المؤتمر الوطني : الطموح والفشل وإقصاء الآخرين !
لعناية تجمع الأحزاب في جوبا / بقلم حاج علي
قبل أن ننخرط بين ثنايا مقالنا هذا نود أن نلفت الأنظار لمن يقرؤونه أو يمرون عليه كراماً مثلما يمرون على العناوين العريضة أو الرسومات الساخرة بأن الأمر ليس من باب المهاترات أو المساجلات السياسية التي تتولد أحياناً في مسرح الصراع السياسي أو القراع الفكري بقدر ما أنَّ ما سندونه حقائق موثقة منسوبةً إلى أصحابها المعروفين ممن ينتمون إلى تنظيم حزب المؤتمر الوطني والذين نحسب أنهم عقلاء بمعنى أنهم أصحاب أهلية كاملة ـ والكمال قطعاً لله ـ في امتلاك ناصية ما يقولون , وبما أنهم قد نصبوا أنفسهم ـ بشرعية أو بمشيئة أخرى ارتضيناها أم لم نرتضيها ـ ولاة أمورٍ وقادةً على هذا الوطن الكبير فلذا كان لزاماً عليهم أن يكونوا على قدر المسؤولية وأن يكونوا كذلك ذوو صدور رحبة لتقبل سياط النقد البارد منها و " اللاسع " , وهذا يمليه عليهم بلا شك واجبان : ديني ووطني , فأما الأمر الديني فإنكم مأمورون أيها السادة القادة بأن تحافظوا على الأمانات وأن تؤدوها إلى أهلها لا أن تأخذوا ببعض الكتاب وتضربوا عرض الحائط بما لا يخدم مصالحكم , وأن تكون الحكومة عدلاً على الشعب سواء بسواء لا أن تكون السلطة سيفاً مشهراً في رقاب الضعفاء ويعيث الولاة فساداً لا حسيب عليهم ولا رقيب , وكذا الحال فإن الواجب الوطني يحتم علي من يتولونَ أمور الناس الاستماع للرأي الآخر وإشراك كل من يمتلك الأهلية في مواطِن صنع القرار لا أن يُتعمد إقصاءه والسُخرية من دوره وإجهاض حقوقه التي يكفلها الدستور , إلا إن الواقع الذي نشهده اليوم وبخاصة بشأن من يسيطرون على السلطة وعلى وجه أخص قيادات حزب المؤتمر الوطني فإنه يعكس صورةً مأساوية وقاتمة بكل ما تحمل هاتين الكلمتين من حزنٍ ومعاني , فعندنا قفز هؤلاء الإسلاميين إلى السلطة زعموا أنهم نصيراً للشعب وعوناً له للخروج من ويلات الحرب التي هدت قواه , وانتشال اقتصاده الذي تهاوى سقوطاً بعد أن غرقت البلاد في بحر من الديون وهذا الإدعاء كان وما زال موثق في الخطاب الأول للرئيس البشير حين توليه الرئاسة في اليوم الأول من يوليو تموز من عام ألف وتسعمائة وتسع وثمانين وعندها كان سيادته شاباً ممتلئً بالثورة حتى أذنيه وحينها كنت لم تزل تنظر في محياه ذاك المحمد أحمد الذي يذكرك بملامح السوداني الأصيل , وبرغم إدراك السياسيين الفطاحل لهوية " الثوار " منذ فجرهم الأول إلا أنه كان هنالك قطاعاً معتبراً من جموع الشعب قد رحبت بمقدمهم وأكرمت وفادة ركبهم الميمون معللة أنفسها بأن يكون من بينهم مسيحاً عسى أن يملأ هذه الأرض عدلاً بعد أن أكلتها الأحزاب جوراً , هكذا كانت الصورة الأولى التي كتب الإسلامويون تحتها : " ثورة الإنقاذ الوطني " , كان اسماً لافتاً وشعاراً جاذباً وربما كان التوقيت الذي رُفع فيه هو العنصر الحاسم في ذاك الإقبال الجماهيري المميز , وقبل أن تدخل بيت الرئيس مثنى من النساء وتؤثر على جسده الذي أخشنته أحراش غرب النوير أعاصير القصر بتلك الرطوبة والنداوة اللتين اتصفت بهما , أعلن سيادته وفي خطابه المشار إليه بأن : " يُعطى الخبز لخبازه حتى لو أكل نصفه " , والآن وبعد عشرين عاماً قد عرف الشعب أو أولئك البسطاء الذي هللوا ساعتها بأن : " طلع البدرُ علينا " عرفوا الآن من هو ذاك الخباز المعني وكيف أنه قد أكل الخبز كله ولم يبقِ منه ولا فُتات , هذا من أمر ربان السفينة وهنالك أرباب أُخر لا يقلون ضراوة وشراسة وأن أمرهم أدهى وأمر سنتناولهم بشيءٍ من التفصيل في حلقاتٍ قادمة , إلا أننا نود أن نشير بالأرقام للمفارقات الحسابية بين أمرين هما : أولاً حجم الديون الخارجية لحظة وصول الإنقاذ للسلطة والآن , والأمر الثاني هو الحروب الأهلية التي طُويت صفحتها في الجنوب بضغوط عالمية وما تدور رحاه من إبادة وحريق في أطراف السودان اليوم , فعند استيلاء الإنقاذ على السلطة لم يكن ليتعدى حجم الديون الخارجية ستة عشرة مليار دولار أمريكي في أسوء تقدير وبعد عشرين عاماً دعونا نقرأ معاً ما تحفظه الوثائق في الفقرة التالية : ( وما لم يتوافر التخفيف اللازم لأعباء الديون , سوف يتعذر على السودان مواصلة تحمل ديونه الخارجية التي بلغت أربعة وثلاثين مليون دولار أمريكي تقريباً في ثمانية وألفين , معظمها الآن متأخر السداد " بما في ذلك الديون المستحقة للصندوق " ) , المصدر موقع صندوق النقد الدولي على الانترنت , وثيقة تحت عنوان : " السودان ـ مذكرة برنامجية , هذه هي النتيجة التي آلت إليها الأمور بعد عقدين من الحكم شمر خلالهما " ثوار " الإنقاذ عن سواعدهم لانتشال البلاد من وعكتها الاقتصادية التي أورثتها إياها الأحزاب ـ كما زعم الإنقاذيين ـ , فماذا كانت النتيجة ؟ , فبكل تأكيد هذه الأرقام المذهلة للديون تقابلها أرقام أخرى خرافية لسيل جارف من التفسخ المالي والفساد السلطوي بثوبه الإسلاموي القشيب , وكل هذا يكون دوماً ضحيته هذا الشعب الأعزل , وهو ما يؤكده ما يستشري من فاقة وأمراض وبائية ومزمنة وانحلالٍ اجتماعي مخيف وما يتصاعد من جرائم اختلفت نوعياً عما كنا نعرفه في الماضي من مثل عمليات السطو على المصارف والتهجم على أرباب الأموال والنصب والاحتيال بأشكاله المختلفة وزيادة على ذلك بيع الأعضاء البشرية الذي أضحى تجارة رائجة بين الشباب من الجنسين , وكل الذي نذكره وهو ـ قيض من فيض ـ يجسد حقائق ماثلة تتستر الدولة عليها أحياناً وتغض الطرف عنها في أحايينٍ كثيرة , لكنها أي سلطة المؤتمر الوطني يجنُ جِنانها حينما يتجرأ سياسياً أو صحافياً أو مفكراً بإبداء رأيه أو حتى سهواً يعلو صوته , فلبنى الحسين على سبيل المثال لم تقدم للمحاكمة لأنها ارتدت سروالاً ضيقاً ـ كما زعموا ـ لكن لأنها كانت تحمل بيدها عشرة أقلام هن أناملها اللائي لا يخطئن الحقيقة , وعلى ذلك قس ما تمارسه سلطة هذا الكهنوت من إرهابٍ وجرائم باسم المصلحة العامة حيناً والحفاظ على الأمن الوطني حيناً آخر , أما الحرب التي كان البشير وزمرته يخشون امتداد سعيرها حتى تخوم الخرطوم فهي الآن قد دخلته من أوسع بواباته فالسلاح الذي تمتلكه مليشيات حزب المؤتمر الوطني في بيوتها وأوكارها السرية المتناثرة في دهاليز العاصمة كل هذا يجسد سحابة كالحة الوجه وحالكة السواد ستغطي يوماً سماء الخرطوم حينما تؤذِّن ساعتها , ولعله عندما يحشو عضواً ممن ينتمون إلى حزب المؤتمر الوطني مسدسه داخل قبة البرلمان ليس ذلك إلا إنذاراً مبكراً لِما نشير إليه , أما المسرح الفعلي للأحداث الحربية وإن استطاعت اتفاقية السلام الشامل أن تكبح الرصاص فيه فقد استبدلته طموحات حزب المؤتمر الوطني بنيران أخرى صديقة لتحقيق مآربها بإثارة النعرة القبلية وهو ما تدور رحاه من قتال بين القبائل في الجنوب , وما يجري في دارفور بالقطع ليس من كيد الشيطان كما زعم النائب على عثمان أو أجندة خارجية كما يحلو له أن يردد ذلك , غير إنها حربٌ لها عواملها الموضوعية المبررة وإن بدت عشائرية أول أمرها أذكت نيرانها طموحات قادة المؤتمر الوطني الهدف منها كان ولم يزل استنساخ ديموغرافيا جديدة لبناء نسيج حزبهم المفترض بأن يكون الوريث الأزلي لحكم بلادٍ ظلت عصية دوماً على كل طاغيةٍ متسلط , وختاماً فإننا ننطلق من خلال ما عددناه من أوجه الطموح الفاشلة ـ على الأقل في هذين المحورين الأمن والاقتصاد ـ لهؤلاء الحكام الذي وسموا أنفسهم بقادة الإنقاذ الوطني لنقول أنهم لم ينجحوا إلا في أمرٍ واحد وهو إبراز طبقةٍ اجتماعيةٍ واقتصادية جديدة مرتبطة بالرأسمال الطفيلي الإسلاموي والتي يمثلها ما يُعرف بحزب المؤتمر الوطني وهي تسعى الآن جاهدة للإنفراد بالحكم الأزلي للبلاد تحت مظلة شرعية الانتخاب مستغلة في ذلك كل إمكانيات الشعب السوداني وعاملة في نفس الوقت على تشويه صورة كل الطيف السياسي الآخر ولا تتورع أن تستخدم في ذلك ـ أسمحوا لي ـ كل الأساليب القذرة ـ ولذا نرجو من القادة السياسيين والكتاب والمفكرين سواء ممن كانوا حضوراً أو مصادقين على ميثاق أو مواثيق جوبا أن يعملوا جادين بكل ما حبتهم الطبيعة من فطنة على فضح هذا الزيف الذي خيمَ ويريد أن يعسكر في البلاد ......
حاج علي ـ Wednesday, September 30, 2009
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة