انتخابات إبريل2010م وفَنَاءَ الدولة السودانية(3).
بقلم/عبد العزيز عثمان سام/ الخرطوم- 7 أبريل2010م
في الجزء الثاني انتهيت إلي أنه قد انفضَّ سامر العملية الانتخابية بسبب سياسات المركز ممثلاً في النظام القابض علي مؤسسة الدولة وسلطتها وثروتها، الفارض لهويته وثقافته علي الدولة وفق مصلحته.. وسأكتب في هذا الجزء الثالث حول النتائج المتوقعة، وردود الأفعال والمواقف التي سيتخذها الأطراف جراء هذا الوضع الماثل، وقلت أني لن أضع في الاعتبار مُخرجَات اجتماع القوي السياسية السودانية(أحزاب جوبا)أمسية الخميس الفاتح من أبريل2010م لأنها قوي سياسية فاقدة لكل شيء وعاجزة عن إعطاء أي شئ، ومعركتها مع ممثل المركز حزب المؤتمر الوطني معركة خاصة بالمركز وبتمثيله في مواجهة الهامش ولا اختلاف بينهم إلا في المقدار أمّا النوع فواحد.
المشهد حتى الآن كالآتي: ستقوم الانتخابات في موعدها أو بعد تعديل طفيف في الموعد ولكنه تعديل في المواعيد وليس في إصلاح للعيوب الجوهرية لمُجمَل العملية الانتخابية مُمثلة في حجر زاويتها الإحصاء المعيب الذي جري في أبريل2008م وهذا العيب قائم ومستمر ولا أمل في إصلاحه ومعالجته والنتيجة الحتمية لاستمرار هذا العيب هو خروج إقليم دارفور من عملية التحول السياسي للأسباب التي ظللنا نُحدِّث بها القاصى والداني أمداً من الزمان. وهذا الواقع سيؤدي إلي عدم قبول القوى الحَيَّة في إقليم دارفور لنتيجة هذه الانتخابات المعيبة وستتحول إلي خيارات أخري وهي بعددِ الحَصى.
بالنسبة للجنوب والحركة الشعبية فالوضع مختلف، لأن غايتهم الإستراتيجية هي سلوك طريق يؤدي إلي يناير2011م حيث يجري الاستفتاء لتقرير مصير الجنوب، وكل الدلائل تؤكد أن خيارهم سيكون الانفصال وتأسيس دولتهم التي ستوفر لهم ذاتهم وكرامتهم وثقافتهم وهويتهم والاستفادة من مواردهم لبناء دولة ومجتمع يسوده الكرامة والعدل والسلام والرفاهية، وربما يستغرق ذلك وقتاً ولكنه هدف مؤكد التحقيق في نهاية المطاف. لذلك قرروا، بذكاء الأفريقي الحكيم، عدم الاستمرار في خوض صراعٍ غير مُثمِر مع المركز قد يؤدي إلي تعطيل تحقيق الهدف الإستراتيجي لشعب الجنوب، وفي ذلك حِكمة وبُعدِ نظر لا يتوافر لكثير من شعوب السودان..
التنظيمات السياسية المنسوبة للمركز خاب ظنها في الحركة الشعبية لتحرير السودان التي كانوا يسندون عليها ظهورهم في الضغط علي ممثل المركز حزب المؤتمر الوطني، لذلك شهد الناس الارتباك والاختلاف في المواقف من خلال البيانات التي ظلت تصدر عن تلك الأحزاب في الصباح الباكر، لتعود لنفيها في منتصف النهار، ثم تعود لتأكيدها قبل آذان المغرب، لتعود مرة أخري إلي موقفها الصباحي لدي إذاعة نشرة حصاد اليوم بقناة الجزيرة قبل منتصف الليل بساعة!! لذلك قلت في الجزء الثاني أنني لن اعتمد في تحليلي علي ما تسفر عنه اجتماع قيادات الأحزاب السياسية أمسية الخميس الفاتح من إبريل2010م لأنني قد خَبِرتُ مواقف هذه القيادات طوال عمري الذي شارف علي خواتيم عقده الخامس. هذه الأحزاب يعوزها الحياء فيما تقول وتفعل، وخاب رهان من ينتظر منها أي شئ مفيد وكفي.
بعد ذهاب الحركة الشعبية لتحرير السودان إلي حال سبيلها، تبقَّي من القوي التحررية الحَيَّة التي قد تُحدِث التغيير حركات الكفاح المسلح في الهامش السوداني، في دارفور وشرق السودان والشمال القَصِي وكردفان، وهي جميعها خارج العملية السياسية الراهنة لأسباب مختلفة، وأمامها خيارات هي:
1) مواصلة الكفاح بكافة أنواعه ضد المركز لوضع معايير جديدة لبناء دولة المواطنة والعدالة علي التراب السوداني، دولة تقوم علي أسس حقيقية من حيث الهوية والثقافة والحرية والعدل، واعتماد مبدأ التداول السلمي للسلطة عبر انتخابات حُرَّة ونزيهة، والاقتسام العادل للثروة والسلطة علي جميع شعوب السودان، وانتزاع مؤسسة الدولة من يد المركز وإعادة تقسيمه بعدالة بين مجموع شعوب السودان وفق وسائل قانونية سليمة. ويحتاج هذا الخيار إلي عقد العزم والإصرار علي تحقيق الهدف الإستراتيجي ثم الصبر علي مقاومة المركز لطموحها المشروع، ووقود معركتها هو رفع وعي الجماهير بهذا الخيار، ولن يتحقق ذلك الهدف السامي بدون إلحاق الهزيمة بأبناء الهامش الذين وَظَّفهم المركز بعد إعادة تدويرهم لخدمة أهدافه وهزيمة مشروع الهامش، رغم علمهم بان التغيير المنشود يصُبُّ في المصلحة العامة والخاصة للجميع بمن فيهم عملاء المركز من أبناء الهامش المُدَجَّنين، والفرق بين الذي هم فيه الآن وبين التغيير الذي يقاومونه لمصلحة المركز لفرق كبير وشاسع، فرق بين الحرية والعبودية، فرق بين العمالة وضدها، فرق بين راحة البال والتوافق النفسي بما يفعل المرء وبين الهَمّ والغَمّ وحساب الضمير، إذاً هو فرق بين الحق والباطل، واختيار أي الطريقين مُتَاح ومتروك للمشيئة، كما تَرَكَ الله الكفرَ والإيمان لمشيئة الإنسان بعد أن أبان طريق الحق، من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.. لكن يجب علي قوي التحرر مقاومة هؤلاء وهزيمتهم لا بسبب كفرهم فذاك شأنهم، ولكن لأن شرور كفرهم يتعداهم ليعيق مشروع المؤمنين من أهل الهامش بإمكانية تحقيق أهدافهم المشروعة في الحرية والعدالة والمواطنة المتساوية وحقهم في ثروات البلاد وسلطتها حتى لا يُغامِر بها مُغَامِرٍ حالمٍ في يقظة.
2) الخيار الثاني أسهل وممكن التحقيق وأقل كُلفة ومعاناة، هو فض سيرة الدولة السودانية الموحدة لصعوبة تحقيق شرائطه، واللجوء إلي خيار التفريق بإحسان ويقتضي ذلك، تقرير تفكيك ما كانت تسمي دولة السودان عن طواعية لفشلها في تحقيق الهدف الأسمى لكل مكونات الدولة المتمثل في نشر العدل وبسطه بين جميع سكانه لا قتلهم وإفقارهم واستغلالهم وقمعهم وإذلال كرامتهم كما حدث وما زال يحدث لأغلبية السكان منذ ميلاد السودان الكبير. دولة ظلّ يحكمها العسكر لأكثر من(75%)من عمره الذي تلي خروج المستعمر الأجنبي..عسكر جعلوا من مدن السودان جميعها قِلاعاً عسكرية مُدججة بالسلاح والعتاد الحربي ضد الشعب، وقد ظلُّوا يسمون المواطنون(مَلكِِِية)وينعتونهم بأسوأ الصفات، المؤسسة العسكرية السودانية قامت لتكريس هيمنة المركز الذي قوامه أبناء إقليم واحد قاحل هو الشمال، ويمثل سكانه نسبة تقل عن(10%) من المجموع الكلي لسكان السودان، فرضوا علي أغلبية السكان(90%) لغتهم وثقافتهم بما في ذلك الدين ورؤيتهم السياسية القائمة علي ثقافتهم، فادخلوا البلد باسمهم في جُحرِ ضَبٍّ أجرب، وفي تجمعات إقليمية وعقدية لا تمت إلي أغلبية شعوب السودان بصلة مثل جامعة الدول العربية التي لا نعرف لها هدفاً ولم نلمس يوماً أن أعضائها من رؤساء الدول والحكومات والأمراء والملوك يجمعُ بينهم هدف مشترك أو وُدّ، ورأينا طوال عمرنا خلافات ومهازل في اجتماعات قِمم جامعة الدول العربية ما لم نرها في غيرها، ولكننا بسبب أوهام دولة المركز السودانية بقينا أعضاء في هذه الجامعة التي لا يجمعنا بها، ولا يجمع بين مكوناتها جامِع.
الجيش السوداني الذي حَكَمَ الدولة السودانية معظم الحِقَب، جيش غريب التكوين، فضباطه وأمراء قمع الشعب فيه من أبناء المركز الذي قوامه القادمون من الإقليم الشمالي، بينما العسكر من الرتب الدنيا(Foot-soldiers) ويمثلون(80%)من جملة العسكر، هم من أبناء الهامش السوداني وتحديداً من دارفور وكردفان وجبال النوبة والنيل الأزرق(الغريب أن أبناء الشرق لا ينخرطون في سلك الجندية السودانية وهو أمر يحتاج إلي بحث، ولكنه وضعٌ يحسب لهم لا عليهم، ويَنَُم عن وَعَيٍٍ متقدم).. العاصمة القومية وبقية حواضر الأقاليم السودانية هي عبارة عن ثكنات لهذا الجيش الذي خَلَفَ المستعمر الأجنبي واقتفي أثره، ويعيبه أكثر أن قادته عبر التاريخ من أبناء المركز، ومن عيوب الدولة السودانية هيمنة العسكر علي الحياة العامة وأكل جزء كبير من دخل الدولة بلا رقيب أو حسيب، تحت مُسمَّي الأمن الوطني وحماية الدولة، والغريب في هذا الوضع أن هذه المؤسسة المهيمنة علي الدولة لا تقوم بواجب حماية الدولة بل تُكرِّس جهدها في حماية الأنظمة التي تأتي من صُلبِها، وتقمع الشعب وتذِل كرامته، أما علي مستوي حماية الدولة فسجلها مُخجِل، فالآن(حلايب)ذلك المثلث المعروف في الشمال السوداني يحتله دولة مصر وقد طَبَّعَتِ الحياة فيه علي الطراز المصري دون أن يحرك الجيش السوداني ساكناً لاسترداده، وكذلك مثلث(ألمبي)في جنوب السودان، وجميع حدود السودان وخاصة الغربية منها ظَلَّت مفتوحة منذ الأزل لأنشطة معادية لدول الجوار وآخر النماذج هو تحرك قوات حركة العدل والمساواة المدعومة من دولة تشاد المجاورة من منطقة أم جرس بوسط تشاد إلي العاصمة الخرطوم ودخولها في رابعة النهار وترويع الناس ومحاولة استلام السلطة وهو أمر لا يمكن أن يحدث في بلد غير السودان حيث الجيش يقيم داخل المدن لقمع المواطنين بينما الثُغور مكشوفة دوماً وتُترك نهباً لمن شاء أن يغامر.. إذاً، الحل في إخراج العسكر من المدن ووضعهم في تخوم الدولة التي ظلت تتآكل من أطرافها بسبب غياب دور المؤسسة العسكرية وفشلها في القيام بمهام وظيفتها، أو إخلاء المدن من المواطنين وتركها لتكون ثكنات للجيش، وترحيل المواطنين إلي الثغور والتخوم النائية للقيام بدور العسكر في الذود عن الدولة من العدوان الخارجي..
3) الخيار الثالث وهو خيار نظري لا أمل فيه، ويتمثل في دور انقلابي مُستحِيل يقوم به الأحزاب السياسية داخل نفسها بخلق واقع جديد يستوعب الراهن السياسي والاجتماعي والتنفيذي للدولة السودانية الموحدة يتمثل في الآتي:
أن تؤمن الأحزاب السياسية إيماناً جازماً بأن كل ما ظلت تفعله منذ فجر الاستقلال هو عواء في خواء وتخدير للمواطنين بشعارات فارغة من أي مضمون، وأن معتقداتها وثقافاتها ودساتيرها، إن كانت لها دساتير، لا تُعبِّر عن حقيقة مكونات الدولة السودانية الجامعة.. ومن ثم، أن تتبني الأحزاب الرؤى والمفاهيم الجديدة التي ناضل لأجلها أبناء الهامش السوداني وضمّنُوها في اتفاقيات السلام الموقعة مع المركز في إعلانات إعادة بناءها، وأن تنتخب قيادات مولودة من رحم الشعب عوضاً أبناء السادة والأشراف الذين لم يجوعوا يوماً ولم يعطشوا، ولم يجربوا المرض يوما ولا الفقر، ولم يقضوا طوال حياتهم ليلة واحدة في أكواخ أتباعهم في أطراف المدن حيث البعوض ونُدرة الماء وانعدام الكهرباء.. فلا يستطيع إنسان أن يشرح أن الجوع إحساس مُذل ومُهِين لكرامة الإنسان لمن لم يَجُع يوماً، ولا يستطيع إنسان أن يتحدث إلي سيدٍ أو شريف عن أهمية صون الكرامة الإنسانية للجميع لمن ظلَّ كل الشعب يُمجِد أصله وفصله ونسبه، ولن يستطيع إنسان إقناع الغنِي المُتخم المُترَف بجبروت عدو الفقر ألدَّ أعداء الإنسان.. لذلك قيادات الأحزاب السياسية القائمة لا تملك الإحساس بمعاناة الشعب لأنهم ليسوا من الشعب بل تخصصوا عبر التاريخ في مص دماء الشعب. لذلك قلت أن هذا الخيار نظري وبعيد المنال، وسأواصل في الجزء الرابع مستنداً إلي ما ستسفر عنه اليومين القادمين.
(نواصل في الجزء الرابع)
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة