كيزان السودان .. والتكفير بالمجان
بقلم: الدكتور نائل اليعقوبابي
( إن الحياة لا تستحق الاعتبار إذا لم نقوَمها
بالحوار والمناقشة ).
- سقراط -
.. إنها لأضحوكة من أضاحيك التاريخ أن يخرج لنا متطرفين من بقايا فلول القاعدة وشراذم طالبان في السودان بتكفير الحزب الشيوعي واعضاءئه .!
أليس من المحزن .. والمخزي أن يخرج علينا نفر ضال من ما يسمى ( الرابطة الشرعية للعلماء والدعاة )، ويقولوا لنا الشيوعيون كفاراً حتى لو كانوا مصلين !!
في رسالة تحمل عنوان ( مداواة النفوس ) يقول لنا كاتبها ( لا آفة على العلوم وأهلها ، أضر من الدخلاء فيها وهم من غير أهلها ، فهم يجهلون ويظنون أنهم يعلمون، ويفسدون ويقدرون أنهم يصلحون ) وهذا هو حال المتطفلين اليوم على الدين وعلى علم السياسة وفنها ، فهم ينسبون أنفسهم إليها وهم من غير أهلها، وهم يجهلون ويظنون أنهم يعلمون، ويفسدون ويقدرون أنهم يصلحون .
لذلك المعركة التي يكفرون فيها الناس..هي معركة سياسية على الأرض وإن التبست بالسماء أو بالعقل والحرية والعدالة.. فالسياسة في أحد وجوهها المظلمة، هي فن الاستيلاء على عقول البشر، وتطويعهم بتوجيههم صوب أهداف، تضمن السيطرة عليهم، وقيادتهم نحو مصائر، ليس أقلها مصائر القطيع، والقبول بالأمر الواقع.
لهذا يحرص بعض أقطاب هذه الحركات الدينية على إرسال رسائل خاطئة لا تتفق مع خطاب التسامح والرحمة الذي جاءت به الشرائع والأديان السماوية.
والمشكلة إن هؤلاء النفر يظنون أنهم يحسنون في الوقت الذي يسيئون فيه إلى جوهر التعاليم الدينية ، خاصة أن المخاطب في كثير من الأحيان غير مؤهل لفرز الدخيل عن الأصيل، والغث عن غيره.
وهذه ليست مشكلة الحركات الدينية فقط، بل هي مشكلة عند بعض الذين يتصدرون للوعظ والإرشاد وإطلاق الفتاوى حيث يأتي هذا الخطاب الديني ليشيع جواً من التعصب والتشنج وعدم قبول الآخر.
وهذا ما قد يسمم الفكر الإنساني ويشيع التلوث الفكري الذي سيؤدي إلي الصدام والمواجهة المرفوضة عملياً في كل شريعة سماوية.
لقد أنشا الإسلام حضارة فلم يضق ذرعاً بالأديان السابقة، ولم يتعصب دون الآراء والمذاهب المتعددة، بل كان شعاره (فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه).
فالاديان السماوية كلها تستقي من معين واحد، والعقيدة لا يمكن الإكراه عليها، بل لابد فيها الاقتناع والرضي ( لا إكراه في الدين ).
والناس لا ينبغي أن يؤدي اختلافهم في أفكارهم إلي أن يقتل بعضهم بعضاً، أو يتعدى بعضهم على بعض، بل يجب أن يتعاونوا على فعل الخير ومكافحة الشر.
والتفاضل بين الناس في الحياة وعند الله بمقدار ما يقدم أحدهم لنفسه وللناس من خير وبر، فالخلق كلهم عيال الله فأحبهم إليه أنفعهم لعياله.
والاختلاف في الأديان والأفكار لا يحول دون البر والصلة والعلاقة الحميمة.
فحينما يحمل المسلمون رسالة الإسلام الحضارية للناس جميعاً فإنما يحدوهم إلي ذلك ما غرست مبادئ الإسلام في قلوبهم من حب الخير للناس جميعاً، والرغبة بأن يدفعوا الناس إلى معارج المجد الإنساني، ويأخذوا بأيديهم إلي القمم الحضارية الراقية..
فالمسلم الفاهم لإسلامه ينظر إلى غيره من من الخلق جميعاً نظرة محبة بصدق وإخلاص كما ينظر الطبيب العاقل الرحيم والحازم الحكيم إلى مريض مسكين.
على هذا الأساس قامت الحضارة الإسلامية، وبه رأت الدنيا لأول مرة ، ديناً ينشىء حضارة فلا يتعصب على غيره من الأديان والأفكار ولا يطرد غير المؤمنين به من مجال العمل الاجتماعي والمنزلة الاجتماعية.
لقد عاشت بلادنا زمناً طويلاً ( قبل مجيء نظام الكيزان) في ظل هذا التسامح الديني والأخلاقي الكبير ..بدون تكفير أو تخوين ، لان الإسلاميين في هذه الحركات كفروا كل مَنْ اختلف معهم.
ولقد كانت أرقى وأصفى أزمنة هي تلك التي كان يجلس في مجلس واحد فيها المتألهّون ، والدهريون، وأصحاب الملل والنحل، ويتحاورون دون أي خوف من قطع الرؤوس ، أو سلّ الألسنة من القفا بالتكفير والتخوين، بل بمزيد من الثقة بالنفس والاطمئنان.
وهذا هو واقعنا .. نقبل الآخر ونعترف به، بل إن القرآن خاطب غير المؤمنين بخطاب الاحترام ولم يقطع حبل المودة والتعاون ( وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال) فقد اعترف بهم وتحبب إليهم ليجلسوا على طاولة الحوار.
لقد خلقت الحلقات المتشددة ، في مختلف الميادين، حالة من التزمّت، والتضييق على الذات وعلى الآخر، حرمت الكثيرين من نعمة الله التي أنعم بها على عباده، وهي العقل، فأنت عليك أن تلغي عقلك لأن ثمة من يفكّر عنك ، و( ما ترك الأوائل شيئاً للأواخر)!!
في المجال الفكري العقائدي الأيديولوجي مازالت الحواجز مُقامة عند البعض من أعضاء هذه الجماعات، فهم يأخذون ب (إنْ لم تكن مثلي قتلتُك)!! على الرغم من أنّ نقاط الالتقاء مع الآخر هي أكثر من نقاط الافتراق.
هذا البلاء الذي مازلنا نحصد نتائجه السلبية المدمّرة جاء من أدّعاء كل جماعة، أو فرقة ، أنها وحدها ( الفرقة الناجية)، والآخرون ، جميعاً ، إلى سابع قرار في جهنم.
أحد مفرزات ذلك التوجّه الزاعم أنه وحده صاحب الجنة، وأنه وحده على الصراط المستقيم، نجد تجليّات حضوره في التشنج بين هذه الجماعات وما تكفير الحزب الشيوعي وأعضائه إلا دليل قاطع على ذلك!ّ.
لذلك مهما أوتينا من قدرة بلاغية ، فإننا لن نملك القدرة على الإتيان بعبارة تختزل تفاهة هذا الطرح اللا ديني واللا إنساني.
إنَّ رفض (الآخر) يقوم على (زعم)(أنني)أو(أنك) تمتلك الحقيقة، في أي مجال فكري أو عقائدي ، وهذا الزعم هو الذي رشّ بذوره في التربة السودانية ، فأنبتت التعصّب، والاتهام، والتكفير، والتقوقع ومن ثم كان حصادها الفشل الذريع، والعثرة، وحَمْل أمراض نقص المناعة.
إلى أعضاء هذه الرابطة الشرعية وعلمائها أقول :-
يا من تنفخون في كير التعصب الديني دعوا الناس يعيشون بوئام وبساطة وحب وكفوا عن تسليح الناس بالحقد، الحقد أقوى سلاح للقتل ونفي الآخر نفياً مطلقاً.
ماذا يعني أن أحقد عليك حقداً دينياً ونحن نعيش معاً؟ ماذا يعُني أن أحقد عليك حقداً طائفياً .. والطائفية بضاعة فاسدة لا يتاجر بها إلاّ الذين ضاقت عقولهم واتسعّت أحقادهم وتضخمت أطماعهم.. ونحن نعيش معاً ولماذا التعصب الذي يجعل الحياة مستحيلة.ٍ
فلا تفسدوا هذه الأرض الأجمل، يفرح كل واحد منا بكل التيارات الحاضرة بهذا الثراء الجميل، بهذا المشترك الأروع بيننا.
عودوا إلى ثقافة الوطن يا من تتقاتلون وتحرضون وتفتون بسبب وعيكم الزائف بالدين!
وإلي مثقفي ومفكري السودان أقول:-
أعتقد على المؤمنين بالديمقراطية، والعدالة الاجتماعية والوحدة الوطنية، التصدي لهذه الجماعات الضالة والمأرقة أن يكونوا قادرين على فهم روح التعددية ، بما فيها من غنى وإثراء، وبما هي ضرورة لابد منها للحفاظ على روح التنوّع، واحترام حرية الإنسان الذي كرمّه الله في كل العقائد والديانات ذات المواصفات الإنسانية، ومَنْ لا يستطيع الوصول إلي تلك الذروة العالية، فهو غالباً لا يحمل روح (إنسان) أو (وطني)أصيل، بل هو يحمل روحاً (عصاباتية) على الرغم مما قد ينتُجه في ميادين الفكر والإبداع.
لذلك ينبغي ألا نكتفي بقلع الأشواك، بل نزرع مكانها الزهر والياسمين.. حريصين على سلامة الفكر وتعميم فكرة الأمن الفكري وتخليص العقول من الشوائب التى علقت بها جراء خطابات ربما كانت جاهلة أو مدفوعة مأجورة.
فنحن نريد تعميم خطاب الوسطية والاعتدال ونرفض كل خطاب يرمي إلى زرع بذور الفتنة والطائفية أو المذهبية، لأن السودان يتسع للجميع وعلى الجميع أن يعيشوا بمحبة وتواد بعيداً عن تطلعات أعداء الحياة.
أنّ (الآخر)الذي عنينا هو (الآخر)الذي نتفّق وإيّاه على الحدود التي لا تفريط فيها في المسائل الوطنية، أما الذي ينحرف لدرجة الترويج لمقولات وفتاوى تصب في خانة تمزيق النسيج الوطني وإشعال نار الفتنة بين أبناء الوطن الواحد .. فهذا ليس (الآخر) الذي نتكلمّ عليه، وإلا نكون كمَنْ يمهد الطريق لتصبح (تلك الفتاوي والخيانة والفتنة وتكفير الناس) وجهة نظر، ولا يشفع لهؤلاء ادّعاؤهم في (الحرية) لأنّ الأصل في الحرية هي التي تتحقق فيها مصلحة مجموع الشعب، وليس مصلحة أفراد.
فلنحرص على تقديم رسائل المحبة ونبذ رسائل التباغض والتباعد والخصام.
yagobabi@hotmail.com
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة