مؤتمر جوبا وتحديات السودان الجديد الحلقة (5)
بعد نقاشنا للتحديات الثلاث السابقة وهى (1) كيف يحكم السودان (2) الاستفتاء على حق تقرير المصير لجنوب السودان (3) قضية دارفور , ننتقل اليوم لمناقشة التحدى الرابع , وهى من التحديات الاخطر على مرّ الحقب للحكومات السودانية المتعاقبة , والتى لاتتحدث عنها الاحزاب السياسية السودانية جهارة , ولكن تترجم أفعالها , أنها محور الصراع الحقيقى , بعيدا عن الشعارات المنمقة التى تطرح على الساحة , خاصة فى مرحلة ماقبل الانتخابات , الا وهى احتكار مفاصل أقتصاد البلاد , أو أقله الظفر بحظ وافر من الكيكة كما يرجرى تداولها .
التحدى الاقتصادى واشكالية الهيمنة :
لقد ظلت قضية صراع الكتل السياسية بالسودان حول الاستحواز على الموارد الاقتصادية للبلاد الهم الاكبر والحقيقى لجوهر الصراع السياسى , وأن كانت لاتتحدث جهارة فى هذا الموضوع , فالمتتبع لمسيرة الاحزاب السياسية السودانية منذ الاستقلال يجد أن هذا المحور هو المهيمن على حلبة الصراع الحقيقية , فوزارت القطاع الاقتصادى هى دائما التى تأخذ وقتا طويلا بعد كل أنتخابات فى تشكيل التحالفات ومن ثم اعلان تشكيل الحكومة , لان الفهم السائد هو أن الهيمنة على جلّ الموارد الاقتصادية يشكل الاساس لتأمين الموارد للحزب وحاشيته لتوطيد أقدامه على الساحة , وليس الهدف تنمية موارد البلاد وتطويرها بمايخدم عمليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية , ومن ثم الارتفاع بالمستوى المعيشى للسكان ومحاربة الفقر وتفشى الامراض ومحاربة الامية وتنويع مصادر الدخل القومى وتنمية الصادرات , من تلكم الشعارات البراقة التى يتغنون بها قبيل كل انتخابات , وما حال السودان اليوم الا ترجمة حقيقية لما أسوقه , فالبلاد بلغت مديونيتها الخارجية 35 مليار دولار , والقطاع الزراعى وهو أهم القطاعات الانتاجية بالاقتصاد السودانى يحتضر , والفشل يحاصره من كل جانب , ومساهمته فى الصادرات السودانية لم تتغير منذ عشرين عاما , ولم يستطع تأمين قوت الشعب السودانى الاساسى , وأصبحت وارداتنا من السلع الغذائية تفوق صادرتنا منها , وأنهارات المشاريع الكبرى , وتم بيع وحل العديد من المؤسسات والمشاريع , تحت مسميات شتى , الخصصة واعادة الهيكلة , ...الخ الى افراد لتجود الكفاءة والاداء , وبمسوقات أخرى عديدة اخرى , كل ذلك لبسيط الهيمنة على الاقتصاد , ولكن ماذا كانت النتيجة , أين ذهب شعار نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع , وهل لم يتححق الشعار لعجز فى موارد الدولة المالية , فهذا غير صحيح , وأين ذهب شعار السودان سلة غذا العالم , وهو الذى لايستطيع أن يطعم أبناءه , وتبعا لذلك قطاع الصناعة , فحدث ولاحرج , فبماذا يسهم القطاع الصناعى فى أقتصاد السودان , وأى نوع من الصناعات أصبح يهيمن على السوق المحلى ناهيك على الاقليمى أو الدولى , فالسكر مثلا , فرغم العديد من المنصانع التى أنشئت , ماهو حجم انتاجها فى قبالة حجم الاستهلاك , ولماذا هى الاخرى لم نستوردها من الخرارج حيث السعر أقل كثيرا من المنتج محليا , أسوة بالسكر الذى يجلب من البرازيل لتشغيل مصانع المشروبات الغازية حاليا , ولننتقل لام الاسافى , النظام المالى والمصرفى , فقد شهدت الساحة أفتتاح العديد من المصارف الاجنبية والمشتركة , وتم تصفية العديد من المصارف العريقة بالبلاد , والتى أقعد بها سوء الادارة خلال الحقب المتعاقبة والمحسوبية والفساد , حيث يتم توجيه التمويل لشرائح بعينها , وبأحجام ضخمة مقارنة بموارد البلاد المالية , ودون ضمانات علمية كافية , سوى ضمانة المحاسيب , والسؤال الاساسى , فى أى نشاط كانت توجه تلك الاموال , هذا مايملك الاجابة عليه بنك السودان والمصارف المعنية , ومانتاجه الا ماتترجمه القيمة الشرائية للجنيه السودانى , وهذا ليس فقط من نواتج مرحلة الانقاذ , وأن كان لها القدح المعلى فى نتاجه , وهنا نزكر جليا الصراع الذى دار فى هذا المحور أبان الديمقراطية الثالثة حول توزيع الحقائب الوزارية بين الحلفاء فى القطاع الاقتصادى , وقصة تصاديق وزارة التجارة المشهورة , وأقصاء وزير التجارة المشهور أبوحريرة (نحروه أم أنتحر ) وتعويضات اّل المهدى , وسيارات نواب الجمعية التأسيسية وقضية الاراضى وهلم جرا على حد تعبير السيد/ الصادق المهدى الذى أشتهر بها اذنذاك , أردت من سرد كل ذلك لتتنبه الاحزاب قاطبة وهى تتقدم نحو صندايق الاقتراع أن حصيلتها فى هذا المحور تاريخيا وعمليا , تجسد فشلا لايخفى على أبسط المواطنين , والكل عايش كيف يتم التصرف فى المال العام حينما يصل أحدهم للسلطة , فأقطاب الاحزاب يعيشون بيننا , وتغير احوالهم المعيشية بين ليلة وضحاها يعددها لكم رصفائهم , وعزائنا قوله تعالى (أنا عرضنا الامانة على السموات والارض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منهاوحملها الانسان أنه كان ظلوما جهولا) صدق الله العظيم , فهو يمهل ولايهمل , ويوم يقف كل واحد أمام العزيز الجبار وهو يحمل كتابه , ويقولون مالهذا الكتاب لم يترك صغيرة ولا كبيرة الا أحصها , أهل يزكر قادة احزابنا كل ذلك وهم يتعاطون المال العام ؟ لا أقول ذلك من باب التزكير ولكن ونحن مقدمون على لحظات تاريخية , علينا أن نغتم هذه السانحة لاعمال مصالحة اولا مع هذا الشعب الصابر , وأن يكفر الجميع عن أخطائهم فى حقه , وذلك من خلال الاعتراف بلاخطاء التى أغترفوها فى حقه , وأن يعلنوا الحرب على الفساد والمحسوبية , عسى الله أن ينزل الغيث مدرارا , بعد أن جفت الحقول , أستنادا لقوله تعالى (لايغير الله مابقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) صدق الله العظيم , وهذا لايتأتى الا بخطوات جريئة وشجاعة من خلال الارتفاع لمستوى الاحداث , وصياغة أسس عادلة قى توزيع موارد البلاد بين مختلف شرائح المجتمع ورسم سياسات مالية وائتمانية واقتصادية واضحة تعاج كافة أوجه القصور والتشوهات التى لحقت بأقتصاد البلاد , وليس التمادى فى الاخطاء , وقد أستوقفنى اليوم الاعلان عن تخصيص مبلغ ثمانون مليون جنيه من قبل ولاية الخلرطوم لمشاريع التشغيل الذاتى للخريجيين , وهنا أقول للوالى الخرطوم , وأنا والعيازب بالله من كلمة أنا , وبصفتى الرئيس الاسبق لاتحاد الخريجيين الزراعيين التعاونى بالسودان , أطرح عليه السؤال التالى , أين زهبت مشاريع الخريجيين الزراعيين التعاونية بالسودان , والتى عملوا على تأسيسها لسنوات تجاوزت العقدين من الزمان , أين أصولهم التى تتجاوز المئات من الملايين , أين سنوات عمرهم التى أفنوها وهو يجوبون الارياف والبوادى لتعميرها والتى شهدها الجميع , فى بوط وأبوسبيكة وأبونعامة والجبلين وهبيلا وأبوزمام والعيلفون واخيرا حوض المكابراب الذين أول من دخلوه ليعمروه عام 1986وكان لهم السبق يوم كانت الاحزاب كافة لاتعمر الا المدن , فأنتهكت حرمات اراضيهم وسلبت أصولهم , وهجروا قسرا , أن هذا الملف لم يأتى الوقت بعد لفتحه , ولكن كنا دوما دعاة أصلاح ولسنا مزايديين , وأن كان مشروع ولاية الخرطوم للخريجيين يصب فى أطار الدعايات الانتخابية فأن لنا ملفا متخما بقضاياهم , فأهل مكة أدرى بشعابها , فقطاع الخريجيين أزكى بكثير من التعاطى مع هذه الجوانب , وأكرر أننا فى لحطة الحقيقة هذه نتعاطى بقلوب وعقول منفتحة , وعلى الاحزاب كافة أن تدرك أنه أن الاوان للتعاطى مع القضايا الوطنية الملحة بروح المسؤلية الوطنية , وأن تنأى عن سياسة تكبير الكيمان المهترئة , فالحق أبلج , وأن قطاع الخريجيين اليوم , ليس قطاع الخريجيين عام 1986فهو يعيش أوضاعا مأساوية , والبطالة فى أوساطهم قد بلغت الزروة حتى نالت أقل شرائحهم وهم الاطباء , فلا مكان اليوم للمزايدات ولكن فقط للموضوعية والعقلانية والعدالة , وعودة لمحورنا وحتى نتصف بالموضوعية , فأن تناول هذا المحور وهو التحدى الاعظم وأس اّفات هذا البلد , يجب أن يتم تناوله فى اطار ملتقى جامع لمعالجته قبيل الانتخابات , وبمشاركة جميع الاطراف دونما أقصاء ولامزايدات , ومن خلال لجنة تحضيرية من زوى الخبرة والكفاءة لضمان فاعليته وهنا لانملك الا أن نشير لاهم محاوره :
أ – أعادة تقييم سياسة الخصخصة والهيكلة , واعداد اوراق عمل علمية لكافة المؤسسات والهيئات التى شملتها هذه السياسة
ب – التقييم العلمى لكافة المشاريع الزراعية الكبرى بالدولة والعمل على رسم خارطة طريق لتأهيلها وكيفية خروجها من النفق المظلم القائم الان
ج- مراجعة كافات السياسات الائتمانية ومن قبلها المالية بالبلاد , وتقييم عمل الكم الهائل من المصارف التى تعج بها البلاد , ومدى مساهمتها فى دفع عجلة اقتصاد البلاد , وخاصة التى جرى التصرف فيها وفق سياسات الخصخصة والهيكلة , وأثر المشاركات الاجنبية فى هذا القطاع على الاقتصاد الوطنى .
د –البرامج الاسعافية القصيرة المدى للتنمية الريفية ومن ثم مواجهة الفقر , وتشجيع الهجرة العكسية من المدن الى الريف .
ك – كيفية معالجة الترهل الوظيفى بمؤسسات الخدمة المدنية , وتضخم ميزانية الفصل الاول بالدولة على حساب الصرف على التنمية .
ل .معالجة كافة القضايا المتعلقة بالمال العام , والمعلقة بديوان المراجع العام وديوان الحسابات , ورسم معالجة عملية وموضوعية لاصحاب الاعسار الضخم بالمؤسسات التمويلية .
م – رسم سياسة وطنية مسؤلة لمعالجة قضية البطالة وخاصة فى أوساط الشباب والخريجيين بعيدا عن مزادات الكسب الحزبى الضيق الذى فاقم القضية , وينزر بشر مستطير .
ن – مراجعة قانون الاستثمار والعمل على رسم سياسة تؤمن للمستثمرين المحليين والاجانب مناخ صحى يدفع بعجلة التنمية المستدامة .
و – رسم خطط تنمية واقعية تتماشى والواقع المحلى والاقليمى والدولى , من خلال تحديد الاولويات الملحة على مستوى الامد القصير .
ختاما نرجو من الجميع الارتفاع لمستوى المسؤلية الوطنية , والنأى عن التجازبات الحزبية الضيقة , وتبنى روح المشاركة ونبذ مايفرق , والتعالى على الصغائر , والشعب السودانى أكبر من أن يغرر به من هذا الطرف أو ذاك , فقد جربهم جميعا , ولايحتاج لمن يبصره , وحتى نلتقى فى الحلقة القادمة بأذن الله
والله من وراء القصد
عاطف عبد المجيد محمد
الرئيس الاسبق لاتحاد الخريجيين الزراعيين التعاونى بالسودان
عضو الجمعية الدولية لعلوم البساتين – بروكسل – بلجيكا
عضو المنظمة الدولية لحق الغذاء – هايدلبرق – المانيا
الخرطوم بحرى – السودان
تلفون :00249912956441
بريد الكترونى :atifabdu1959@hotmail.com
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة