|
السودان والنفق المظلم ، نظام الإنقاذ على خطى مايو ... (2) بقلم / شريف آل ذهب
نواصل هذه الحلقة عن السيناريوهات التي تصورها الدكتور منصور خالد في كتابه ( السودان والنفق المظلم ، ... ) عن نهاية العهد المايوي حيث يقول في (ص 623 ) :
في الجانب الأول ظل الجيش يلعب دوراً هاماً في حياة النظام ، أهم بكثير من دور التنظيم السياسي . ولا ريب في أن النميري هو أول من يدرك هذا فقد كان هو صاحب المصلحة الأول فيما قام به الجيش من دور : الإبقاء على حياته ، ودعم النظام . ومن أجل هذا فقد حرص النميري أيضاً ، خاصة بعد أن أبرز الجيش أنيابه في يناير 1982م ، على أن يضعف من هذا الجيش مادياَ ومعنوياً حتى لا يقوى على مثل هذه المواجهات فيما بعد . فدوره الذي يريده له النميري اليوم ليس هو الدفاع عن الوطن حسبما قالت المادة 199 من الدستور ، بل الدفاع عن رئيس النظام . بيد أن النميري قد رما بهذا الجيش في حرب أشعلها بنفسه ( قلنا أن اليد اليمنى لا تدري ما تفعله اليسرى ) . وعلّ الذاكرة تعود بالرئيس إلى أواخر الستينات فالذكرى تنفع المؤمنين ، أئمة وتابعين . لقد كانت حرب الجنوب في تلك الأعوام هي نقطة الاستقطاب لصغار ضباط الجيش . فالحرب التي تدور هناك اليوم هي حرب بغي ، وما بغى الإنسان إلا على نفسه . ويخوض جيش البلاد هذه الحرب المنهكة وإعداده غير كامل ، ومعنوياته تشارف الانهيار بل هو يشارف الانهيار لا فرقاً وهلعاَ من القتال وإنما إدراكاً منهم لأنهم يدفعون ثمن أخطاء سياسية لرجل واحد لا ظهير له .
لقد كشف النميري عن قدر كبير من الاستهتار عندما أعلن في سبتمبر 1984 تراجعه عن قراره السابق بتقسيم الجنوب عارضاً على الجنوبيين الرجوع إلى تسوية أديس أبابا ، في نفس الوقت الذي أكد فيه أن التقسيم باقٍ . وأن القرار بشأنه ستصدره المجالس الإقليمية الثلاثة التي جاء بها . وما قال الدستور بهذا . ولا قالت به اتفاقية أديس أبابا . فالدستور والاتفاقية يتحدثان عن قرار يصدره مجلس الشعب بأغلبية معلومة ، ويقره أهل الجنوب في استفتاء شعبي عام بأغلبية معلومة .
وفي الصفحة التالية (624 ) يمضي فيقول : إن الحرب الدائرة اليوم في الجنوب لن تكون هي الحافز الأوحد لتدخل الجيش . فالقوات المسلحة تعاني من إهدار الكرامة أيضاً . وأبلغ دليل على ذلك هو عدم استعداد الجيش لرد قصف طائرة واحدة أغارت على أم درمان دون أن تجد من يسقطها ، أو يردها بتعقبها .
ويمضي في الصفحة التالية (625 ) فيقول تعليقاً على تلك الغارة : وبدلاً من أن يسمح النميري بهذا التحقيق طلب من ضباط جيشه الاجتماع في صبيحة يوم الغارة المشئوم للاستماع إلى واعظ ديني يحدثهم عن مزايا الجهاد في الإسلام .
.. ويمضي في ( ص627 ) فيقول : إن التحطيم الجهازي للجيش قد يجعل من العسير عليه التحرك كمؤسسة عسكرية مما يضاعف من هذا التحرك من جانب الرتب الصغرى . وقد شهد السودان محاولتين على الأقل من هذا النوع في العامين الماضيين ، إحداهما هي ما أسميت بالمؤامرة العنصرية . والتعبير نفسه تعبير ينم عن الغلاظة والجهل . فالسودان لا يعرف عنصراً آرياً يعيش في حوض النيل وعناصر زنجية تعيش في غربه وجنوبه . فمثل هذه التحركات ، هي في جوهرها ، ردود فعل على ما يحسبه أهل بعض المناطق ظلامات إقليمية . ومهما يكن من أمر فإن أي انقضاض عسكري من هذا النمط لن يكون انقلاباً على غرار انقلاب عبود ( انقلاب تقوده المؤسسة العسكرية ) ، أو انقلاباً على غرار انقلاب مايو ( تؤيده تنظيمات حزبية ذات قواعد قادرة على التحرك السياسي السريع خاصة في المركز الحضرية ) . مثل هذا الانقلاب سيكون بالضرورة انقلاباً راديكالياً دامياً ، فليل الفساد المعتكر لن يتبعه إلا فجر حقود . لقد كان الترابي صادقاً في حديثه لجريدة لوموند حينما قال بأن هذا الجو الملبد بالغيوم قد يقود إلي بروز ( سارجنت داو ) أو ( ( جيري رولنقز ) السوداني . ونظراء هؤلاء في السودان سيحسبون أن مشاكل البلاد ستحل ببعض أحكام الإعدام والمصادرات ، ثم ينتهي بهم الأمر بعد قليل إلى اكتشاف الحقيقة المرة . وربما كان هذا هو السبب نفسه الذي يحمل المؤسسة العسكرية ، حتى وإن استطاعت ، على أن لا تقدم على مغامرة عسكرية لأن حجم مشاكل السودان التي خلقها النميري عامداً ، عملاً بسياسة ( من بعدي الطوفان ) ، أصبحت أكبر من أي مؤسسة ، وأي حزب ، وأي إقليم وبالتالي أي فرد . وإزاء كل هذا فإن مثل هذا الانقلاب لن يدوم طويلاً ، ولكنه سيبقى بالقدر الذي يزيد فيه من الآلام والشجون ، ويضاعف من المشاكل . وعندما نقول بأن مثل هذا النظام لن يعيش طويلاً لذلك أسباب عدة منها :
1/ فقدانه لقاعدة يرتكز عليها أو مشاركة شعبية تدعمه .
2/ انعدام الخبرة اللازمة لتسيير الأمور ، وقد بلغت حداً مرعباً من التردي .
3/ معارضة القوى التقليدية .
4/ عدم ثقة الجنوبيين بأي حكم عسكري إلا إذا كانوا شركاء فيه .
كل هذا يتعلق باستمرار مثل هذا النظام على المدى البعيد ، أما بقاؤه على المدى القصير فلن يكون بالأمر العسير . فلا مرية في أن أهل السودان سيتقبلونه بالرضا عملاً بمبدأ : (( بين الخازوق والخازوق رحمة )) . كما أن القوى التقليدية التي أنهكت حتى لم تعد قادرة على مجابهة ترهيب نظام النميري الذي شاخ ، ستكون أقل قدرة ، وأكثر تهيباً من مواجهة نظام (( شاب )) . ويبقى الجنوبيون والذين سيمعنون في حربهم المنهكة إلا إذا كانوا جزءاً من هذا الانقضاض العسكري ، وأحداث المحاولة الانقلابية الأخيرة لا تجعل هذا الاحتمال احتمالاً بعيداً .
وفي مقدور المرء أن يتصور سيناريو آخر يقوم فيه ائتلاف مدني _ عسكري بين حزب سياسي وبعض صغار الضباط أو متوسطي الرتب من بينهم . وسيسعى مثل هذا التحالف إلى الاستيلاء على السلطة وتأييدها ، كالائتلاف البعثي الذي استولى على السلطة في سوريا عام 1963 . وقد أدى ذلك الائتلاف إلي تسييس الجيش وعسكرة السياسة . إلا أن مثل هذا السيناريو أمر مستبعد الاحتمال في قطر كالسودان تكتنفه جميع أنواع التمايز ، إن لم يكن التشقق ، الثقافي ، والعرقي ، والديني . وقد أثبتت أحداث يوليو 1971 أن مثل هذا الانقلاب لن يقابل إلا برد فعل عنيف حتى وإن بقى في الحكم لأمد قصير ، ريثما يلتقط الناس أنفاسهم .
وهناك سيناريو ثالث يحتمل أن يقوم فيه الأخوان المسلمون باستيلاء مسلح على الحكم خاصة وقد أفادوا كثيراً من مظلة الحماية التي تتوفر لهم الآن في دعم مركزهم السياسي والاقتصادي معاً . ولم تخفِ السلطات الرسمية نفسها مخاوفها بل اتهامها بأن (( الجماعة )) تقوم بتسليح نفسها من أجل (( جهاد )) مرتقب . ولا يتوقع المرء لمثل هذه المحاولة بأن تحظى بنجاح أكثر من ذلك الذي حظي به الانقلاب الشيوعي في 19 يوليو 1971 . فمن ناحية ستقف المؤسسة العسكرية ( الجيش ) ضد مثل هذا التحرك كما وقف في يوليو 71 ويوليو 1976 . فالجيش ، مع كل ما أوردنا عن معاناته النفسية والمادية ، يظل هو أهم القوى الضاربة في البلاد ولن يرضيه أن تستهين به مجموعة مدنية مسلحة . ومن الناحية الأخرى ستؤدي مثل هذه المحاولة ، إن لم تجهض في أوانها ، إلي حرب أهلية ، خاصة نسبة للهوس الديني الذي ستطلقه من عقاله .هذا هو حال الشمال ، أما الجنوب فسيمنح للمرة الأولى المبرر الشرعي للانفصال . كما سيجد الجنوب للمرة الأولى التعاطف العلني ، إن لم يكن الدعم المفتوح من الكثير من الدول الإفريقية ، ناهيك عن المسيحية العالمية . وستكون المفارقة أن هذا الانقلاب ألإخواني لن يحظى حتى بسند الجارات المسلمات وموقفها معروف من الإخوان . وكل هذه حقائق حياة سياسية لا بد أن يأخذها السياسي في اعتباره ، راقت له أم لم ترق .
ونجيء إلي السيناريو الرابع وهو عودة النظام التعددي عبر انتفاضة مدنية ، يقف الجيش منها موقف المتفرج إن لم يكن الشريك كما حدث في أكتوبر 1964 . وكثيراً ما يحلو للرئيس نميري أن يقول بأن أكتوبر لن تعود ، وأن نظامه ليس كنظام عبود الذي أودت به مظاهرة واحدة في الوقت الذي عجزت فيه عشرات الإضرابات والمظاهرات أن تقتلع جذور حكم النميري . والرئيس النميري محق ومخطئ في قولته هذه ، فهي قولة زائفة زيف كل أنصاف الحقائق . فالنظام القائم يختلف اختلافاً جذرياً عن نظام عبود لأنه عمل منذ البداية على تركيز قاعدته الشعبية ، وتوسيع نطاق المشاركة فيه ... بدءاَ بالتعاون مع الشيوعيين ، والناصريين ، وقوى الوسط الديمقراطية ، والجنوب ، وأخيراً المصالحة مع القوى المعارضة جميعها والتي اتخذت من النظام موقعاً مناهضاَ في البداية ( الأنصار ، الاتحاديون ، الإخوان المسلمون ) . وعبر هذه المسيرة الطويلة ترك كل واحد من هده التنظيمات بصماته في النظام ، كما خلف كل واحد منها بعضاً ( أو تخلف عن بعض ) من رجاله . وقد أكسب كل هذا النظام مناعة ضد ما يمكن أن تقوم به هذه التنظيمات من معارضة له ، خاصة وقد ظلت التشكيلات الحزبية تمارس نفس تكتيكها القديم ، وترفع نفس شعاراتها القديمة وتغالط النفس ( تماماً كالنميري ) بأن ليس من شيء جديد على الساحة السياسية السودانية خلال ما يقارب العقدين من الزمان . وعلى العكس من هذا كان نظام عبود نظاماً نخبوياً تديره برجوازية برقراطية بشقيها المدني والعسكري ويفتقد في مراقيه العليا الحد الأدنى من المهارة السياسية ، باستثناء دور الأستاذ أحمد خير . والذي كان وحيد القوم في هذا المضمار .
ومن ناحية أخرى أفلح نظام مايو ، في بدايات عهده ، في أن يجد صيغة مناسبة للتحالف المدني _ العسكري أصبح معها الجيش جزءاً لا يتجزأ من النظام وزاد من التفاف الجيش بالنظام أن القوى المعارضة تخيرت لمناهضتها النظام الأسلوب غير السياسي ، أي أسلوب العنف .
وكما أسلفنا فليس هناك من جيش نظامي واحد يقبل على نفسه أن ينكسر أمام مجابهة مدنية عسكرية ، من أي مكان جاءت . بيد أن المجابهة الوحيدة التي لن يجرؤ عليها الجيش هي مجابهة الشعب مجتمعاً ، حتى وإن كان أعزلاً . ولا يحول بين الجيش ومثل هذه المجابهة إلا أنه يرى في الشعب مجتمعاً ذاته .... يرى فيه الأب والعم ، والخال والأخ .
... تعليق ... لعل ما سبق واضح بما لا يحتاج إلي تعليق وفيه من العظات والعبر ما يمكن أن نسترشد بها في واقع بلادنا الراهن ، وما يعجب المرء منه في هذه السيناريوهات أنها جميعها قد حدثت على أرض الواقع كما وردت في الكتاب ، فنظام النميري قد سقط بانتفاضة شعبية في ابريل 85 وفق السيناريو الرابع ، والإخوان المسلمون قد قاموا بانقلابهم العسكري في 1989 على غرار البعث في سوريا ، ضاربين بعرض الحائط تخوفات وتوقعات الدكتور منصور خالد ، فحدث المحظور بوقوع الحرب الأهلية في البلاد وذهاب الجنوب نحو الانفصال ، ويا سبحان الله . والأهم من ذلك أن واقع البلاد الآن أشبه بل وأسوء من ذلك الواقع في عهد النميري حين صدور هذا الكتاب ، وواقع القوى السياسية المناهضة هو ذات الواقع ، والتاريخ يكرر نفسه من جديد ، والجيش قد تم تسييسه وإضعافه بل وإحلال جهاز الأمن محله ، فما العمل ؟ هذا هو السؤال الملح والتحدي الراهن ؟! . نواصل في الحلقة القادمة بأمر الله .
|