التطبيع ومحاصرة إيران
د. طه بامكار
الصراع العربي الإسرائيلي، وقضية التطبيع، والمشروع النووي الإيراني من أهم القضايا التي تؤرق السياسة الخارجية الأمريكية، وهي من أهم المحاور التي تمثل أهمية قصوى بالنسبة لإسرائيل وأمريكا. وللأسف الدول العربية هي مسرح الأنشطة الاستخباراتية لدول الغرب وإسرائيل فيما يخص تلك المحاور. الزيارات المتتابعة قبل بضعة شهور من قبل كبار المسؤولين الأمريكيين للقاهرة وتل أبيب وعمان والبحرين والرياض ودمشق وبغداد وصنعاء لم تكن صدفة وبالطبع لم تكن للسياحة. وهؤلاء الكبار الذين جابوا فضاء عواصمنا العربية هم: روبرت جيتس وزير الدفاع، الجنرال جيمس جونز مستشار الأمن القومي، روبرت ميتشل مبعوث الرئيس أوباما إلى الشرق الأوسط ، الجنرال ديفيد باتريوس قائد القيادة المركزية ، جيفري فيلتمان مساعد وزير الخارجية. تطواف هؤلاء الكبار في أوقات متقاربة يعني الكثير...الكثير من الخطر، ويعني توجيه الجهود لقضايا كبيرة وخطيرة تهدد أمن إسرائيل وأمن أمريكا.وهذه الأيام ما يزعج أمريكا هو تخصيب اليورانيوم في إيران،وامتلاك إيران لسلاح نووي مسألة خطيرة جدا ولو كانت لأغراض سلمية، لذلك لابد من حصار إيران سياسيا. والدول العربية هي التي يتم دفعها لتنفيذ هذا الحصار السياسي، وتزامن اشتعال الفتن بعد هذه الزيارات بين الشيعة والسنة في اليمن لم يكن وليد الصدفة ،كما لم تكن قضية الخلايا النائمة لحزب الله بمصر بمعزل عن هذه الزيارات التي يقوم بها كبار المسئولين الأمريكيين. واللقاءات التي تمت بين مسئولين سعوديين وإسرائيليين كما قالت الواشطن بوست لم تكن إلا جزءا تطبيقيا لانفاذ الخطوات الأولى لمسألة التطبيع مع إسرائيل. كل هذه الخطوات تتم لمصلحة الكيان الصهيوني، التطبيع بالنسبة لإسرائيل أمر حيوي جدا، ومحاصرة إيران استراتيجية أمريكية وإسرائيلية وحرب استباقية لتأمين إسرائيل. أتوقع من تلك الزيارات واللقاءات بين القادة العرب والكبار من أمريكا كثير من الاملاءات لقادتنا في الدول العربية. واعتقد انهم سيحاولون تكرار نفس سيناريو العراق فيما يختص أسلحة الدمار الشامل خاصة في الجانب الإعلامي عبر تهويل قضية تخصيب اليورانيوم في إيران. ومن ثم محاولة توجيه الرأي العام الدولي عبر تخويفه من خطر إيران للسلم والأمن في العالم.
ولكن هنالك فارق كبير بين إيران والعراق ولا احسب أن هذا السيناريو ينجح مع إيران. إيران دولة فيها قدر كبير من الحريات ورؤسائها لا ينجحون بنسبة 99% كما في كثير من الدول العربية التي لا تحترم إرادة شعوبها. إيران تعرف كيف تحاور الغرب وتعرف جيدا فن التفاوض وتعرف جيدا استغلال المواقف لكسب التعاطف العالمي.
ليس هنالك للغرب خيارات كثيرة مؤثرة علي المدى القريب للضغط علي إيران، بل هنالك خيارات واسعة لإيران في الضغط علي إسرائيل منها حزب الله في الحدود اللبنانية وغزة التي تجاور إسرائيل، بالاضافة الي قدرات إيران في الرد الرادع، وتفاصيل أسلحة إيران غير المعروفة جيدا لدي الغرب تجعل الغرب وإسرائيل يحسبون ألف حساب قبل العمل العسكري ضد إيران. وهنالك أيضا تجربة حرب العراق الفاشلة التي تستنزف القوات الأمريكية وسمعة أمريكا في العالم. بالاضافة الي التدخل العسكري الفاشل في أفغانستان، والذي بسببه امتدت الحرب الي باكستان، الدخول في حروب مفتوحة تجربة قاسية ولا اعتقد أن تكررها أمريكا مع إيران.
هذا التطواف لكبار المسؤولين الأمريكان قد ينجح في تطويع القادة العرب في المشاركة والمساهمة في الحصار الاقتصادي لإيران، ولكن هذه العقوبات محدودة الأثر والنتائج في كسر إرادة الأمة الإسلامية في إيران التي تهتف الموت لأمريكا والموت لإسرائيل. اعتقد أن تطواف الكبار من المسؤولين الأمريكيين يمكن أن ينجح في تطويع القادة العرب لقبول فكرة التطبيع مع إسرائيل. والدليل أن الشروط العربية للسلام قد تقلصت حتى أصبحت هزيلة وانحصرت في وقف المستوطنات الإسرائيلية مقابل السلام والذي يعني التطبيع. وحتى هذا الشرط الهزيل ترفضه إسرائيل وتواصل مشروعاتها في الاستيطان إمعانا في إذلال القادة العرب وجامعتنا العربية. ومؤكد أن كبار المسؤولين يطلبون من العرب المشاركة في سيناريو هزيمة إيران أولا ثم يتم نقاش السلام مع إسرائيل الذي اصبح مطلب القادة العرب اكثر من إسرائيل. القادة العرب كعهدنا بهم لديهم قبول أو قابلية عالية جدا لتنفيذ الإملاءات الأمريكية.
ختاما يمكن القول بان هذه الزيارات لهؤلاء القادة الأمريكيين لها ما بعدها إن لم يكن علي المسار الإيراني فهو بالطبع علي مسار العلاقات العربية الإسرائيلية. وبعض المؤشرات ظهرت في التصريحات المقتضبة من بعض القادة العرب فيما يخص المسار الإيراني. وعلي كل حال سوف تظل علامات الاستفهام مشرئبة ترجو نتائج تلك الزيارات التي سوف تساهم كثيرا في تشكيل الشرق الأوسط الجديد الذي تنادي به أمريكا.
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة