صوت من لا صوت له وطن من لا وطن له
الصفحة الرئيسية  English
المنبر العام
اخر الاخبار
اخبار الجاليات
اخبار رياضية و فنية
تقارير
حـــوار
البوم صور
بيانات صحفية
اجتماعيات
مقالات و تحليلات
بريـد القــراء
ترجمات
قصة و شعر
مقال رائ
بقلم : حسن الطيب / بيرث
جنة الشوك بقلم : جمال علي حسن
بقلم :مصطفى عبد العزيز البطل
استفهامات بقلم: أحمد المصطفى إبراهيم
بقلم : آدم الهلباوى
بقلم : آدم خاطر
بقلم : أسامة مهدي عبد الله
بقلم : إبراهيم سليمان / لندن
بقلم : الطيب الزين/ السويد
بقلم : المتوكل محمد موسي
بقلم : ايليا أرومي كوكو
بقلم : د. أسامه عثمان، نيويورك
بقلم : بارود صندل رجب
بقلم : أسماء الحسينى
بقلم : تاج السر عثمان
بقلم : توفيق الحاج
بقلم : ثروت قاسم
بقلم : جبريل حسن احمد
بقلم : حسن البدرى حسن / المحامى
بقلم : خالد تارس
بقلم : د. ابومحمد ابوامنة
بقلم : د. حسن بشير محمد نور
بقلم : د. عبد الرحيم عمر محيي الدين
أمواج ناعمة بقلم : د. ياسر محجوب الحسين
بقلم : زاهر هلال زاهر
بقلم : سارة عيسي
بقلم : سالم أحمد سالم
بقلم : سعيد عبدالله سعيد شاهين
بقلم : عاطف عبد المجيد محمد
بقلم : عبد الجبار محمود دوسه
بقلم : عبد الماجد موسى
بقلم : عبدالغني بريش اللايمى
تراسيم بقلم : عبدالباقى الظافر
كلام عابر بقلم : عبدالله علقم
بقلم : علاء الدين محمود
بقلم : عمر قسم السيد
بقلم : كمال الدين بلال / لاهاي
بقلم : مجتبى عرمان
بقلم : محمد علي صالح
بقلم : محمد فضل علي
بقلم : مصعب المشرف
بقلم : هاشم بانقا الريح
بقلم : هلال زاهر الساداتي
بقلم :ب.محمد زين العابدين عثمان
بقلم :توفيق عبدا لرحيم منصور
بقلم :جبريل حسن احمد
بقلم :حاج علي
بقلم :خالد ابواحمد
بقلم :د.محمد الشريف سليمان/ برلين
بقلم :شريف آل ذهب
بقلم :شوقى بدرى
بقلم :صلاح شكوكو
بقلم :عبد العزيز حسين الصاوي
بقلم :عبد العزيز عثمان سام
بقلم :فتحي الضّـو
بقلم :الدكتور نائل اليعقوبابي
بقلم :ناصر البهدير
بقلم الدكتور عمر مصطفى شركيان
بقلم ضياء الدين بلال
بقلم منعم سليمان
من القلب بقلم: أسماء الحسينى
بقلم: أنور يوسف عربي
بقلم: إبراهيم علي إبراهيم المحامي
بقلم: إسحق احمد فضل الله
بقلم: ابوبكر القاضى
بقلم: الصادق حمدين
ضد الانكسار بقلم: امل احمد تبيدي
بقلم: بابكر عباس الأمين
بقلم: جمال عنقرة
بقلم: د. صبري محمد خليل
بقلم: د. طه بامكار
بقلم: شوقي إبراهيم عثمان
بقلم: علي يس الكنزي
بقلم: عوض مختار
بقلم: محمد عثمان ابراهيم
بقلم: نصر الدين غطاس
زفرات حرى بقلم : الطيب مصطفى
فيصل على سليمان الدابي/قطر
مناظير بقلم: د. زهير السراج
بقلم: عواطف عبد اللطيف
بقلم: أمين زكريا إسماعيل/ أمريكا
بقلم : عبد العزيز عثمان سام
بقلم : زين العابدين صالح عبدالرحمن
بقلم : سيف الدين عبد العزيز ابراهيم
بقلم : عرمان محمد احمد
بقلم :محمد الحسن محمد عثمان
بقلم :عبد الفتاح عرمان
بقلم :اسماعيل عبد الله
بقلم :خضرعطا المنان / الدوحة
دليل الخريجين
  أغانى سودانية
صور مختارة
  منتدى الانترنت
  دليل الأصدقاء
  اجتماعيات
  نادى القلم السودانى
  الارشيف و المكتبات
  الجرائد العربية
  مواقع سودانية
  مواضيع توثيقية
  ارشيف الاخبار 2006
  ارشيف بيانات 2006
  ارشيف مقالات 2006
  ارشيف اخبار 2005
  ارشيف بيانات 2005
  ارشيف مقالات 2005
  ارشيف الاخبار 2004
  Sudanese News
  Sudanese Music
  اتصل بنا
ابحث

مقالات و تحليلات : مقال رائ : بقلم :فتحي الضّـو English Page Last Updated: May 15th, 2010 - 19:12:26


بِيُوتْ سيئة السُمعة!
Sep 6, 2009, 00:28

سودانيزاونلاين.كوم Sudaneseonline.com

ارسل الموضوع لصديق
 نسخة سهلة الطبع

بِيُوتْ سيئة السُمعة!

 

فتحي الضَّـو

 

faldaw@hotmail.com

 

ليس لدي من العنوان أعلاه سوى أجر المناولة، وأقول الأجر ربما تزلفاً وترحماً وتطهُّرا، ذلك على الرغم من أن جرَسِه الموسيقي لم يستطع أن يخفي فظاعته التي تقشَّعر منها الأبدان. وفي الواقع أن أجر المناولة الحقيقي قد سبقني إليه كاتب مثابر، يمكن القول أن حب التوثيق آصر بيننا، وذلك ما حدا به أن يُجسِّد الفكرة ويُدوِّن وقائعها المليودرامية في كتاب صدر قبل نحو عقد من الزمن، أي في العام 2000 وقد حَمَل الكِتابُ في واجهته العنوان نفسه (بِيُوت سيئة السُمعة...شهادتي للتاريخ) وبين دفتيه سَرد صاحبه ما كان يجري داخل أقبيتها ودهاليزها وكواليسها. والمعروف إنها - أي تلك البيوت -   إحدي بدع الضلالة التي استنتها العصبة ذوي البأس في بواكير جاهليتها الأولى. وقد اطلقت عليها العبقرية السياسية السودانية ذلك الاسم المثير للاهتمام، والذي طابق ما كان يحدث داخلها من فظائعٍ ومآسٍ وأهوالٍ.. تبدو لمتلقيها كيوم الحشر تماماً. والمفارقة أن الاسم ذاته ماثل وإلى حدٍ كبيرٍ ما درجت المخيلة الشعبية في شمال وجنوب الوادي على تداوله في مثل تلك الحالات...بقول بليغ لا يحتاج لكثير عناء في الشرح (الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود) ولهذا لا غروَّ أن زارها البعض يومذاك وكانوا عندئذ بكامل قواهم العقلية، وبعد أن لبثوا فيها يوماً أو بعض يوم خرجوا منها وقد ذهبت عقولهم أو كادت...أما الذين أُستُبقِيوا فيها شهراً أو دهراً فقد زُهِقت أرواحهم البرئية وحلَّقت هائمة في فضاءات المليون ميل مربع، ثم طفقت تبكي المروءة وتنعي ما تواطأ الناس على تسميته زوراً وبهتاناً بالتسامح السياسي السوداني!

كان الراحل علي الماحي السَخِي ذلك النقابي العمالي العتيد، قد وصل إلى لندن بُعيد العام 1999 بعد أن سُمح له بالمغادرة للمرة الأولى، وذلك بدعوى مواصلة العلاج من آثار الاعتقالات المتكررة، والتي نتج عنها معاناة نفسية تفاقمت والآم بدنية استفحلت. وبمثل ما هو متوقع حرَّك حضوره غير المتوقع ذائقة التوثيق لدي صديقنا الدكتور حسن الجزولي، والذي بادر بطرح الفكرة عليه ولكنه فوجيء بعزوف وزهدٍ بالغين، وإزاء إلحاحه المستمر ومحاولاته المستميته في إقناعه بجدواها...فكَّر الرجل ثم قدَّر وقرر تلبيتها...ربما إدراكاً منه - فيما بعد - بأهمية مثل هذا التوثيق للأجيال القادمة، أو لعل موافقته جاءت تحت وطأة إحساسه بدنو أجله ومغادرته الدار الفانية لدار باقية أكثر أمناً...لا يَظَلِم فيها أحدٌ أحداً. وسواءٌ كان هذا أو ذاك بدأ الرجل يفصح عن مكنون صدره، وتوالت الآهة من جوفه تلو الآهة..ممزوجة بمرارات السنين وظلم الانسان لأخيه الانسان...ثمَّ عكف السخي على تسجيل تجاربه المؤلمة، بمثلما عاش وقائعها بين تلك الجدران الصماء في معتقلات وسجون مختلفة...بدءً بنظام عبود ومروراً بحكومة نميري وانتهاءً بدولة الصحابة، وتلك كانت صاحبة البِدعة التي سُميت صدقاً وواقعاً وتماثلاً بـ (بيوت الاشباح)...وكانت تلك مقاربة إبداعية لا يستطيعها إلا من أوتى مَلَكَة بديعْ الزمان الهمزاني في اللغة!

لأن الأشياء في هذا البلد الأمين تظهر بغتةً وتختفي فجأةً من دون أن تُخلِّف وراءها أية علامة من علامات الدهشة...صحا الناس ذات يوم من منامهم ووجدوا تلك البيوت خاوية على عروشها، أي كأنها (فص ملحٍ وذاب) كما يقولون! ومع هذا لم يسألوا عن أشياء قد تُبدِ لهم لتسوءهم...فقط حَمدوا لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، وأثنوا عليه بعد أن ثابت العصبة ذوي البأس إلى رشدها، وهداها ربها سواء السبيل فأوصدت أبواب تلك البيوت المشبوهة! والغريب في الأمر أن الناس لم تعبِ بأسرارها التي طُمِِرت داخلها، بالرغم من أنه يومذاك وحينئذٍ وبعدئذٍ، تململ جرائها الموتى في قبورهم! بل ولأننا قومٌ جُبلنا على الشفاهة في تفاصيل حياتنا العامة، لم يُشرحُها قلم آخر سوى ما خطَّه صديقنا وزميلنا محمد سيد أحمد عتيق في كتاب بعنوان (أوراق من الواحة...مذكرات صحفي في بيوت الاشباح) وعتيق كان نزيلاً فيها لمدة سبعة أشهر حسوماً، نال نصيبه منها - كسائر الأبرياء - على ذنب لم يقترفه! وكذلك كَتَب آخرون مقالات متفرقة هنا وهناك، لم تمتد إليها يد محسنٍ تبتغي إحساناً في ذاكرة هذا الشعب الكثيرة الثقوب!

حسُناً فعل البروفسير الراحل محمد سعيد القدال فقد وثَّق في كتاب ثالث لسجن كوبر الشهير، ومثيله من سجون أكثر شهرة تشتت في بقاع السودان المختلفة، وجاء الكتاب تحت عنوان (كوبر...ذكريات معتقل سياسي في سجون السودان) تناول فيه تجاربه الشخصية وطاف على ذكر آخرين شاركوه السراء والضراء، بما في ذلك المواقف الانسانية المؤثرة والمِلَح والطرائف! والمُلاحظ أن السجون بصورة عامة لعبت دوراً مركزياً في حياة كثير من الشيوعيين السودانيين، وشاركهم قلة من الأحزاب السياسية والنقابات والاتحادات، وإن قصرت يدهم جميعاً عن التوثيق، إلا أننا نستثني شعراء سجلت السجون والمعتقلات حضوراً كثيفاً في أشعارهم...منهم على سبيل المثال جيلي عبد الرحمن وعبد الرحيم أبو ذكرى وعلي عبد القيوم ومحجوب شريف...ومنها ما أصبح مُلهِماً للناس في مصائبهم كلما اظلمت الليالي وادلهمت الخطوب!

من المفارقات التي لن تجد لها مثيلاً إلا في السودان المغلوب على أمره...أن السجون والمعتقلات كانت وما تزال قاسماً مشتركاً بين السياسيين باختلاف ألوان طيفهم الحزبي...حُكَّاماً ومَحكُومين، رؤساء ومرؤُسين، وزراء ومُتطلعين، عُصبة ومُعارضين...ومن الظواهر غير المثيرة للجدل كذلك، هي أن تجد سياسياً كان سجيناً في حقبة ما، وبمجرد أن إنقضي أمدها ستجده بحول واحدٍ أحد يجلس على كرسي الوزارة في الحقبة التي تلتها. كذلك فإن بعض السياسيين يُسجنُون في عهدٍ...وبعد حين تغشى الرحمة قلوب سجانيهم، فلا يكتفوا بتسريحهم وإنما يكافئونهم بالاستوزار لعله يمسح ظلم حاق بهم أو هكذا يظنون! وأيضاً فهناك الكادحون الذين ظلوا ضيوفاً مقيمين تتعاقب عليهم الأنظمة الشمولية ذات اليمين، وتهمشهم الانظمة الديمقراطية ذات اليسار...وهم يمنون النفس بإعتذار صغير يتوخون به غسل أدران السجون والمعتقلات! ولك أن تعلم أن محن أهل السودان – أيها القاريء الصابر مثلنا - أن السجون تشفع أحياناً لرؤساء وزعماء القوى السياسية المختلفة...ذلك على الرغم من سوءآتهم التي لا تُحصى ولا تُعد...بدعوى أنهم منحُوا هذا الشعب بعض سنوات عمرهم خلف القضبان، ولا يجرمنهم شنآن شعبٍ إستكان ريثما تأتيهم الخلافة مرة أخرى تجرجر أذيالها!

لعل أطرف ما سمعت في هذا المورد، طُرفة نُسبت للسيد محمد عثمان الميرغني الذي ذاق السجن للمرة الأولي في حياته على يد الانقاذيين غداة انقلابهم سييء الذكر. إذ قال لسامعيه بعد أن أُطلق سراحه « السجن ودخلناه...بعد كده ما باقي لينا حاجة غير نركب العجلة عشان الشيوعيون يقولوا علينا مناضلين » وأيضاً من طرائف ما حكى لي صديقي الأثير الاستاذ التيجاني الطيب قوله إن إدارة سجن كوبر قررت فصلهم يومذاك هو والاستاذ محمد ابراهيم نقد عن بقية المعتقلين السياسيين، وزجَّت بهم في قسم آخر كان مخصصاً لخليط من المجرمين واللصوص ومروجي المخدرات، وما أن رآهم هؤلاء حتى طالبوا بعودتهم من حيث أتوا فوراً، ظناً منهم أن عقوبتهم – أي التيجاني ونقد - ستكون الإعدام، بينما هم عقوبتهم ستكون بسيطة لن ترقى لتلك الدرجة...على حد زعمهم!

بهذه المناسبة أعلاه، فلنترك سجون السياسيين جانباً ونطوَّف على سجون المواطنين هنيهةً. كنت قد تابعت تقريراً مثيراً للجدل قبل فترة، ولكن تداخل الأحداث وتزاحمها حالا دون التوقف عنده والتعليق عليه وهو طازج. واختص التقرير المذكور بزيارة قام بها وفد من الهيئة التشريعية القومية للبرلمانيات برئاسة سامية حسن سيد احمد لسجن أمدرمان، والتقوا بمسجونين وسجانين، وفي ذلك اللقاء كشف العميد محمد عثمان ابراهيم (الأحداث 16/2/2009) عن « وجود 12 ألف سجين بولاية الخرطوم منهم 1200 من النساء بسجن أمدرمان، بجانب وجود 200 طفل في ذات السجن، ما اعتبره مؤشراً خطيراً ومسؤولية عظيمة تستحق الوقوف عندها بإعتبارها أعداد خرافية لاتوجد على مستوى سجون الدول العربية. وأقر أن السجن يعاني من مشكلات في الصرف الصحي وضيق المساحة، سيما وأنه مصمم لاستيعاب 500 سجين فقط » واضاف إبراهيم في ختام حديثه تحذيراً تصدَّعت له نفوس شعوب وقبائل « لم يعد السجن مؤخراً وصمة اجتماعية وعاراً، وبات يرتاده أولاد الناس وبنات القبائل »!

الواقع إن ذلك كان قولاً ثقيلاً تشمئز منه النفوس وتزؤر، والغريب في الأمر إنه لم يستوقف سوى كاتب واحد (د. أمين مكي مدني/ الأخبار 18/2/2009) الذي أورد في مقاله عدة تساؤلات،  يفترض إنها تدور بنفس المستوى في أذهان الكثيرين، ونزيد عليها بفهمنا المتواضع لحديث سعادة العميد الذي قال بطريقة ملتوية أن السجن فيما مضي كانت ترتاده كائنات غريبة ليست من شاكلة (أولاد الناس) علماً بأنه يوضح صفاتهم التي تميزهم عمَّا سواهم. وبما أنه نزع أيضاً هوية السجينات من قبل، ليته كشف عن أصولهن وجذورهن، فلربما أفاد ذلك عُلماء الأنثروبولجيا وأعلنوا عن إضافة إثنية أخرى لإثنيات السودان الكثيرة. المفارقة أن ذلك ذكرني بعامود ساخرٍ كانت صحيفة (الأهالي) المصرية قد خصصته لنقد ظاهرة الطبقية المستفزة في المجتمع المصري وعنونته بـ « أبناء الذوات وأبناء الإيه » وأذكر إنني في إطار مشاوراتي المستمرة مع الصديق الزميل مصطفي البطل كنت قد إقترحت عليه مرة استخدامه، وذلك في معرض رده على اللواء (م) مزمل سليمان غندور، الذي جاء لفظ (أسر عريقة) على لسانه في حديث له مع هذه الصحيفة، وكان عن ظاهرة إختيار الانجليز لفئة من السودانيين لشغل مناصب في وظائف معينه. إلا أن البطل آثر المصطلح المتداول في حياتنا (أولاد الكلب) إلا أن اللفظين أوحيا لي فيما بعد إننا قوم يدَّعوا التواضع، لكن هناك من يترصدنا ولم يكتف بتصنيفنا إثنياً وعرقياً وطبقياً وجهوياً وسياسياً...فزاد عليهم بسجنينٍ كذلك!

لا بأس عندي يا سادتي يا كرام، أن نزيد الدهشة دهشة أخرى، رغم تأكيدي الدائم في أن الدهشة نفسها في حياتنا أضحت كما االماء لا لون لها ولا طعم ولا رائحة. ولكن دعونا بذات المنظور أن نتأمل بعين بريئة خبراً أوردته (الصحافة 5/4/2009) عن السيد محمد الحسن الأمين « نقطة نظام » الذي خاطب (حشداً) قيل إنه « لنصرة الرئيس البشير ضد قرارات المحكمة الجنائية وأقيم بسجن كوبر » تعهد فيه سيادته وقال إنه إستجابةً لمطالبات متحدثين سيقوم « بمناشدة رئيس الجمهورية لإصدار عفو رئاسي عن بعض السجناء » وهي محمدة منه ولفتة إنسانية تستحق الشكر والثناء والتبجيل، على الرغم من أننا لا نعلم إن كانت تمَّت حقاً، أم أنها من نوع الوعود التي تذروها رياح الهبباي!

بيد أن الذي سيصعب على القاريء الكريم فهمه وهضمه واستيعابه، قول الصحيفة الذي يجييء خِصماً على قضية الجنائية – كما نعتقد - أكثر من نُصرتها « اكد النزلاء وقفتهم ومناصرتهم لرئيس الجمهورية ضد قرارات المحكمة الجنائية الدولية، وتعهدوا بالزود عن الوطن ورمز سيادته، ونددوا بأوكامبوا وأحرقوا دمى له، كما أقاموا له محكمة صورية » والقائلون كما نعلم وتعلمون يقبعون خلف القضبان، وعليه ما جدوى قولهم حتى وإن صدَّقه القاريء. لكن يبدو أن الاعلام الرسمي الذي تفنن في إختيار ضحاياه ولم يعرف كيف ينتخبهم...قد أضحت تلك الترهات سنة راتبة في أجندته. فعلى سبيل المثال لا الحصر، كنت قد شاهدت شطراً من لقاءٍ في الفضائية السودانية 8/3/2009 مع السيد محمد يوسف كبر والي شمال دارفور، وأدهشني أن المذيع لم يكتف بإحترام عقول مشاهديه، فقام بحركة مسرحية مكشوفة بإستئذان ضيفه وقال له إنه تحصَّل على مذكرة موجهة لسيادته من دون علمه، ثم قام بتلاوتها متمنياً ألا يخجل فعله تواضع الوالي، لكن سيادته كان قد حطَّ على وجهه إبتسامة كفيلة بخزي عين الحاسدين و الحاقدين والشامتين، حتى لو كانت المذكرة تقول أن « مساجين سجن شالا يبايعون السيد الرئيس »!

أيضاً فيما الدهشة يا عزيزي القاريء ألم تقرأ مثلي على صفحات هذه الصحيفة (الأحداث 15/3/2009) خبراً آخراً صلصت له أجراس الكنائس في حاضرة الفاتيكان، وكان بعنوان « الأقباط يبايعون الرئيس » وماذا أنت قائل إن كنت قد طالعت (الرأي العام 9/3/2009) بعينين ذائغتين وقلب واجفٍ...خبراً آخراً إرتجت له قباب أهل السودان « الرئيس يتلقى بيعة الموت من الطرق الصوفية » ولا تقل لي أن (الصحافة 9/3/2009) لم تمارس فيك سادية تقاصرت عنها سادية الصهونية في بني يعرب، حينما قالت لك أن محامياً جُهبذاً اسمه معاوية خضر إبراهيم، ليس لديه أي صفة في هذا السودان العريض غير أنه « يُدَّرس القانون والشريعة الاسلامية بالجامعات » ولا تضرب أخماسٍ في أسداس لكي تستدل على تلك الجامعات مجهولة الهوية، فقط تأمل في طلبه الذي قدمه لمجمع الفقه الاسلامي ودعا فيه إلى « إهدار دم مدعي المحكمة الجنائية لويس مورينو أوكامبو » ومن جانبي أتمنى ألا يكون المذكور جاد في مسعاه، كما أرجو ألا يكون قد تكبد مشاق توصيل تلك الرسالة للمُبَشر بعذاب الهُدهد...عموماً ذلك يا اهل الله نموذج للاعلام الفاضح والكذب المفضوح الذي يضر بالصحة والوطن معاً...لو كانوا تعلمون!

المغرمون بالمقارنات وحدها يقعون دوماً في أخطاءٍ بديهيةٍ، إذ أن كثير ما أستوقفني حسرة بعض الناس المصحوبة بآهات وأنين كلما وقعت أعينهم على صورٍ تشرح أوضاع السجون الأوربية والغربية، وغالباً ما تبرز تلك الصور الجوانب الايجابية والتي يبدو فيها السجن كما فنادق الخمس نجوم تقريبا...فهناك مثلاً غرف الطعام الفارهة ووسائل الترفية من أجهزة تلفاز وكمبيوترات مبثوثة وصالات جمانيزم ومكتبات وتلفونات للتواصل مع العالم الخارجي وغرف أنيقة عليها ديكورات تشرح القلب...ألخ. والواقع أن المسائل نسبية، فما يراه البعض رفاهية قد لا يراها السجين كذلك، لأن حياته ببساطة خارج السجن ربما كانت في نفس المستوى أو أفضل، والأصل في الأشياء إنه يعيش في بلد مرفهٍ، ضرورياته بالطبع هي كماليات عند الناظرين لتلك السجون بعين الرفاهية، ولكنهم يتناسون أهم ركن مفقود لا يمكن أن يعدله شيء في الوجود وهو الحرية، وسواء السجين المعني أو المواطن الطليق فجميعهم نشأوا على أن الحرية هي القيمة الأساسية في الحياة وليست حياة الرفاهية، وبدونها – أي الحرية - تُصبح الحياة باهتة لا قيمة لها...فما جدوى العيش داخل قفص من ذهب لطائر دأب على الطيران في الفضاءات الواسعة بلا حسيب ولا رقيب إلا نفسه!

ولكن بما أن الشيء بالشيء يذكر، فإن مثل هذه المقارنات البيئسة قد حدثت عندما طيَّرت وكالات الانباء والشبكة العنكبوتية صوراً توضح نمط العيش والحياة التي وجدها سلوبودان ملوسوفيتش داخل السجن، فقد شاهدوه الكثيرون واستكثروا عليه تلك الحياة وقالوا سراً وجهراً...ما الذي يريده الرجل أكثر من ذلك؟ بل إنه حتى عندما مات في ذلك السجن المرفهة، إنتشرت نكتة في اركان الدنيا الأربعة، وكانت تقول ببساطة أن الرجل مات من الإفراط في الرفاهية! ليت كل معتدٍ أثيم يا سادتي ذهب برجليه لينهل من معين تلك الرفاهية التي نهل منها سلوبودان، ومن جانبنا يمكننا أن نضمن له سلفاً...إنه لن يموت كمداً!

عودة على بدء، كنت قد شغلت نفسي قبل كتابة هذا المقال بمحاولة تقصى الأسباب التي جعلت الشيوعيين يزهدون في السجون التي ألفوها وألفتهم! وهم من ملأ الدنيا ضجيجاً وعجيجاً وأشعارا، وصوروها للناس كفردوس مفقود تتوق له نفوس الشرفاء. وبما أن المؤمن صدِّيق كما يقولون يبدو لي - والله أعلم - إنهم تيقَّنوا من تصريح مدير سجن كوبر اللواء صلاح ابراهيم محمد (الصحافة 5/4/2009) الذي أكد بما لا يدع مجالاً للشك على « كفالة حقوق الانسان وحسن معاملة النزلاء » وزاد عليه لـ (الرأي العام 19/2/2009) د. الريح محمود رئيس اللجنة الاجتماعية بالمجلس الوطني الذي نطق بقول الواثق « السجون أصبحت متطورة ويوجد اهتمام بالنزيل أكثر من السابق » أم يا ترى إستبشروا بما قاله مساعد المدير العام للمباحث، اللواء محمد الحافظ (الصحافة 5/4/2009) عن اتجاه لتغيير اسم سجن كوبر، وقال « ننظر في تغيير اسم سجن كوبر الي مدينة البشير الاصلاحية » أم جبَّ الفريق د. جلال تاور كافي رئيس لجنة الأمن والدفاع في المجلس الوطني، قول كل خطيب (الرأي العام 19/2/2009) بأمنية عزيزة رددها المناضلون شعراً، إذ قال « لا نريد سجناً ولا سجاناً » ونقول...من يريد يا سيدي؟!

   

 


© Copyright by SudaneseOnline.com


ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام

أعلى الصفحة



الأخبار و الاراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

Latest News
  • Taha Leads Sudan Delegation Participating in France-African Summit
  • Sudan Envoy to UN says movements of the so-called ICC exposed attempts to disturb current historic developments in Sudan
  • Taha to Lead Sudan Delegation for African - French Summit in Nice City
  • President Al-Bashir Receives Message from President Kibaki
  • SPLM Wary of President Bashir’s Referendum Pledge
  • Dr. Sabir Al-Hassan Leads Sudan Delegation to ADB Meetings in Cote d'Ivoire
  • Southern Sudan HIV/AIDS infections on the rise
  • Journalists held for boycotting Sudan inauguration
  • Dr. Ismail meets Obasanjo, Discuss Sudanese-Nigerian Relations
  • President of Malawi, Prime Minister of Ethiopia expected to arrive in Khartoum Thursday morning
  • Sudan's Bashir Sworn In to Another 5-Year Term
  • President Mohamed Ould Abdel Azizof Mauritania arrives in Khartoum
  • Kenyan Vice President Musyoka Arrives in Khartoum to Take Part in inaguartion of President Al-Bashir
  • Kingsport helps Sudanese town design land use plan
  • Dialogue, co-op vital to end Nile row
  • Intn'l court reports Sudan to UN
  • Qatari Prime Minister and Dr. Salahuddin Review Developments in Peace Process in Darfur
  • President Al-Bashir Congratulates Premier Zenawi on Winning of his Party in the Ethiopian Elections
  • Minister of Interior Meets Wali of North Kordofan State
  • Sudan slams Human Rights Watch
  • Sudan charges opposition journalist with terrorism
  • Dr. Ismail: UN, AU, Arab League and OIC will Participate in Al-Bashir's Inauguration
  • Dr. Nafie: New Government will be One of United Programme and Vision
  • SDU (UK & I) Ireland Chapter meeting
  • Washington DC Marchers Protest Darfur Genocide
  • Egypt's Citadel starts power project for Sudan cement plant
  • Rwanda: Dialogue Will Resolve the Nile Water Dispute
  • Ahmed Ibrahim Al-Tahir Nominated as Speaker of National Assembly
  • Al-Zahawi Ibrahim Malik: Unity shall be the Best Choice for Southern Citizens
  • Dr. Al-Jaz Launches Electricity Project for Northern Rural Area of Khartoum North
  • Dr. Nafie: Sudanese Workers' Trade Union Federation Plays the Greatest Role in Facing Tyranny
  • Sudanese authorities shut newspaper in crackdown
  • Salva Kiir receives message from Secretary General of the Arab League
  • UN Names Countries, Groups Using Child Soldiers
  • Salva Kiir Inaugurated As President of South Sudan
  • Kiir Pledges to Work for Making Unity the Attractive Option
  • Salva Kiir Sworn in as President of the Government of South Sudan
  • Second Sudanese opposition leader arrested: family
  • Darfur rebels say 200 killed in clashes with army
  • Egyptian Irrigation Minister Declares Joint Sudanese - Egyptian Vision that Includes their Rights on Use of Nile Water
  • Arab - Chinese Cooperation Forum Lauds Sudan Elections
  • Sudan and Egypt Agree to Continue Efforts to Unite Nile Basin Countries
  • Darfur rebel leader's 19-hour standoff ends
  • SUDAN: Key post-referendum issues
  • Debts of Sudan Amount to 37.7 Billion US dollars, IMF Agree to Negotiate with Sudan
  • Slva Kiir Receives Written Message from Eritrean President
  • Dr. Fedail Conveys Message from President Al-Bashir to Ethiopian Prime Minister
  • American woman among 3 aid workers kidnapped in Darfur
  • Darfur Jem leader Khalil Ibrahim stopped in Chad
  • Analysis: Ten years of talks - and still no resolution to Nile controversy
  • Chad Rejects Entry of Khalil Ibrahim to its Territories, Declared him Persona non-Grata Deby to Visit Sudan next Week
  • Dean of Bar Association: Israel Aims to spliting South Sudan
  • Taha Affirms State Commitment to Expand Security and Stability all over the Country
  • SUDAN: Bol Manyiel, "I can still buy more guns with my remaining cattle"
  • Salva Kiir, USAID Official Discuss Food Security Situation
  • U.S. Starts $55 Million Agriculture Program in Southern Sudan
  • Sudan: Govt Arrests Top Bashir Critic
  • Secretary General of the Assembly calls on the Elected Deputies to Attend Procedural Sitting
  • SUDAN: Disarmament doubts in Lakes State
  • Egypt police kill Sudanese migrant near Israel border
  • Sudanese army seizes Jebel Moun JEM base
  • Sudan Arrests Islamist Opposition Leader Turabi
  • Agricultural Bank finalizes preparations to inaugurate 12 branches in Gezira State to focus on micro finance
  • In Phone Call with Al-Qaddafi: President Al-Bashir Affirms Progress of Sudanese - Chadian Relations
  • Fishing festival promotes Sudan’s fish resources
  • بقلم :فتحي الضّـو
  • مِن المشرُوع طلع (خازوق)!/فتحي الضَّـو
  • الطفولة المؤودة.. بأي ذنبٍ قُتلت؟/فتحي الضَّـو
  • معايير أهل السودان.. الفريضة الغائبة/فتحي الضَّـو
  • التزويروقراطية والكذبوقراطية/فتحي الضَّـو
  • اليوم (عمروٌ) وغداً أمرٌ!/فتحي الضَّـو
  • إنَّ بعد العُسِر... عُسَراً/فتحي الضَّـو
  • لا نافع إلا وجه الله/فتحي الضَّـو
  • فِقه الخِصام والوِئام في قاموس السيدين (2)/فتحي الضَّـو
  • فِقه الخِصام والوِئام في قاموس السيدين (1) /فتحي الضَّـو
  • الحِساب يوم القِيَامة/فتحي الضَّـو
  • أحكموا عليهم بأعمالهم/فتحي الضَّـو
  • مفوضية (الأصم) لإنتخابات ناطقة ونزيهة/فتحي الضَّـو
  • الجلوس فوق برميل بارود/فتحي الضَّـو
  • صديقي... صلاح قوش/فتحي الضَّـو
  • البحث عن رئيس/فتحي الضَّـو
  • يا أيُها المبعُوث فِينا/فتحي الضَّـو
  • أنتِفوها... يرحمكم الله!/ فتحي الضَّــو
  • عقلاء ومجانين/فتحي الضَّـو
  • قلْ يا أيها الفاسِدون/فتحي الضَّـو
  • انتخابات مقيدة ومزورة وتظاهرات حرة نزيهة/فتحي الضَّـو
  • وأنا مثلك أجهشت بالبكاء يا سيدي!/فتحي الضَّـو
  • دكتور الترابي وشيخ حسن (4-4)/فتحي الضَّـو
  • دكتور الترابي وشيخ حسن (3)/فتحي الضَّـو
  • دكتور الترابي وشيخ حسن (2)/فتحي الضَّـو
  • لمثل هذا تعلن الدول المحترمة الحداد!/فتحي الضَّـو
  • مولاي...إعْتَدِل أو اعْتَزِل!
  • إِنها دولة ”العُصبة“ ولكن وطن من هذا!؟
  • آهٍ من قيدك أدمى مِعصمي!
  • خالد المبارك: صناعة الوهم وترويجه!
  • الكارثة التي كشفت عوراتنا
  • صِحافِيون بلا عيوب وحُكومات بلا قُلوب
  • طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد
  • أعطني قطعة سُكر!
  • رجالٌ عاهدوا الديكتاتوريات وما كذبوا
  • المنظمة السودانية لحقوق الانسان (حالة تسلل) جديدة!
  • الطريق إلى جُوبا ليس (مُباركاً)!
  • و (الكلام المَغتْغت)! (مقال منعته الرقابة الأمنية عن النشر)
  • بوب وجدلية الوحدة والانفصال
  • الخروج من الشرنقة!
  • رجُلٌ في المكانِ الخطأْ!
  • الليلُ إذا عَسْعَس و ” البطلُ “ إذا تَنْفَس (1)!
  • إذا الشعبُ يوماً أراد الآخرة!
  • الدِيكتاتور....إذا تألْم!
  • بِيُوتْ سيئة السُمعة!
  • حَصاد الهشِيم في مُلتقى الاعِلاميين
  • شَرَاكة ” أوانطة “ ...أدُونا صَبُرنا!
  • الصِغَار الذين أولمُوا الكِبَار دَرسَاً!
  • أحياءٌ عِند قُرائِهم يُذكرُون (4)!