|
المشير في بزته الانتخابية (3) : الصادق حمدين
بالبناء علي ما سبق من مقالين تناولا جزءاً يسيراً من المسكوت عنه عمدا في خطاب المشير أمام المجلس الوطني ورهانه علي أن الشعب السوداني قد دخل في حالة موت سريري سياسي يصعب العودة منها إلي عالم الأحياء مجددا، فتعامل مع الوطن وقضاياه كتركة مستحقة وانحصر الإعلام الشرعي في مؤيديه ومحازبيه والذين يوالونه وللفقيد الوطن الرحمة.هكذا وبإرادة منفردة من المشير قد تم إسدال الستار لعقدين مظلمين من فترة حكمه دون حساب أو مساءلة، بعد أن قدم فيهما السودانيون بكل ألوان طيفهم وسحناتهم العزيز من الدماء والأرواح من أجل تحقيق العدالة والمساواة وبناء دولة المواطنة والقانون.
والحديث عن الانتخابات باعتبارها هدفا وغاية في حد ذاتها وليس وسيلة الغرض منها الوصول إلي الديمقراطية ومنها إلي الحرية والمساواة هو التفاف ممنهج ومدروس علي استحقاقات التحول الديمقراطي التي ظل المشير ونظامه يتهرب منها ويتعامل معها كمنحة وفقا لمفهومه الشمولي للديمقراطية ومستحقاتها، وليس وفقا لمفهوم أسس العدالة في عالم اليوم الذي يتطلع إلي الجيل الرابع من حقوق الإنسان.
والعدالة في عالمنا المعاصر تقوم بالأساس علي دولة القانون والنظام الديمقراطي. وتقوم الدولة الديمقراطية علي أربعة أعمدة هي الحريات الفردية، والحريات العامة، واستقلال القضاء، ثم التبادل السلمي للسلطة وهذه النقطة الأخيرة تعتمد علي نزاهة الانتخابات الديمقراطية بالتبعية، فأين هذا الكلام من حديث أحد حواري المشير وهو الدكتور كمال عبيد عندما صرح لجريدة الصحافة بتاريخ 08/10 وقال:(مؤسسات الدولة لن تكون أكثر ديمقراطية من مؤسسات المجتمع المدني وإن أي حديث عن التحول الديمقراطي لابد أن يتم بدرجة من التوازن والتدرج)، ماذا ينتظر الحالمون بالتحول الديمقراطي بعد كلام "جهيزة" هذا؟.
من شروط التنافس في شتي ضروب المنافسة بما فيها اللعبة الانتخابية الديمقراطية أن يتساوي الجميع في أسلحة المنافسة فأين القوي السياسية الأخرى من حزب المؤتمر الوطني الذي سجن الدولة في مؤسساته فصار هو الدولة والدولة صارت هو ومع ذلك يشكك الحواري كمال عبيد الذي يحلو له وصف معارضيه بالمتنطعين بمصادر تمويل الأحزاب السياسية بعد أن دخلت إلي خزينة حزبه خمسة عشر ة مليارا من الجنيهات زعم بأن كوادر حزبه من التجار قاموا بذلك التبرع السخي، لا نريد أن نشكك في مصدر هذه الأموال ففي ظل حكومة المشير لكل مجتهد نصيب، ولكننا نريد أن نسأل فقط الدكتور العبيد هل يستطيع تاجر جملة أن يتبرع علنا إلي أحد الأحزاب السياسية دون أن يجد نفسه غدا قد صار عضوا في نقابة الباعة المتجولين؟.
ليس من فراغ أن يتكلم المشير بكل هذه الثقة بأنه إذا لم يتحصل علي 50% من أصوات ضحاياه في دارفور سيعتبر نفسه ساقطا في الانتخابات القادمة لأنه يعلم تماما بأن الانتخابات هذه المرة لن تتم علي طريقة "مولانا" الأستاذ المحامي أبو دقن الذي ناءت بدلته السفاري بما حملت من أوراق انتخابية مزورة في انتخابات المحامين في منتصف التسعينات، ولا علي طريقة انتخابات معلمي أم روابة فيما مضي من أيام، ولا علي طريقة انتخابات نقابة الأطباء التي جأر أعضاؤها بالشكوى من التزوير ولا حياة لمن تنادي، ولا علي طريقة انتخابات جامعة القاهرة الفرع في بداية التسعينات وذلك عندما كانت تتري خطابات التهنئة المزعومة من كوادر شتات الحركة الإسلامية من كل أنحاء العالم وهي في الواقع كروت تُطبع في عمارة الضرائب وما جاورها من عمارات.
هذه المرة سيتم التزوير بالقانون مع سبق الإصرار والترصد، فليس صدفة أن تكون الاستمارة الانتخابية في غاية من الصعوبة والتعقيد في بلاد 90% من سكانها يعانون من الأمية الأبجدية والأمية السياسية، الأمر الذي دعى أحد المراقبين بأن يقول إن طريقة الانتخابات السودانية أكثر تعقيدا من طريقة الانتخابات الألمانية والفرق بين السودان وألمانيا لا يحتاج إلي عناء توضيح، والغرض من كل هذا حسب تصوري هو الاستفادة من تالف البطاقات الانتخابية لأن كوادر العصبة وفي لحظة كتابة هذا المقال ربما يتحلقون في دائرة ويتم لهم شرح طريقة الانتخاب المعقدة بالتفصيل الممل وبعد درس الشرح يقرءون ما تيسر وهي في الأول والأخير لله..
وليس صدفة ثانيا: كل اللغط والجدل الذي يدور حول عدم صحة نتيجة الإحصاء السكاني وما شابه من تزوير فاضح وإصرار المؤتمر الوطني علي صحته وإلغاؤه يعتبر خطا ملتهبا يحرق كل من يقترب منه، بمنطق حزب المؤتمر الوطني ستة ولايات تعادل في ثقلها السكاني تسعة عشر ولاية ومعلوم أن عدد الدوائر الانتخابية يعتمد بالأساس علي الثقل السكاني جغرافيا ومع ذلك يحاول المؤتمر الوطني جاهدا سد شمس الحقيقة بإصبعه ويصر علي أن نتائج التعداد السكاني صحيحة وعلي المشككين من الشعب السوداني أن يشربوا من البحر بموجب قانون القوة الذي هو مصدر شرعية حزب المؤتمر الوطني الوحيد.
وليس صدفة ثالثا: إصرار المشير وأركان حربه بأن الانتخابات ستكون نزيهة وحرة وشفافة في كل مناسبة يتطرقون فيها إلي الانتخابات، صدق الذي قال "إن الحرامي في رأسه بطحة" ما هذه الصفات التي تدعو إلي الاطمئنان؟، وهل وصف الانتخابات القادمة بأنها حرة وشفافة ونزيهة بأنها ستكون حكما كذلك؟، وهل يمكن أن توصف انتخابات بأنها حرة ونزيهة قبل أن تقام؟، وهل كل تلك المقدمات وإعداد أدوات التزوير بموجب القانون يؤدي إلي انتخابات تحمل هذه الصفات؟، وهل نظام بني تاريخه علي الكذب والتزوير يمكن أن يحتكم إلي صناديق الانتخابات دون أن يمارس تلك الأساليب التي هي أساس وجوده علي الخارطة السياسية حتى الآن؟.
وليس صدفة رابعا: أن يتطرق المشير إلي أن الانتخابات القادمة ستكون بمراقبة المؤسسات الدولية وتحت سمع وبصر المنظمات المعنية ونحن نتساءل متى خرجت المؤسسات الدولية من تحت حذاء المشير حتى يجعل منها شاهدة علي انتخابات بالنسبة له شخصيا ستكون حدا فاصلا بين السجن والقصر؟، ومنذ متي كان للجان المراقبة الدولية تأثيرا في نتائج كل الانتخابات التي تٌجري تحت مراقبتها وما الذي فعلته هذه اللجان للشعب الكيني، والشعب الزمبابوي، وقبله الشعب النيجيري والشعب الإيراني، وغيرها من الشعوب التي تُحكم بديمقراطية الأمر الواقع.
وإصرار المشير بمناسبة أو دونها بأن انتخابات أبريل ستكون تحت المراقبة الدولية هي كلمة حق أريد بها باطل يقول ذلك وهو يعلم تماما أن المراقبة الدولية أصبحت آلية غير فاعلة وكل الذي تستطيعه في كتابة تقاريرها هو قول أن هناك تزوير قد تم ولكنه لا يرقي إلي درجة إلغاء النتيجة ولا يؤثر فيها وكأنما أصبح التزوير في الانتخابات يقاس بالكم وليس فعلا مرفوضا ومجرما من حيث المبدأ يستوجب فاعله بأن ينال العقاب والمساءلة الدولية وذلك بتفعيل آلية عدم الاعتراف الدولي بالحكومة التي تحوم حولها شبهة التزوير.
وأخيرا من يتشدق الآن بالديمقراطية ويصر بأن تُقام الانتخابات في مواعيدها الجديدة وفقا لظروفه هو وليس كما نصت عليه اتفاقية السلام من مواعيد، بعد أن استنفذ كل السبل، وحرق كل الأوراق، وفقد مبررات وجوده في السلطة فإنه الآن يستعجل الديمقراطية كأنه يؤمن بها بعد أن وأد ديمقراطية كانت قائمة فعلا وممارسة.
وفي المقابل يتهم الذي يطالبونه بتهيئة المناخ الديمقراطي، بأنهم يتهربون من الديمقراطية القادمة وما تفرزه من قوة جماهيرية للمؤتمر الوطني هكذا؟، وإن الديمقراطية القادمة ستفضح ادعائهم بأن لهم ثقل جماهيري من الأصل. والأحزاب المعنية هي تلك الأحزاب التي يتهمها "مراهقو" المؤتمر الوطني بأنها أحزاب شيوخ لا يفصلهم من القبر إلا الصبر عليهم ، علي الذين يقولون هذا القول أن يتذكروا جيدا بأنهم قد سرقوا هذه الديمقراطية بالأمس من هؤلاء الشيوخ.
umniaissa@hotmail.com
|