توقيع إتفاق جديد بديلاً لأبوجا
وجاءت الحركات الموجودة الآن فى الخارج إلى الداخل
وخرجت الأخرى الموقعه والموجودة اليوم بالداخل إلى الخارج؟...كنا لانرغب فى قدح جهود لجنة الرئيس ثامبو وكنا نعوِّل كثيراً أن تمحو اللجنة كثيراً من البثور الأفريقية التى بدت فى وجه الأزمة وأصبحت جزءً أصيلاً من تعقيداتها وكانت سبباً فى تأخر الوصول إلى حلٍ لها ،والتى تتمثل فى فشل
الآليات الأفريقية بدءً من فشل الوسطاء الأفارقة
فى أبوجا وفشل قوات الإتحاد الأفريقى – يوناميس - وأخيراً فشل المبعوث الدولى الأفريقى السيد باسولى
وربما آن لنا أن نتساءل أين هى الحكمة الأفريقية من هذه اللجنة التى تترك أهل دارفور وتشاور آخرين لايهمهم من أمر دارفور إلا إستخدام القضية كوقود
فى معاركهم الآنية والمؤجلة مع المؤتمر الوطنى . بل اتصلت اللجنة وشاورت جهات وقوى سياسية هى نفسها تحتاج للجنة حكماء أو لجنة مساعى حميدة لحل مشاكلها مع المؤتمر الوطنى ، ولم تتصل بالسيد كبير مساعدى رئيس الجمهورية ورئيس حركة جيش تحرير السودان لتذهب وتجلس معه ولتسمع منه رأيه وتستصحبه معها فهو يدرى بكثيرٍ من تعقيدات القضية ، فى رأينا أن مبادرة حكماء أفريقيا لاتخرج عن ظاهرة وبال المبادرات والمنابر التى رُزئت بها قضية دارفور .
كل يوم تشرق فيه الشمس على السودان واهله تخرج علينا مجموعة أو جهة تُعلن عن إطلاق مبادرة جديدة لحل أزمة دارفور ، وبدورنا ندرك أنه كل ما وُلدت مبادرة جديدة تيقنا أن حل الأزمة صار أبعد كثيراً مما كان عليه الأمر قبل إطلاقها .. فهل هذه لعنة أم أن أصحاب المبادرات لديهم أجندة غير تلك التى يعلنونها تؤدى إلى فشلها ؟؟ وعلى ذات السياق فقد تعددت المنابر من أجل إستضافة فرقاء الأزمة للتفاوض والوصول إلى حلٍ للأزمة ، وبنظرة سريعة لو إستعرضنا هذه المنابر لإكتشفنا حجم التخبط والتوهان ولأدركنا حقيقةً أخرى صادمة تتمثل فى أن أزمة دارفور لن تُحل فى الأمد المنظور والدليل على ذلك هو كثرة هذه المنابر وتعدد المبادرات ، فحرب مثل حرب الجنوب والتى دامت أكثر من خمسين عام لو جمعنا كل المنابر والمبادرات التى طُرحت بشأنها طوال هذه المدة لما بلغت ربع المبادرات التى تقدم بها أصحابها لحل أزمة دارفور ولا عُشر المنابر التى أُفردت لها ، أين منبر التعايش السلمى ومنبر السلام العادل ومنابر كل من ليبيا ومصر وأروشا بتنزانيا وجوبا والدوحة بقطر وأديس أبابا وأبوجا وأسمرا ، أما المبادرات فحدث ولاحرج ، يصعب تذكرها ولكننا نخص بالتذَّكر منبر أهل السودان الذى إفترعه ورعاه المؤتمر الوطنى وأقامه فى ضاحية كنانة وقد سبقته ضجّ إعلامية وهالة ضخمة من تلك التى تُميز نهج المؤتمر الوطنى فى التعاطى مع مثل هذه الأمور، أما لماذا هذه المبادرة تحديداً من بين العشرات من المبادرات ؟ السبب يعود إلى قناعةٍ راسخةٍ لدينا بأن الجهة الوحيدة التى تملك حلاً لأزمة دارفور هى حكومة المؤتمر الوطنى .
.. فقد وعدت الحكومة أنها بصدد تدشين مبادرة يلتقى فيها كل أهل السودان ليدلوا بدلوهم ويسهموا فى إيجاد حلٍ للأزمة ، وبالفعل تمت الدعوة و شاركت معظم الفعاليات السودانية (قوى سياسية ومنظمات مجتمع مدنى وشخصيات سودانية مستقلة) فى ملتقى كنانة وخرجوا بتوصيات واضحة وجلية إستصحبت كل آفاق الحلول وشملت كل رؤى أهل دارفوروالسودان ، لكن وللأسف الشديد ذهبت توصيات مبادرة أهل السودان أدراج الرياح، وفى الحقيقة - الفأر لعب فى عبنا - بمجرد إطلاعنا على رقاع دعوات ملتقى أهل السودان وقرأنا الأسماء والشخصيات التى تمت
دعوتها والشعارات التى رفعتها الحكومة من أن الحديث متاح فى الملتقى و أنه مسموح تناول كل مطالب أهل دارفور دون قيودٍ أو شروط ، ثم عندما بدأ الملتقى أعماله ورأينا فى المنصات ورئاسة اللجان ممثلٌ فيها كل رؤساء الأحزاب وقيادات الصف الأول من مختلف أحزاب القوى السياسية السودانية وقادة العمل العام فى مختلف المجالات ، حينها أدركنا أن التوصيات التى يخرج بها الملتقى سيكون مصيرها مجهولاً لأن مثل هذه التوليفة التى جُمعت فى كنانة من العسير أن تخرج بتوصيات ينفذها المؤتمر الوطنى ، ومرد ذلك يعود إلى أن معظم الذين حشدتهم الحكومة هم ألد خصومها حتى قبل أن تندلع أزمة دارفور ، والحكومة تعلم مسبقاً أنها لاتستطيع الركون و الإطمئنان إلى رأى هذه العصبة من الرجال
الذين جاءوا إلى كنانة والحكومة تتخيل أن كل منهم يحمل خنجراً مسموماً تحت عباءته ينتظر اللحظة المناسبة ليُسدد لها الطعنة النجلا ، فكيف يمكن الوثوق فى أهلية النصائح التى يقدمونها وهم فى أمّس الحاجة للحصول على المشورة بشأن علاقتهم بالمؤتمر الوطنى .؟
لن نعفى أبناء دارفور خاصة
حاملى السلاح من الرافضين لإتفاق أبوجا من مسئولية عدم الوصول إلى حلٍ للأزمة رغم وجاهة
الشعارات التى رفعوها وعدالة القضية التى يناضلون من أجلها ، لأنهم هم أيضاً أصبحوا عقبة حقيقية فى سبيل الوصول إلى حلٍ للأزمة
فبدلاً من تكريس الجهود لحل الأزمة الإنسانية والتنموية
فى الإقليم أصبح الهم الأكبر والشغل الشاغل للجميع هو محاولة توحيد أبناء دارفور الذين يتمترس كل منهم حول مجموعة عرقية من أهله مُدّعياً أنه هو وحده الأحق بالحديث عن أزمة دارفور وأنه هو الرئيس والربّان الذى ينبغى أن يقود السفينة الدارفورية إلى بر الأمان وهو لايدرى أنه هو آخر من تجد دارفور على يديه الأمان والإستقرار ، وللأسف فالعالم الذى يملك الكثير من الإمكانات للحل لازال فى سكرته يعمه ولازال يعتقد أن حل أزمة دارفور فى يد هؤلاء أو فى يد قبائل بعينها وهو إعتقاد خاطئ ولن يُفضى إلى حلٍ مطلقاً ، فدارفور بها أكثر من ثلاث و ثمانين قبيلة ولا يمكن إختزال حل قضية الإقليم و إيكال أمر حل الأزمة لبضع أفراد أو قبائل دون سماع رأى الأغلبية الكاسحة ومحاولات إسترضاء أصحاب الأفق الضيق والأجندات الخاصة ، وهو أمرٌ لن يصمد كثيراً طالما أن أصوات الأغلبية الصامتة من أهل دارفور بدأت ترتفع فى الكثير من المنابر تطالب بإفساح المجال لسماع رأيها فى الأمر بعد أن يئست من إنصلاح حال أبنائها الذين يحملون السلاح من أجل قضيةٍ واحدة ولكن قلوبهم شتى
.
فى نهاية مقالنا نقول أن الحل أولاً وأخيراً بيد الحكومة وأهل دارفور الصامتين و منظمات المجتمع المدنى الدارفورى والحركات المسلحة ولكن النصيب الأكبر من الحل ، الآن ، فى يد الحكومة والحركات المسلحة ، أما الآليات الأفريقية بما فيها لجنة حكماء أفريقيا فلو إنتظرنا أن تأتينا بحلٍ لقضية دارفور فإن ليلنا الحالك سوف لن يُسفر صبحه ، وإن كان فى أفريقيا حكماء أصلاً لما انسحقت أفريقيا ، الثرية بإنسانها و مواردها ، تحت رحى الحروبات والفقر والجوع والمرض .
|