بسم الله الرحمن الرحيم
السودان
تعدد موارد وندرة حقوق
د. طه بامكار
الاقتصاد هو علم الندرة ، أو بمعنى أوضح المشكلة في الاقتصاد هي ندرة الموارد المالية والبشرية المتاحة مقارنة للطلب غير المحدود عموماً . السلع والخدمات التي ننتجها من الموارد المتاحة غير كافية لإشباع غايات وحاجات الأفراد والجماعات غير المحدودة، فالإنسان بطبعه يريد أن يحصل على المزيد من كل شي وليست هناك نهاية لرغباته وتطلعاته وطموحه،والإمكانيات المتاحة لإشباع تلك الرغبات أيضا محدودة ونادرة ، لذلك يصبح من الضروري استخدام تلك الموارد استخداما اقتصاديا، بمعنى أن يتم إشباع الحاجات بأقل قدر ممكن من تكاليف تلك الموارد. بما أن مقدرات الدولة المادية والبشرية محدودة بالمقارنة مع الاستخدامات الكبيرة والمتعددة التي تتنافس على تلك الموارد النادرة ، ينبغي على الدولة أن لا تسرف في استخدام تلك الموارد النادرة باستعمالها فيما لا يفيد ، بل يجب عليها أن تحسن استغلالها وتوجيهها والاستفادة منها بأقصى قدر ممكن في تحقيق غاياتها الاقتصادية وأولوياتها القصوى .
طالما هنالك مشكلة اقتصادية أساسها الندرة فان التخطيط وتنفيذ التخطيط يصبح ضرورة اقتصادية لحل كافة المشاكل لاستشراف المستقبل البعيد،
يمكن القول أن المشكلة الحقيقية في الاقتصاد السوداني هي مشكلة تخطيطية في المقام الأول ، السودان به موارد ضخمة ولابد من تخطيط هادف وسليم للاستغلال الأمثل لتلك الموارد حتى يتحقق الاقتسام العادل للموارد في البلاد ، ليس على مستوى جيل اليوم فحسب ، بل على مستوى الأجيال القادمة.نعم السودان به موارد ولكن المشكلة هي الخلل في استغلال تلك الموارد لغياب التخطيط الهادف أو نتيجة لسوء تنفيذ التخطيط. مركزة التخطيط لكل المشاريع الضخمة وجعلها ضمن صلاحيات الحكومات الاتحادية، وعدم إشراك الولايات التي تقام فيها تلك المشاريع لأغراض التحكم في العائد الاقتصادي وتوجيهه اتحادياً أضر كثيراً بسياسيات الاقتصاد الكلى في السودان وساهم في اتساع رقعة الرفض للسياسات الاتحادية غير الموفقة في الولايات الطرفية .
غياب انتهاج سياسات كلية واضحة الأهداف والمعالم ، والخلل الواضح في التخطيط التنموي الذي تمارسه الحكومات الاتحادية ساهم كثيراً في عدم الاستغلال الأمثل للأراضي البكر من المساحات الزراعية الشاسعة والجبال الغنية بالموارد المعدنية، بالإضافة إلى الثروات في باطن الأرض كالبترول وغيره ، بجانب ثروات البحار والأنهار.
إن الساحل الطولي بالبحر الأحمر الذي يبلغ 740 كلم وحده كفيل بإنعاش الاقتصاد السوداني وذلك عبر إنشاء موانئ بحرية تفي بأغراض السودان والدول الأفريقية المجاورة التي ليس لها منفذ بحري مما يساهم في ضخ العملات الأجنبية بالإضافة إلى إمكانية استغلال الجانب السياحي لهذا الساحل بانتهاج سياسة اتحادية تدعم المجهود الولائي للإعلام والعرض السياحي بمواصفات عالمية للإسهام في انتعاش الحراك السكاني وتبادل الأفكار والخبرات مع العالم. إهمال تبنى سياسات اقتصادية جادة للاستفادة اقتصاديا من نهر النيل الذي يتدفق خيراً على مستوى طول مساحة السودان يظهر جليا في إهمالنا للتقنيات الحديثه لسياسات استغلال المياه وكيفية تطوير حصاد المياه لتكون دعماً موازياً للموارد الأخرى في دفع عجلة الاقتصاد الوطني. بالنسبة للتعدد الإثني وتنوع الثقافات يمكن أن يكون مصدراً من مصادر الاقتصاد وإضافة حقيقية للاقتصاد الوطني إذا التزمت الحكومة الاتحادية انتهاج سياسة عرض علمي منهجي يستوعب التنوع والتعدد الثقافي في السودان ليقابل رغبات العالم المتطلع لقراءة الحضارات والعادات والتقاليد لأغراض مقارنة الحضارات وسلوك المجتمعات والحراك السكاني .
كل هذه العوامل تعد ميزه نسبية وتحفز السودان ليكون رائداً وقائداً للعمق العربي والإفريقي وذلك بالطبع إذا تحقق السلام وشارك كل أبناء السودان المؤهلين في وضع السياسات الكلية للاقتصاد والتنمية أو التنمية الاقتصادية. إنفاذ اتفاقيات السلام يساهم كثيراً في وضوح المعالم الأساسية لتوزيع الثروة والسلطة ويمكن أن يتحقق إيقاف الاستنزاف في غرب السودان وجنوبه عبر الحوار والتفاوض مع حركات التمرد والمعارضة المسلحة .
تعدد الموارد مع استمرار ندرة الحقوق من أهم الأسباب التي تساهم في رفض الولايات الطرفية سياسة هيمنة الحكومات الاتحادية على الموارد القومية . هيمنة السياسة المركزية والاستئثار بالعائد القومي من الموارد والإيرادات يؤثر سلبا على العلاقة بين الولايات الطرفية التي تعانى التهميش والظلم وبين الحكومات الاتحادية المتعاقبة ، ويساهم في دعم اطروحات المعارضة التي تتبنى تلك الأفكار والادعاءات. من اجل حل هذه المشاكل أصبح من الضروري الوصول إلى منظورات بديلة ودراسة ومراجعة الاستراتيجيات القديمة وتحليل النمط الاقتصادي والسياسي السائد للحكومات المتعاقبة، ويجب أن لا يؤخذ هذا الاتجاه للتعبير أو الاستجابة للأنماط الجهوية السائدة بل هو عملية Process) ) تركز علي ميكانيزيمات التغيير، ويتضمن هذا تحولا من القبضة الاتحادية القوية والنافذة إلى مشاركة أوسع وأجدى من قبل الولايات، لتكون هنالك أرضية خصبة تقوى معاني السلام والوحدة الوطنية في إطار استغلال الموارد وعدالة توزيعها لتلبى طموح الولايات .
لكل ولاية في السودان أهميتها الاقتصادية والسياسية والأمنية وميزتها النسبية، ومن الأهمية تبنى سياسات اقتصادية كلية تلبى رغبات مواطني الولاية وتحقق نوعاً من العدالة في التنمية باعتماد سياسة التمييز الإيجابي وعبر تخصيص دعم اتحادي أكبر للتنمية الشاملة للولايات الأقل نموا حتى لا تكون هدف لإطروحات المعارضة التي تتبناها الدوائر العالمية والإقليمية والتي تتربص بالسودان وتحاول استنزاف طاقاته والنيل منه بدعم حركات التمرد المناوئ لحكومة السودان .
من الأهمية تبنى سياسة كلية تدعم التنمية الاقتصادية بالولايات عبر مساهمة المؤسسات الاتحادية التي توجد بكل ولاية. مثلا في ولاية البحر الأحمر توجد هيئة الموانئ البحرية وشركة ارياب للتعدين والجمارك وبشاير والمنطقة الحرة وغيرها من المؤسسات ،لذلك يكون من الثوابت ومن الضروري محاولة علاج قضية تعدد الموارد وندرة الحقوق عبر الحوار والتفاوض والاستعداد للإيفاء بالحق الدستوري والقانوني من المؤسسات والهيئات والمنشآت التي تدير المشاريع الضخمة بالولاية .
من الأهمية مقارنة الفجوة بين تعدد الموارد وندرة الحقوق بالولايات ، والتعرف على عدد المؤسسات الاتحادية التي توجد بالولايات ومدى مساهمة هذه المؤسسات في التنمية الاقتصادية بالولايات.ومن الضروريات القصوى تحديد نقاط الالتقاء ونقاط الخلاف بين سياسة القبضة القوية للمركز وندرة الحقوق والصلاحيات للولايات الطرفية .
الدولة التي تدير حواراً جادا حول الموارد وعدالة توزيعها يكون حظها في الاستقرار والأمن أوفر من تلك التي تعتمد سياسة القبضة الحديدية. مناقشة ندرة الحقوق بالولايات الطرفية أصبح واجبا وهو السبيل الوحيد للخروج من عنق الزجاجة... إن كنتم للنصح تسمعون.