أسئلة المفكر
ورهانات السياسي
بقلم : الدكتور نائل اليعقوبابي
.. ينطلق المفكر في سؤاله من العقل الذي يجعله نقطة بدئه ومجال حدوده , ربما يجهد نفسه في ايجاد الطريقة المثلى لايصال فكرته وتوضيح بيانه , الا انه لا يكترث كثيراً بعدد قرائه ومناصريه , مع أنه غالباً ما يخفي في سريرته رغبة في ان يصبح مشهوراً كأبطال الشاشات الصغيرة والكبيرة , وان يصبح معروفاً أينما حل وارتحل .
إلا أن ما بين رغبته الدفينة تلك وحقيقة نخبويته الواقعية يبقى ينوس بينهما راغباً في الأولى وقانعاً بالثانية , أما السياسي فينطلق في سؤاله من رغبة المفكر المضمرة وهي أن يزيد عدد انصاره ومحازبيه ويرفع رقم جمهوره ومصفقيه , لا يقف كثيراً عند جلاء الفكرة وبلورتها وتوضيحها لانه لا يرغب منه إلا ان تكون صلة الوصل بينه وبين مؤيديه , على عكس المفكر الذي تمثل الفكرة بالنسبة إليه غاية بحد ذاتها , يبقى يتأمل فيها , يزيد وينقص منها كما يسبر النحات تمثاله بعينيه في كل لحظة , واذا كانت الفكرة لدى المفكر مقدسة وغير قابلة للنقد أو النقص إلا بناء على أسس عقلانية محضة , فأن السياسي غالباً ما يراهن قداسة الفكرة بقدرتها على جلب أكبر عدد من الانصار , فهي تتغير وتتحول بل ويتبنى السياسي اليوم عكس ما دعا إليه البارحة , إن كان في ذلك حشد ارقام جديدة من الجماهير , المفكر ينظر على الانسان كذات مفكرة تتلمس باستمرار نصوع الفكرة وجلائها وتترقبها , أما السياسي فإنه يتعامل مع الجماهير كالكرة التي تتقاذفها ألسنة الخطباء كما في مسرحية يوليوس قيصر لشكسبير .
يترفع المفكر عن جمهوره الذي يصفه بالغوغائية والعشوائية والهمجية , أما السياسي فيقبل عليه ليندغم فيه وليتلمس رغباته ومتخيلاته في بنيتها ما يجعله ناطقاً باسمها ومعبراً عنها , واذا كان السياسي وفق التوصيف السابق نقيض المفكر , فهل تراه يلتقي النقيضان أم يجتمعان .
كان سعدالدين إبراهيم مدير مركز ابن خلدون الذي أقصته السياسة وحاكمته من أبرز من دعا إلي تجسير الهوة وردم الفجوة بين المفكرين وصانعي القرار في العالم العربي , فانتهى إلي أن ردم السياسي الفجوة على حسابه وعلى انقاض وجوده , فعاد السؤال أمن الممكن تجسير الهوة بغير ماتم على حساب المفكر وإقصائه .
ينبغي ان نذكر ان اشكالية المفكر والسياسي هي مختلفة كلياً عن جدلية العلاقة بين المثقف والسلطة ذلك ان السلطة في بنيتها لا تستمر ولا تكتمل إلا على وجود مثقفين يعتبرون دعاتها وحماتها , إلا اذا نفينا صفة المثقف عن هؤلاء وحصرناها بأولئك الذين يبدون رأياً معارضاً أو مخالفاً للسلطة كما يرغب ادوارد سعيد بذلك , إلا ان حصر المثقف بهذه الصفة يعطيه امتيازاً له وحده فحسب في حين ان هناك آخرين يحق لهم كسب هذا الامتياز وحيازته كالسياسيين المعارضين .
مهما يكن فجدلية المثقف والسلطة تقوم على ثنائية تبادل الأدوار , وهي مختلفة تماماً عن علاقة السياسي مع المفكر , اذ انهما لا يمثلان نقيضين متخالفين كما انهما لا يمثلان بديلين لبعضهما , يلعبان الادوار وفقاً لمتطلبات المرحلة . ان حاجز الفصل بينهما مختلف تماماً بحيث لا تكاد تبدو معه نقاط الالتقاء أو توجد , اللهم إلا في مراحل تعاون الضد وضده لتحقيق غايات مشتركة .
ولكن هل يمتنع تماهي الطرفين واجتماعهما , أو هل تدخل رغبة تجسير الهوة بين النقيضين في خانة المستحيل ؟
تنتفي الثنائية المفترضة بين السياسي والمفكر عندما يلغي كل منهما دوره ووظيفته ويذهب بغايته بعيداً عن نقطة البدء التي عليه ان ينطلق منها , فعندما يثبت المفكر عند فكرته ولا يعيد النظر فيها أو يعمل على تجديدها , بل يثبتها ويجعلها غاية الحلول ومنتهى العقول عندها تنتفي عنه صفة كونه مفكراً ليصبح مبشراً , يبشر بفكرته التي فيها خلاص العالم في حله وترحاله , لاينفك يكررها ويعيدها ويدلل عليها , اذ فيها ما افتقده البشر وبها تتحق الجمهورية الافلاطونية التي ما برح الانسان يحلم بتحقيقها .
والسياسي عندما يبتعد عن مجتمعه ولا يرى همومه أو طموحاته وآلامه , ويقف عند فكرته العقائدية والايديولوجيا ويناضل بها ومن أجلها , عندها يتحول السياسي إلي مبشر ولكن من نوع جديد , إذ انه يعتقد ان انصاره سيزدادون لانه ثابت على مبدئه التبشيري , لكنه لايدرك ان الانصار ينفضون عنه لانه لا يجسد تطلعاتهم , وانما يسقط اوهامه وتهويماته , عندها يتماهى السياسي والمفكر كلاهما في المبشر ويصبح هو الرجل المتنقل في لبوس السياسي أو في عباءة المفكر , لكنه أبعد ما يكون عنهما .
ويبقى بالامكان التوفيق بين المفكر والسياسي ممكناً اذا اشتغل كل طرف ضمن حدوده ووفق آلياته دون ان يدعى السياسي لنفسه القدرة على ضخ الأفكار وبلورتها , ولا ان يتبجح المفكر بقدرته وكفاءته على حشد الأنصار والمؤيدين فعلى كل منهما ان يعي حدوده كي يضمن سير التقائه مع الطرف الآخر .
لكن , ألايمكن أن يصبح المفكر سياسياً , او ينتهي السياسي إلي ان يكون مفكراً , ان الاجابة هنا ليست ممتنعة أو إيجابية على اطلاقها , لكن السياسي عندها لن يكون خالص السياسة ولا يبقى المفكر مخلصاً لفكره , إذ ستشوب كل منهما لوثات الآخر وشوائبه .
غير ان هذا لا يمنع ولا ينفي ان يتطعم كل طرف من حسنات الآخر ومزاياه حتى يرمم ثغراته ويرتقي بأدائه شرط ان لايشعر انه هيمن على المجالين وقادر على لعب الدورين , والاختلاط هذا يجب أن يكون ضمن حدود ووفق أطر خوف ان ينتهي كل منهما على المبشر فيعلن بذلك نهايته ويكون كالديك الذي أراد ان يقلد مشية الطاووس .
لذلك على السياسي ان يدرك باستمرار نقص امكانياته فيما يتعلق بضخ الأفكار الجديدة وتقديمها , وان يقتنع المفكر انه لن يتمكن بأن يصبح نجماً تلفزيونياً او بطلاً سينمائياً لان رغباته لا تتفق مع رغبات رواد الابطال والنجوم .
ان هذا عليه ان يدفعنا إلي تأسيس علاقة جديدة تقوم على الاتصال والانفصال بين الطرفين بما يضمن آليات الالتقاء ويحجب رغبات التماهي , وبذلك نكون قد ارتقينا من تجسير الهوة إلي التقاء الغايات التي مع وجودها يتحقق الخير العام وتضمن المصلحة العامة باستمرار امكان وجودها وتحققها .
yagobabi@hotmail.com
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة