من يُحرّر هرمس وهيستيا من حماقات الأصولية الإسلامية؟!
مجتبى عرمان
mujtabahessen@yahoo.com
بين الأساطير التي ابتكرها اليونانيون أسطورتان توضحان كيف أن هؤلاء الإسلامويين يقلصون الهوية الإسلامية في (رفض) الآخر و (نبذه) مما يتعارض مع طبيعة الوحي الإسلامي المنفتح كلياً على الآخر. فالإسلام ائتلاف و(إيلاف) أو هو الختلف المؤتلف.
تمثل الأسطورة الأولى (الداخل) أو (الذاتي) أو (الاختلاف) وتمثل الثانية (الخارج) أو (الكوني) أو (الائتلاف) وهما اسطورة هيستيا واسطورة هرمس.
هيستيا ربة المنزل أو ربة الموقد – قلب المنزل: ألفة وديمومة في الداخل، طمأنينة وأمان إزاء الخارج فهيستيا، (مقيمة) (حضرية) وغير مترحلة.
أما هرمس فعلى العكس، مترحل، جواب، يطوف العالم. يتنقل دائماً من مكان إلى آخر، ساخراً من التخوم، والحواجز، والحدود. إنه سيد التبادل، والتفاعل، واللقاء. رب الطرق، ودليل المسافرين، عاشق المسافات الكبرى، المفتوحة إلى ما لا نهاية.
ومع أنه صفاتهما ومهماتهما متعارضة فإنها متآلفة ولا تنفصل إحداهما عن الأخرى. بعض ما يخص هيستيا، يخص في الوقت نفسه هرمس والعكس صحيح. ففي هيكل هيستيا يُستقبل الغرباء الآتون من بعيد، بعضهم ضيوفاً. وهذا يعني أن الداخل لا يكون ما هو إلا إذا كان منفتحاً على الخارج.
وفي كل إنسانٍ حقيقي يعيش معاً في اللحظة نفسها هيستيا وهرمس. فلكي يكون الإنسان نفسه يجب أن يتعرف على الآخر الأجنبي، بحيث يصبح جزءاً منه، وامتداداً له. البقاء في انغلاق على الذات ليس إلا ضياعاً، وفقداناً للذات والهوية، خلافاً لما يظن المنغلقون. فالإنسان يعرف نفسه ويبني حياته بالاتصال والتفاعل والتبادل (جان بيار فيرنان، اجتياز الحدود، ص 179-180، باريس 2004).
تُرى ما الذي تبقّى في سودان النخبة الأصولية! فقد قتل إسلام الطيب مصطفى وإسحق أحمد فضل الله والعياذ بالله كل من هرمس وهيستيا. وحصر الإسلام فقط في العقوبات واستغلوه لتبرير الأفعال الإجرامية والشريرة، كما شاهدنا على أيام الحرب الأهلية في الجنوب حيث استُغل الإسلام استغلالاً بشعاً لقتل وسحق الخصوم. وتجربة بيوت الأشباح خير دليل على ما نقول. أيضاً النخبة الأصولية سجنت الإسلام في قوالب شكلية جافة وفارغة على شاكلة الدقن والعباءة والإكثار من بناء المساجد وتركوا أهم واجبات الدولة وهي تحقيق العدالة الاجتماعية (وامنهم من جوع وآمنهم من خوف) والله ينصر الدولة العادلة ولو كانت كافرة. ولكن النخبة الأصولية زرعت الجوع والخوف في قولب الملايين من الجوعى والمنبوذين والحيارى، فما قيمة الدين إن لم يكن يدعو إلى الرحمة والعدل والإحسان والدعوة إلى التساكن ما بين مكونات الشعب السوداني التي تتميز بالتعددية في اللغات والأعراف والأديان وفي المناخات. ولكن الطيب مصطفى وأمثاله من العنصريين والمتطرفين استخدموا الفهم الظلامي والشكلاني والإكراهي من اجل المحافظة على نظام الهيمنة القديم .. فالسودان ما عاد يحتمل حماقات اللأصولية الإسلامية! فمن يجرؤ على مواجهة الأصولية الإسلاموية؟ والبلاد مقبلة على انتخابات وأم المعارك حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان – وقد ظهرت علينا جماعة تدعي وتحتكر الإسلام لنفسها وقالت بحرمة حق تقرير المصير. والسؤال البسيط هو أين كانت تلك الجماعة حينما تم توقيع اتفاقية نيفاشا، فلماذا لم تفتي تلك الجماعة بحرمته في 2005؟ ولكن كما هو معلوم أن فقهاء السلطان وتنابلته تحركهم النخبة الأصولية كما لعبة الشطرنج وهم جاهزون لتدبيج الفتاوى كما تشتهي النخبة المتحكمة في رقابنا .. فتقرير المصير لم يأت بأخوي وأخوك وإنما سكبت فيه دماء ولديه جيش يحميه وسوف يفتح أبواب جهنم إذا حاولت النخبة الأصولية التلاعب به هذه المرة.
فتحت حكم النخبة الأصولية وإيمانها الأعمى والكاره للآخرين .. حياة الإنسان غير مقدسة بالمرة .. وهي مصرة على منهجية الكبت والقمع وتبديد الثروات والتي هي في الأصل ليست ملكاً لهم وإنما لملايين المهمشين والجوعى والحيارى وفقراء المدن. فالنخبة الأصولية زرعت الفتن والإفقار وجعلتنا نمشي فوق أرض ملغومة .. فالمؤتمر الوطني وزع الظلم والكبت والقمع كما يتوزع نور القمر حينما يكون بدراً. وأيضاً من أجل المحافظة على الامتيازات والعلاقات الجائرة ما بين المركز والأقاليم استخدمت الأصولية الإسلامية الدين في وجه الخصوم والتي لم ينجو منها أحد كما رأينا في مناقشة القانون الجنائي في البرلمان وتكفير ياسر عرمان رئيس كتلة نواب الحركة الشعبية في البرلمان والإمام الصادق المهدي وموقفه من الحجاب. فالفهم الظلامي والمتزمت هو ما تمتلكه تلك النخبة وبرنامجها الخالي من اي نزعة إنسانية! فأصبحت الفتاوى الكريهة والعشوائية تنهال علينا من كل حدب وصوب .. فكل من امتلك عدة الشغل – دقن كبيرة دائرية (وجضوم مُنديّة) – يدلي بفتوى سلطانية تأمر بقتل هذا او تحلّل دم ذاك، وهذا وضع يهدد السلم الاجتماعي ويشابه في مناخاته محاكم التفتيش التي تجاوزتها أوربا منذ مائتي سنة ويزيد. وهؤلاء الجهلاء لا يفهمون من الدين إلا قشوره ولا يرون فيه إلا مثنى وثلاث ورباع، اما الفساد وظلم الحكام والطغيان السياسي لا يرونه مشكلة كبرى، وذلك لأنهم جزء من الطبقة الحاكمة التي تأتمر بأمرها. وكم كان الأستاذ محمود محمد طه محقاً حينما وقف أمام جلاديه وقالها بالصوت العالي أن شريعتكم تلك خطر على وحدة البلاد والإسلام استُغل لإذلال الشعب وأنتم (أي الفقهاء) أداة في يد السلطة. لجلد الشعب والنخبة الأصولية أوصلت السودان من مرحلة التردي والانحطاط لا ينفع معها أي مجاملة أو ترقيع، فالمثقفين والأحزاب وكل فئات الشعب السوداني على مفترق الطرق، وذلك لأن المؤتمر الوطني ملأ الأرض فساداً وجوراً ونهب ثروات الشعب. واستغل الدين للتمييز بين السودانيين على الأسس العرقية والدينية ولبناء العمارات والفلل التي لا تجد لها مثيلاً حتى في أغنى دول العالم. دعك من بلد شعبها يعاني ويلات الحروب وتمزق النسيج الاجتماعي والتشرد والنزوح ومعسكرات اللاجئين التي تنعدم فيها أدنى درجات الإنسانية. فالشعب السوداني ما عاد قادراً على دفع ثمن حماقات الأصولية الدينية وفاشيتها التي تسد الأفق، فهي حاولت فرض العروبة والإسلام وبشكل قهري واستبدادي، فما قيمة الإسلام بعد إبادة الإنسان وحرق القرى ةاغتصاب النساء؟! فالنخبة الأصولية احتكرت الدنيا والدين. لذلك لا بد من تحرير السماء والأرض معاً، فالجنة هنا في الأرض وتحقيق العدالة والسعادة الأرضية هي هدف كل البرامج ذات النزعة الإنسانية.
فقد آن أوان التغيير وانتهى عهد دفن الرؤوس في الرمال (the day of the ostrich is over “burying heads in the sands”) وذلك لأن المؤتمر الوطني وضعنا على حافة الانهيار وشبح الدويلات يرتسم على الأفق وذلك بسبب الإصرار على سلوك دروب التيه ومنهجية الكبت والقمع والمجتمع البوليسي الذي تحدث عنه جورج أرويل حتى قبل وقوعه. فنقد قيادة النظام ممنوع والحديث عن مأساة دارفور منطقة محظورة والنخبة الأصولية تقسم السودانيين إلى مؤمنين وكفار. لذا لا بد من تحرير السياسة من ربقة اللاهوت وجعل السلطة في خدمة المواطن والوطن. فنافع وصحبه من الإسلاميين أحالوا السودان إلى جحيم يتلظى داخله كل الشعب وخطاب وبرنامج المؤتمر أصبح باهتاً وغير جذاب ولا يجتذب الجماهير في كل مكان. وقد آن الأوان ليقول الشعب كلمته وعبر صناديق الاقتراع لهزيمة المؤتمر الوطني. فإما أن نصبح أحراراً او نعيش في دولة اللصوص والمفسدين الذين لا يمتلكون إلا أجهزة القمع ممثلة في الجيش والبوليس والأمن للمحافظة على الامتيازات الاقتصادية والسياسية. فإما أن نجد دولة نعيش فيها عرب وأفارقة، مسلمين ومسيحيين ولا دينيين بدون الشعور بالتناقض أو الذنب، فالدين لله والوطن للجميع. وان يكون الدين والأيدلوجيا كله في خدمة الإنسان، فالفهم المتسامح للدين هو الذي يحترم الآخرين وهو الذي يبني الأوطان.
فقد آن أوان التغيير وسيادة حكم القانون وهو آتٍ لا ريب فيه ...!
God bless Sudan
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة