نحو فهم علمي للتحيز والتمييز والعنصرية ...
مجتبى عرمان
mujtabahessen@yahoo.com
التعليق الذي كتبه الصديق فائز السليك عن مقال د/ ناهد محمد الحسن حول موضوع العنصرية والإستعلاء في المجتمع السوداني فتح شهيتي للبحث عن تفسير/تفاسير علمية لفهم أو لنقل الإقتراب من فهم العنصرية والإستعلاء في مجتمع مثل المجتمع السوداني الذي يعاني من الأمراض الإجتماعية مما يجعله على شفا التفكك والتمزق. فما زال وإلى الآن من يعتقد أنه أكثر علواً من الآخرين من حيث المكانة الإجتماعية، وذلك لسبب بسيط هو أنه ينتمي إلى (أمة العرب) وتجري الدماء العربية في عروقه، فثقافة (ود العرب) هي واحدة من الأسباب التي تجعل الكثيرين يعتقدون أنهم أفضل من الآخرين، حتى لو كان هؤلاء الآخرين تعلموا في أعرق الجامعات العالمية والإقليمية ... فالواحد منهم يمكن أن يطلق كلمة (ع...د) على شخص نال اعلى الدرجات العلمية وأرفع المناصب في المؤسسات العالمية! ويمكن أن يكون هذا الشخص (كمساري).
وأيضاً ومن أجل المحافظة على الإمتيازات الإقتصادية والسياسية للمجموعات المسيطرة تاريخياً (ingroups) وذلك باللجوء إلى التفسيرات الدينية واللغوية، فسيادة اللغة العربية في مؤسسات الدولة، غالباً ما يتم عن طريق إعطاء القدسية للغة العربية (ومن تحدث اللغة العربية فهو عربي) ولكن السؤال الذي يجب أن يسأله أصحاب تلك الأطروحة .. هل من تحدث الإنجليزية فهو إنجليزي أو أمريكي؟ وهل من تحدث اللغة الصينية يعتبر صيني؟
التفسيرات السيكولوجية للتفرقة الإثنية:
هنالك مقاربتان نظريتان في علم النفس قد تساعدان على فهم التوجهات المتحيزة والأسباب التي يعلق كثير من الناس من أجلها أهمية خاصة على الفوارق الإثنية. وتعتمد المقاربة الأولى على ان التحيز يدور في أساسه من خلال النمذجة أو التفكير التنميطي، أي إسباغ خصائص ثابتة ومتصلبة على جماعة بشرية ما. فقد يلجأ الأفراد أو حتى الجماعات إلى نماذج أو انماط وقوالب جاهزة للتعبير عن مشاعر العداء تجاه أفراد أو جماعات أخرى، وإلقاء اللوم عليها أي استخدامها (كبش فداء) لأفعال وتصرفات لا علاقة لهم بها. وينتشر (لوم الضحية) أو استخدامها كبش فداء في الأوضاع السياسية التي يُغالي فيها الطرف الأقوى في فرض سيطرته على فئة مستضعفة. ويشيع موقف التحيز هذا تجاه الجماعات الإثنية والأفراد الأكثر سطوة وقوة. وعلى مستوى النزعات وانماط السلوك الفردي، ترى المقاربة النفسية الثانية أن هنالك نوعاً من الناس تتحكم فيهم إعتبارات تنشئتهم الإجتماعية المبكرة وتجعلهم ميالين أكثر من غيرهم إلى التفكير التنميطي والإسقاطي الذي يُمثل نزعة الفرد إلى إسقاط رغباته وفورات مزاجه ولحظات تعنيه على الآخرين. وتبرز في هذا السياق الدراسة الشهيرة التي أجراها تيودور أدورنو وزملاؤه قبل أكثر من نصف قرن عن (الشخصية التسلطية) (Adorno et al, 1950). وقد صمم هؤلاء الباحثون سلالم مدرجة لقياس مستويات التحيز. ففي واحد من هذه السلالم، على سبيل المثال، سُئل الناس أن يُعبروا عن موافقتهم أو معارضتهم لمجموعة من الأقوال التي تعبر عن مواقف مُعادية لفئة إثنية ما. وتبين من شخصية الأفراد الذين أعربوا عن مشاعر مُعادية لهذه الفئة أنهم يميلون إلى إبداء مواقف سلبية مشابهة تجاه الأقليات الأخرى. وخلص الباحثون إلى أن ذوي الشخصية التسلطية يميلون إلى الإمتثال والإنصياع والخضوع لرؤسائهم مع الميل إلى ازدراء من يعتبرونهم أدنى مرتبة منهم. كما أن هؤلاء يكونون أكثر تشدُّداً وتزمتاً في مواقفهم الدينية والجنسية (أنتوني غِدِنْز: علم الإجتماع – ص 322).
كيفية التعامل مع المجتمع المتعدد:
التنوع الإثني والديني والثقافي وما ينطوي عليه من تعقيدات وفوائد يضع المجتمعات التي تتسم بمثل تلك التعدديات أمام تحدي حقيقي .. فأما إحترام ذلك التعدد الذي يذخر به المجتمع أو العمل على توظيفه في المحافظة على الإمتيازات وقانون الهيمنة القديم، والأخير كما أثبتت الشواهد في التجربة السودانية بإستحالته وخصوصاً مع نمو الوعي بالهوية الإثنية والحقوق الذي وضع الدولة على مفترق طرق .. فنادي النخبة النهرية (وبقدرة قادر) قالو بـ(امة أصلها للعرب ودينها خير دين يحب) بدون ادنى حساسية تجاه الآخرين الذين لا يعتبرون انفسهم عرباً! وغالباً ما تقدم الفئات المسيطرة ولأمد طويل على السلطة تبريرات أيدلوجية لأهدافها وممارساتها لإحتكار السلطة والتسلط على الآخرين، سواء كانت تبريات دينية أو سلالية، مثل الإنتماء إلى العباس وبنو هاشم ... أو (وطنية). مثل السودان ورثناه موحداً (ونحن) الأكثر إخلاصاً ودفاعاً عن الكيان الوطني من غيرنا .. (وجدودنا زمان وصونا على الوطن) وأياً كانت التبريرات فالمهم هو المساواة في الحقوق والواجبات السياسية والمدنية وبناء مجتمع قائم على التعددية (pluralism) التي ترفض فكرة الذوبان أو الإنصهار (melting pot model) والإندماج القسري ... عن طريق آلة الدولة العمياء وتجييش عواطف الجماهير للمحافظة على الهوية (المتوهمة). فالتعددية تنطوي على نوع من الديمقراطية الإثنية، أي المساواة في الحقوق والواجبات أمام القانون، دون أن تتخلى أي جماعة أو مجموعة إثنية/ثقافية عن خصوصيتها وتراثها وطريقتها في الحياة فالحفاظ على حرية العقيدة والممارسات الدينية، واللغات والإهتمام بها وتطويرها يؤسس دعائم المجتمع التعددي ... فإذا أردنا لبلادنا التقدم والوحدة علينا بإقامة دولة القانون التي يتساوى فيها الجميع بغض النظر عن المنبت الإجتماعي أو الديني، فالدين لله والوطن للجميع. أما الإستيلاء على مؤسسات الدولة القمعية ومصادرة الثروة وجعلها في أيدي فئة صغيرة جداً (النخبة الأصولية في السودان نموذجاً) يولد الغبن الإجتماعي والشرور الإجتماعية ويلغي مفهوم الدولة كمؤسسة التي من المفترض أن تنظر إلى جميع المواطنين كمواطنين من الدرجة الأولى (first class citizens) ... وليس كأهل ذمة ونصارى.
شذرات من التاريخ الإسلامي:
يخبرنا أبو حيان التوحيدي في (البصائر والذخائر) أن رجلاً يدعى ابن سيابة شكا من الفقر فقالوا له: احمد ربك، الذي رزقك الإسلام والعافية. فقال: نعم ولكن بينهما جوع يقرقر الكبد! فهل يسمع قادة الأصولية الإسلامية صيحات الجوعى والمهمشين في السودان والجوع الذي يقرقر الكل.
قديماً قال المتصوف الكبير عبد القادر الجيلاني: (لو كانت الدنيا بيدي لأطعمتها للجياع).
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة