مَنْ يَحْفـَلْ بـِحَفـْلَ الأوسْـْكار وجَوائِزه؟
مصعب المشرّف:
حصد الفيلم الحربي "خزانة الألم" The Hurt Locker عدة جوائز أوسكار خلال الحفل الذي جرى قبل الأمس من مارس عام 2010م .....وهو فيلم يتناول الحرب ضد الإرهاب وبغرض تثبيت أوهام النصر المزعوم في العراق وأفغانستان في منحى إستباقي لستر عورات الهزيمة الحقيقية . والتي لولا الرشاوي المليارية التي دفعت ولا تزال لزعماء القبائل العراقية والأفغانية والباكستانية وبعض فعاليات المقاومة المسلحة والمليشيات المتفلتة والعملاء المحليين لكانت هزيمة بجلاجل وعلى كافة المستويات والأصعدة ....
ولا يزال شبح هذه الهزيمة ماثلا في الأفق في حالة جف معين الرشاوي المشار إليها ..... وقد رشحت منذ أيام قائمة بأسماء وسطاء وأسعار وأتاوات مفروضة من جانب بعض القبائل وعناصر المقاومة للسماح للمركبات والآليات العسكرية الأمريكية بالعبور في بعض الأودية الضيقة والمناطق الوعرة دون مهاجمتها أو زرع القنابل في طريقها . ومن بينها على سبيل المثال تحصيل مبلغ 1500 دولار أمريكي نظير كل شاحنة جنود.
....................
في فترة سابقة كنا مولعين بقراءة ومتابعة أخبار وأنشطة بعض ما درج الإعلام الأمريكي على تقديمة كمقومات حضارية عصرية ، لاسيما وقد فاتهم قطار الجضارة الإنسانية التقليدية ..... وأنهم في سبيل تكريس وتأمين إستيطانهم غير المشروع في العالم الجديد بعد أن وفدوا إليه مهاجرين من العالم القديم ؛ أبادوا سكانه الأصليين ومحوا حضارتهم على قدر بساطتها . وقضوا في سبيل ذلك على الأخضر واليابس وشنوا الحرب الجرثومية من جمرة خبيثة وجدري وكوليرا وتسميم للمرعى والماء . ولم ينج من كيدهم حتى حيوان "البافالو" الذي أبادوه لتجويع الهنود الحمر الذين كانوا يعتمدون على لحمه وجلده وعظمه بشكل رئيسي في الغذاء والمسكن وصنع أسلحتهم البدائية.
ولكن برغم ذلك فقد أفلحت السينما الأمريكية في ستر عورات الرجل الأبيض التاريخية من مجازر وحروب إبادة وتفرقة عنصرية بغيضة ، حين قدمته هوليود بصورة الإنسان المسالم التقي النقي الورع المتحضر الذي يبني ويعمر. في الوقت الذي قدمت فيه الهندي الأحمر كإنسان بدائي متخلف عدائي لا عواطف لديه ولا يرغب في التعمير والإندماج مع غيره .... ثم إتضح بعد ذلك أنه بريء من كل هذا.
وكذلك فعلت السينما الأمريكية بالإنسان الزنجي الذي جلبته من موطنه الأصلي في أفريقيا وإستعبدته وإستغلته أبشع إستغلال لمصلحتها . ثم ولستر كل هذه المآسي في حقه قدمته هوليود كحيوان تقريبا أكثر منه إنسان . فألصقت به كافة الصفات الدونية من غباء فطري وقذارة وميل للحقد والعدوان والسرقة والقتل والتخريب والتفكك الإجتماعي وبيع وترويج وإدمان المخدرات والدعارة .... ثم إتضح بعد ذلك أنه براء من كل ذلك ، وأن عصابات ومافيا المدن البيضاء هي التي تتزعم كل هذه الأنشطة الإجرامية والممارسات الحرام.
ولعل جميع من كان مواظبا على مشاهدة أفلام رعاة البقر والجريمة المنتجة في هوليود يدرك مدى هذا التأثير وغسل الأدمغة ؛ وكيف كان الجمهور يصفق بحماس للبطل الأبيض (الشريف) الذي لا يغدر حين يقتل (وجها لوجه) دستة ونصف دستة من الهنود الحمر أو الزنوج المتربصين به بغية إغتياله بإطلاق السهام أو الرصاص عليه في ظهره ...
ثم لعلنا نتذكر ونستدعي كيف كان جمهور السينما الساذج البسيط يتنفس الصعداء حين تحرق مجموعة من رعاة البقر (الكاوبوي) أو الجيش مضارب وخيام قرية هندية وادعة آمنة لأنهم يرفضون ترك أرضهم الغنية بمصادر الماء والمرعى أو النفط كي يقيم عليها الرجل الأبيض طرق مواصلاته ومشاريعه الصناعية ومستوطناته شبه العسكرية التي تحولت فيما بعد إلى مدن أو مزارع وحقول نفط للرأسمالية البيضاء الوافدة.
.....
كان الإعلام الأمريكي أقوى ولا يزال في الجانب النوعي ومساحة الانتشار من كافة وسائل الإعلام الأخرى في كل أنحاء العالم مجتمعة . ونجح من خلال ذلك في تمرير العديد من أجندته ومصالحه الذاتية الضيقة المفاهيم سواء من فوق الطاولة أو من تحتها وسط تصفيق البسطاء والعامة من الشعوب ..... وحيث لا ننكر أنه إستغل أيضا شهوة البعض للمال والثروة والنفوذ فجعل لنفسه عملاء محليين في كل بلدان العالم الأول والثاني والثالث والرابع إرتبطت مصالحهم به فأصبحوا من جملة أنصاره وجنوده الأشداء في مواطنهم يدافعون عنه دفاع المستميت.
........
وشيئا فشيئا كان لابد للنظام الرأسمالي أن يخرج لمواجهة أعدائه في الخارج بعد أن توسعت مصالحه وتشعبت وانتقلت إلى كافة أنحاء الدنيا الأربعة عبر ما يسمى بالشركات المتعددة الجنسية أو أجندة دينية أصولية يحملها المحافظون الجدد ومن خلال تحالفهم مع اللوبي الصهيوني والصليبية العمياء......
وكان جراء ذلك أن بدأت الحقائق تتكشف حول مدى بشاعة وقسوة الرأسمالية الأمريكية في هايتي وكمبوديا وكوريا وفيتنام عبر التدخل العسكري المباشر للهيمنة وإمتصاص دماء الشعوب ....
وبالطبع حاول الأمريكي من خلال إعلامه الطاغي على جري عادته تصوير نفسه خلال هذه الحروب بمظهر الشريف صاحب القيم والمثل والمعايير والأخلاق الإنسانية الرفيعة الحميدة والرغبة في إسعاد البشر .... بل وحتى المتدين إن لزم الأمر خاصة عند مقابلته للشيوعي عدوه التقليدي آنذاك.
ثم وبعد أن نجح عبر تحالفه مع أوروبا الغربية وبعض أنظمة دول العالم الإسلامي في تفكيك الإتحاد السوفيتي وإزالته من طريقه ؛ عمد إلى خلق عدو جديد من فراغ كي يظل محافظا على زخمه ومزاعم مقولاته بالحق في التدخل لتوجيه مصائر ومقدرات الشعوب .... فكان "الإرهاب الإسلامي الأصولي" هو هذا العدو الوهمي المختلق الجديد الذي وحين لم يجدوا لأنفسهم مبررات كافية لشن الحرب عليه دبروا وخططوا وورطوا بعض من أتباع القاعدة للظهور بمظهر الأبطال الرئيسيين في أحداث 11 سبتمبر التي جاءت إستنساخا لأفكار أكاديمية وحضارة هوليود .
........ وحيث تؤكد معظم التحليلات والدراسات المستقلة المحايدة أن السيرة الأكاديمية والخبرات لكل من تورط في هذه الأحداث بشكل مباشر لا يمكن أن تؤهلهم لتنفيذ هجمات 11 سبتمبر من دون مساعدة تكنولوجية داخلية لطرف ثالث عالية الخبرة والكفاءة ليس أقلها التوجيه الألكتروني للطائرة ؛ والتحديد الدقيق لزاوية إرتطامها بالمبنى لتحقيق أعلى كفاءة تدميرية ... وحيث لم يكن المشتبه بهم يظنون سوى أنها عملية إختطاف عادية لطائرات ركاب مدنية ليس إلا.
..............
وقبل أن يحل الدور علينا في منطقة الشرق الأوسط ؛ كنا نسمع بأخبار إعتداء الولايات المتحدة على فيتنام وممارسة أبشع وسائل القتل والإبادة والتدمير والتعذيب ... ولكن الإعلام الأمريكي نجح إلى حد كبير في التغطية والتعتيم . بل وحاولت هوليود من خلال عديد من أفلامها تصوير الجندي الأمريكي في غابات ومدن وأسواق فيتنام كأنه هو المظلوم المعتدى عليه رغم أن الجرم ثابت بتواجده الغير مبرر في أرض شعب آخر.
ولكن وكما يقال فليس السامع بقناعة الذي يشاهد ويعيش الإحساس في لحمه وعظمه ودمه .....
وسرعان ما اقتضت المصلحة أن يصل هولاكو العصر إلى أفغانستان ثم العراق وبدأت تتكشف حقائق مرعبة لدى الشعوب العربية والإسلامية .... بل وضج من هولها حلفاءهم وحتى عملائهم المحليين جراء إستخدام الولايات المتحدة لأسلحة الدمار والإبادة الممنهجة من قنابل تذيب حرارتها الحديد ولحم وعظم الإنسان والحيوان وتحيله إلى رماد في لحظات ... وإستخدام مكثف لليورانيوم المنضب سيء السمعة الذي بدأت تأثيراته السلبية تظهر واضحة في تشوهات المواليد الجدد من الأفغان والعراقيين وشمل أيضا دول الجوار ......
وبالطبع لن ينسى التاريخ أفاعيل "الديمقراطية والحرية " الأمريكية في سجون أفغانستان وأبو غريب ومعتقل غوانتنام ....وإدمان عناصرها على سبيل المثال إستخدام طريقة الإغراق الكاذب مع الأسرى كنوع فريد من أنواع التعذيب . وإلى نحو وصل الأمر حدا من الإدمان جعل أحدهم وبعد إنهاء خدماته وعودته إلى الولايات المتحدة يستخدم هذه الطريقة مع طفلته بغرض إخافتها ومعاقبتها.
..............
فهل بعد كل هذا يريدنا الإعلام الأمريكي وحضارته المادية البشعة أن نتفاعل معه ونصدق أكاذيبه من خلال تقديمه لبعض جوائز الأوسكار عن أفلام هدفها التملص من المسئولية التاريخية وسط إحتفالات غلب عليها طابع النزق والعهر والدعاية الرخيصة من مساحيق ونفاق ومزاعم بقناعات وممارسات لمثل وقيم وأخلاق إنسانية هي أبعد ما تكون لدى هذا المجتمع الذي تعبر عنه هوليود وتحاول جاهدة وصفه بما ليس فيه ؟
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة