لقد جاء الإسلام في فترة تردت فيها البشرية في مهاوي الكفر والزدنقة والإلحاد وتفشى الظلم والضيم بين الناس ، وأصبح القوي آكل والضعيف مأكول، فكانت القبيلة هي الملاذ والحماية التي تأوي الظلمة والخارجين على سلطان القانون ، وفي ظل تلك العتمة الفكرية تنامى موارد الجهل بين الناس ، وأندثرت القيم الفاضلة وسقط الإنسان في مذبلة الانانية العوراء والجهوية الرعناء ، فما باتت الاصوات آنذاك تقوى على إحياء علوم الدين في المحافل العامة والتي أصبحت سرادق تقام فيها الشعائر الكفرية ، وتحيا فيها القيم الجاهلية ، فأججت الصراعات القبلية وكثرت الإعتداءات على النفوس وهتكت الاعراض ، وأنفقت الاموال في مواطن السفه وفي غير مقاصدها الشرعية ، فقطعت اواصر الصلات الطيبة بين الناس فصار الحياء جبنا ، والكرم سفاهة والامر بالمعروف ضعفا وخنوعا ،وفي أتون هذا التردي الاخلاقي والإنهيار البنيوي لمعالم الطريق والحياد عن الرشد والولوغ في الضلال ، آلت السماء على نفسها ان ترسل منقذا للبشرية لتسوي لها الطريق وتنتشلها من الهوة السحيقة التي تردت فيها ، فكانت البعثة المحمدية المباركة التي أتت بتعاليم السماء أبتداء بإرساء مبادئ التوحيد ومن ثم الإنتقال إلي قواعد المعاملات التي تنبثق منها عرى التواثق الإجتماعي والتكامل القومي نبذا للعصبية العمياء والتي طالما أعاقت امة الإسلام في مسيرتها واقعدتها عن الإضطلاع بمسئولية الرسالة الإسلامية الخالدة والركون إلي الدنيا والإلحاح في طلبه ولو كان خصما على الدين ، فدارت النفوس في آفاق مفرغة من المعاني ، وتهافتت الأجساد إلي رغباتها ، وتداعت الأنفس إلي شهواتها ، وفي غمرة الانغماس في الملذات والأنسياق خلف الملهيات ، وفي غسق تلك الظلمات المتراكمة أنبلج فجر الرسالة ن وسطعت شمس الهداية فوق الرؤوس ، فتبدد ليالي الظلم وذهبت إلي غير رجعة.
فما ان خلصت الشريعة من ترتيب بيت التوحيد إلا وأتجهت إلي توضيب وتشذيب المقاصد الأخرى والتي تتحد مع القصد التوحيدي لإبراز حياة الإنسان في أبهى صورها المتجانسة مع طبيعة الوجود وإضفاء جوهرالكرامة على جنس الإنسان وتمميزه عن سلالة البهائم والحيوان ، فأولت الشريعة جل إهتمامها في المحافظة على الكليات الخمس العقل ،والعرض ، الدين ،المال والنفس وجعل من الإعتداء عليهاجريمة لا تغتفر ومظلمة تستحق عليها العذاب النكر ، فحرمت الشريعة المسكرات التي تختمر العقل وتذهب بماهيته في التعقل والتدبر فسدا لهذه الذريعة أشارت الشريعة على ان(كل خمر مسكر وكل مسكر حرام)حتى تغلق الباب أمام المتحاذقين الذين يلوون عنق الحقيقة حيثما تعارضت وأهوائهم ، فبالمثل أيضا أوصدت الابواب أمام المتاجرين بالمخدرات والمؤثرات العقلية الاخرى والتي تحد من قيمة العقل ، وفي ذات المنحى اوصت الشريعة بإجتزاز كل الظواهر السالبة التي تؤثر بصورة مباشرة او غير مباشرةعلى تلك الجوهرة الربانية المقدسة ، فالمشعوذ والساحر يقتل حدا لما له من تاثير في إفساد المجتمع والتعدى على تلك العقول المصانة شرعا بغير وجه حق شرعي واهدار قيم الفضيلة وذلك ترجيحا للمصالح الكلية ،وكذلك اوصت الشريعة بصيانة الاعراض وعدم العبث بها ، فاوجبت الحجاب على نساء المسلمين سدا للذريعة المفضية إلي الفواحش ، واوجبت عقوبةالجلد على الزاني البكر وذلك تقذيعا وتقريعا له ، على فعلته وعظة وعبرة لمن تسول له نفسه من العبث بأعراض الناس. ولم تشدد الشريعة في امر اكثر مما شددت على الزاني المحصن ،فاوجبت الرجم في حقه بحسبان انه كلب مسعور لا شفاء من دائه سوى الرجم بالحجارة للتخلص من داء سعره ، وكما ان الشريعة نادت بضرورة المحافظة على العهود وعدم التملص منها ، فالدين عهد بين الرب والعبد ،فأيما إنسان بدل دينه أوجبت الشريعة أستتابته بالرجوع إلي ربقة الإسلام وإلا وجب قتله حدا لنقضه العهد وسعيه إلي تفريق جماعة المسلمين ، وفي جانب الاموال نادت الشريعة بضرورة المحافظة على الاموال وصيانتها من التعدي عليها ، والتي لا تقوم النفس ولا تقوى على الطاعات إلا بالإعتماد عليها للإستيفاء بضروريات الحياة من مطعم ومشرب وملبس ، فجعلت من الإعتداء على المال عين الإعتداء على النفس وذلك ان النفس لا تقوم إلا بالمال ولا تستجلب الأموال إلا بصحة الأبدان وعافيتها فنصت الشريعة على (من قتل دون ماله فهو شهيد) وذلك تأسيسا على إستحالة أخذ مال الغير دون الإعتداء عليه .
ولكل ذلك لا أخال ان حضارة قامت على ظهر هذه البسيطة ، أنصفت الإنسان مثلما أنصفه الإسلام ، وان معظم تلك الحضارات التي تدعي الحداثة والمثالية لا تخرج في مجمل معاملاتها الصرفة عن روح الحضارة الإسلامية ، والتي تعد أول حضارة أرست المبادئ السامية لحقوق الإنسان ، متمثلة في أحكام العدالة الربانية بين بني البشر ورسم حدود المعاملات بين أفراد المجتمع دون تفريط أو تقتير ، فكان حريا بهذه الامة أن تكون خير امة أخرجت للناس ، وأن يكون رسولها أعظم البشرية مكانة (صلوات الله عليه) ولا أخفي سرا إن قلت أن حضارة الإسلام هي الأصلح والأقوم لقيادة البشرية إلي بر الأمان.