أشهد أن للأطباء مظلمة/ الصادق حمدين
لا شك في أن إضراب السادة الأطباء قد جاء بعد تراكم هائل من الظلامات المهنية التاريخية التي أصبحت تهدد وجودهم كمواطنين في المقام الأول يريدون العيش بستر وكرامة، وليس كأطباء تتطلب مهنتهم قدر من الوجاهة الاجتماعية كما يحدث لرصفائهم في كل بلاد العالم بلا استثناء.
وإذا كانت (الصحة تاج علي رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى)، فالطبيب هو ذلك التاج، لأنه هو أس العملية الصحية وذروة سنامها، فكيف يكون الطبيب تاجا ذا قيمة وقد أخذ الظلم منه كل بريق.
ولا شك أيضا في أن البيئة الصحية هي كُل متكامل والطبيب هو أحد حلقاتها الأقوى فهي تبدأ من المشفى، وهل هو مكان مهيأ لاستقبال المرضي ليحافظ علي صحتهم النفسية قبل الجسدية؟. وهل هناك معينات فنية طبية مواكبة تساعد الطبيب علي التشخيص السليم ومن ثم المعالجة الصحيحة للحالة المرضية المعروضة أمامه، وهل تجد الكوادر الفنية الطبية من المسؤولين عن الصحة الاهتمام والدعم الكافيين في ظل التطور التقني المتسارع؟، مرورا بالممرض المؤهل والمدرب تدريبا جيدا، وعامل النظافة المكتفي ماديا مقابل عمله البدني الشاق، والإداري المؤهل جيدا، لتنتهي البيئة الصحية المتكاملة بالتوعية الإرشادية ليحافظ المواطن علي مشفاه نظيفا. فهل هذا التسلسل بحده الأدنى موجود في مستشفياتنا العامة علي قلتها الآن؟، فإذا كانت الإجابة هي لا كما يسندها واقع الحال الصحي المذري؟. فلماذا لا يضرب الطبيب إذاً؟!.
اكتسب إضراب الأطباء الشرعية الدستورية بعدما استنفذ قادة لجنتهم كل الطرق والقنوات التي رسمها القانون في المطالبة المتمدنة بحقهم الذي كفله لهم عقد خدمتهم، فهم لا يطالبون بحق ليس لهم، ولهذا السبب وجدوا التعاطف والمؤازرة في إضرابهم المطلبي هذا من كل فئات المجتمع السوداني، بل الإقليمي، والدولي المتابع لهذه الكارثة الصحية، لأنه ليس من المتصور بأن يكون عقل الطبيب مشوشا بأساسيات هموم المعيشة اليومية وهو يعمل في مهنة تتطلب الدقة والتركيز هامش الخطأ فيها يصعب تداركه إن لم يكن بحد ذاته قاتلا، فالخطأ الأول في هذه المهنة التي محورها حياة الإنسان هو الخطأ الأخير. فكيف نطالب الطبيب علي سبيل المثال بأن يوصي مرضاه كوصفة علاجية مكملة بأن يأكلوا البيض، واللبن، واللحوم بيضاء كانت أم حمراء، والخضروات وهو يشقي ليوفر بالكاد لنفسه ولأسرته رغيف الخبز الحاف؟.
بالأمس رصدت لنا كاميرا الجسورة نجلاء سيد أحمد "ميز" الطبيبات، فكم كانت الصورة مؤلمة عندما تجولت الكاميرا داخله، ولو لا الصدقية التي تتمتع بها الأستاذة نجلاء سيد أحمد لظننت بأن هذه الصور قد تم التقاطها من داخل أحد السجون لعتاة المجرمين عقابا مؤقتا لهم ينتهي بانتهاء تمردهم وليس من داخل سكن لطبيبات تحكمهن وتتحكم بهن دولة رسالية لا يمكنها أن تنكر أهمية النظافة لأنها رُبطت بالإيمان نفسه. فكيف لطبيبة تعيش في بيئة مثل هذه بأن تكون صادقة مع نفسها وهي توصي مرضاها بالنظافة باعتبارها هي والصحة صنوان.
والانهيار البيئي والصحي هو انهيار شامل شأنه شأن كل مرفق عام طالته اليد "المتوضئة" وغشته رياح التغيير الهوجاء نحو الأسوأ. فكيف يمكن مطالبة من لا يتعدى وعيه الصحي والبيئي ثقافة (قطع الجُمار)، "هذه الجملة التي بين ظفرين اقتبستها من موضوع كتبه الباشمهندس هشام المجمر بمناسبة الخرطوم من ضمن أقذر العواصم العالمية" والمقصودون بالمطالبة هنا حكامنا المستكرشين سُحتا والغاصبين للحكم قهرا أصحاب العمائم واللحى الذين استطالوا في البنيان وشيدوا اللهم لا حسد أجمل القصور والفلل التي تطفح من تحتها مجاري الصرف الصحي وتجاور الآسن من المياه الراكدة ظنا منهم بأنهم قد صاروا بمنأى عن العدوى والأمراض.
وما الدهشة التي اعتلت وجه تلك الفتاة التي تسكن علي ما أصطلح علي تسميته حيا راقيا حينما أخبرها طبيبها بأنها تعاني من مرض "القارديا" إلا تأكيد لصدق من ظن أن جدرانه الأسمنتية قادرة علي حمايته من كل وباء ومرض، لأن هذه الفتاة كانت تعتقد اعتقادا جازما بأن القارديا مرض لا يصيب إلا سكان زقلونا، وحفير مشو، ووادي برلى، وألئك "الذين يشقوا شان يلقوا الزبالة".
وما المقولة التي قالها أحد الساسة الجنوبيون وذلك عندما وصلت المفاوضات النيفاشية بشأن العاصمة بأن تصبح قومية ويتم استثناؤها من الأحكام الشرعية إلي طريق مسدود إلا تأكيدا للجهل البيئي الذي يتمتع به من يحكمون ويتحكمون بهذه العاصمة التي من المفترض بأن تكون قومية وذلك حينما قال لهم بعد يأس جدالي طويل "مش خرتوم ده خلينا ليكم بس انتو نضفو ونظمو"
ومع عدالة قضية الأطباء وشرعيتها كنا نتوقع من رأس النظام الرجل الذي ظن نفسه معجزة متحركة فوق هذه الأرض التي ورثها كعبد صالح أن يعالج هذا الأمر بحكمة، إلا إنه وكعادته لم يخب ظننا فيه فبدأ بالكي مباشرة متجاوزا الدستور والقانون اللذين ينظمان ويعالجان مثل تلك الحالات، وذلك بفصل وطرد كل الأطباء المضربين وكأنما هؤلاء الأطباء هم عمال لقيط موسميين يمكنه أن يستجلب آخرين ليحلوا محلهم.
وفات عليه أن هذه المهنة بالتحديد لا ينفع معها احتياطي عمالة، فالطبيب لا يمكنه أن يبتعد عن مجاله دون أن يتأثر هذا المجال بذلك الانقطاع، لأن الحقائق الطبية والأبحاث العلمية الثابت فيها في هذا المجال هو المتغير نحو أفضل السبل لمتابعة الطفرات البكتيرية والجرثومية لعلاجها، فالملاريا لم تعد هي الملاريا، والسل لم يعد هو السل، وأنفلونزا الخنازير كل يوم وهي في حال.
وهذا السلوك الرئاسي الصادم في معالجة هذه القضية القومية الهامة يذكرنا بما كان يتداوله المواطنون في بداية هذا الانقلاب وذلك عندما نما إلي علم قادته بأن كبار الأخصائيين في السلاح الطبي مشكوك في ولائهم "للثورة" فانبري أحد الناصحين وقال بالحرف الواحد ما المانع في فصلهم وترقية الضباط المواليين لنا ليحلوا محلهم وهكذا بهذه البساطة تم تجاوز هذه المعضلة التي لن تحلها زيادة الأنواط، والدبابير، والنياشين وإن زادت حدة لمعانها.
لقد عودنا هذا النظام المرعوب بأن كل صيحة ليست له فهي قطع شك عليه، فبدلا أن ينظر إلي مطالب الأطباء العادلة ويعالجها في إطارها المطلبي حتى لا تستفحل وتخرج عن سيطرته كما حدث مع كثير من القضايا الوطنية التي أوصلت حال البلد إلي ما هو عليه الآن، اتهم الأطباء بأن لهم أجندة سياسية وأن هناك من يقف من خلفهم، وكأنما الأطباء تحت الوصاية القانونية لا يعرفون أين هي مصالحهم، وكأنما السياسة ليست هي في معناها البسيط تعني فيما تعني إدارة شئون الناس، فعندما يقول الطبيب بأنه مظلوم فهو يمارس سياسة في معناها البسيط، وعندما تقول ربة المنزل بأن السلع الغذائية أصبحت "نار" فهي أيضا تمارس سياسة في ذات المعني؟ فما هي السياسية المجرمة التي يمارسها من يقول حقي، يا من تحكمون بمشيئة الحق الإلهي.
وقديما قال أهلنا حكمة لا تستطيع كل ديكتاتوريات وشموليات العالم أن تصادرها وهي (من قال حقي فقد غلب)، فاعطوا الطبيب حقه قبل أن يضع سماعته وينصرف إلي حيث يُكرم ويزداد الوطن بفقد من يهتمون بصحته جراحا علي جراح.
الصادق حمدين
umniaissa@hotmail.com
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة