مؤتمر جوبا وتحديات السودان الجديد الحلقة (3) :
ناقشنا فى الحلقتين السابقتين تحدى كيف يحكم السودان ؟ وتحدى الاستفتاء على انفصال الجنوب , وأود قبل الولوج للتحدى رقم (3) وما أكثر التحديات , أن أعلق على ماتناولته وسائل الاعلام من مختلف مواقف الفريقين , المشارك والرافض للمشاركة , وهذا ماتوقعته فى الحلقة الثانية , أى بداية المساجلات , فماعبر عنه د . كمال عبيد بقناة الجزيرة عن حزب المؤتمر الوطنى بقناة الجزيرة من خلال الحوار الذى ضم باقان أمون من الحركة الشعبية , أعتقد أنه فيه شىء من استباق الاحداث , فوصف المؤتمر بنيفاشا (2) يترجم روحا لاتتصف بالمرونة للتعاطى مع الحدث , صحيح ماذهب اليه من أن الاعداد شابه الكثير من أوجه القصور , خاصة بمايتناسب وحجم القضايا المطروحة , ولكن هذا لا يمنع من مساهمة المؤتمر الوطنى مع باقى المشاركين فى صياغة الخطوات التالية بشكل موضوعى ويدفع بأتجاه بلورة رؤية أكثر فاعلية لانجاح الخطوة , وبخصوص مشاركة بقية أحزاب حكومة الوحدة الوطنية فيمكن لهذه الكتلة بقيادة المؤتمر الوطنى أن تبلور رؤية متكاملة يعمل المؤتمر الوطنى على تبنيها والدفع بها لطاولة المؤتمر لاثراء الحوار بما يعمل على الاستفادة من كافة الاراء للوصول لمعالجات واقعية وعملية لهذه التحديات , ولكن الحديث عن مشاركة (60) حزبا مسجلا , فهذا أمر غير واقعى , فكان من باب أولى أن يطالب بمشاركة النقابات والاتحادات , العمال والمزارعيين والاطباء والمهندسين ...الخ , فهى بلا شك أكثر نضجا مما طرحه , ورغم مأّخزى على القوانيين التى تحكم تأسيس هذه التنظيمات , وعضويتها على ضوء ما عرف بالمادة (16) أ , والمعنية سابقا بالفصل للصالح العام , الا أننى أراها أحسن حالا من تنظيمات لم تكمل بعد مرحلة الفطام من الناحية التنظيمية , ناهيك عن تجربتها على الساحة السياسية , وهو ما أسميته فى مقالات سابقة بسياسة التقزيم , أما بالنسبة لباقان أمون وتعليله لحصر الدعوات على احزاب الاصل أو زات الفعالية , فأن الاختلاف والانقسام للاحزاب التقليدية أمر طبيعى وأفراز صحى وكان الاجدى بدعوة كافة الاحزاب المنشقة دون أستثناء , فالمؤتمر الشعبى منشق من المؤتمر الوطنى وعلى هذا قس على البقية , خاصة وأن نتائج المؤتمر سوف تخضع فى اخر المطاف لفلترة أقليمية ودولية , ولن تجد طريقها للتطبيق على أرض الواقع الا من خلال مباركات يدرك الجميع أن شأن السودان الداخلى أصلا لم يعد داخليا , ولكن باركنا خطوة انعقاد المؤتمر , لان فى التوحد تجاه القضايا المصيرية من قبل القيادات السياسية السودانية فى هذه المرحلة الحرجة يقلل من حجم الضغوط والارتهان , خاصة اذا خرج المؤتمريين بنتائج ترتفع لمستوى التحديات , ونأت عن المكايدات ومحاولة تصفية الحسابات الحزبية الضيقة , والاستفادة من هذه السانحة كمدخل حقيقى لحوار وطنى جاد يمليه واقع محفوف بالمزالق , ولازالت أعتقد أن على المؤتمر الوطنى والحزب الاتحادى الديمقراطى الاصل , أن يشاركوا فى المؤتمر مع أشقائهم وسوف تجد هذه الخطوة صدى طيب فى نفوس هذا الشعب الابى , ويثبتوا للجميع أنهم رجال دولة , وأنهم يرتفعون فوق الصغائر , وانهم لايرفعون شعارات التوحد والمشاركة زيفا , وأنما واقعا يسعى بين الناس , خاصة وأن ميثاق التراضى الذى وقعه المؤتمر الوطنى مع حزب الامة القومى , نص أحد بنوده على انعقاد هذا الملتقى الجامع بعد أربعة أشهر فقط من تاريخ التوقيع , فأين نحن من تاريخ التوقيع , لاشك أن عدم الالتزام بتنفيذ بنود أتفاق التراضى قد وضع مصداقية المؤتمر الوطنى على المحك , وهو ما ألقى ظلال كثيفة حول كافة الاتفاقيات التى عقدها الحزب مع كافة القوى السياسية منفردة , وهو مايجعل هذا المؤتمر بمثابة حراك جماعى بعد أن ثبت فعليا , ما كنا ننادى به دوما , من أن معالجة قضايا السودان بالتجزئة لن يفضى لمعالجات جزرية , وأن سياسة المحاور سوف تقود للانهيار , ورغم ذلك , وقبل فوات الاوان , يمكن الاستفادة من مخرجات تلك الاتفاقيات على علاتها , وتطوير الايجابى من محتوياتها ومعالجة أوجه القصور للجوانب السلبية , هذا اذاما صدقت النوايا , وتكاتف الجميع لمواجهة الوضع بتعقيداته التى باتت لاتخفى على أحد , فهل سوف نشهد مايترجم ارتفاع صوت العقل والحكمة , أم ستمترس الجميع فى خنادقهم , ونعود للمربع الاول , وينحدر السودان نحو السيناريو رقم (2) , ووقتها لن يرحم الشعب السودانى والتاريخ قادتنا السياسيين , الذين أوردوا البلاد الخراب والدمار .
نعود لمناقشة التحديات , واليوم نناقش التحدى رقم (3) الا وهو قضية دارفور :
ولمناقشة هذه القضية لابد من الرجوع بالزاكرة للوراء قليلا , فدارفور والى عهد قريب كانت تنعم بالسلام والامن , والتعايش السلمى بين كافة مكوناتها الاسنية , وهى مفردة دخيلة علينا , ولكن لابد من الحديث بلغة الالفية الثالثة , وأن كان هناك من منقصات وحالات هنا وهناك , فقد كانت عمليات محدودة تنحصر فى صراع حول المرعى والكلا ء , ولايحمل فى طياته أى ابعاد عرقية أو سياسية , ولكن ما الذى حدث , حتى اشتعلت المنطقة برمتها كالنار على الهشيم , فى فترة زمنية وجيزة , وكيف تحولت لصراع أثنى ومن ثم سياسى واقليمى ودولى ؟ أننى أختلف كثيرا من الذين يصغرون من حجم المشكلة , والتى ساهمت القوى السياسية السودانية بالقدح المعلى فى زرع بزورها دونما ادراك لما يمكن أن تتمخض عنه من نتائج , وهو عدم توقعهم فى حقيقة الامر لان تستغل نتائج مازرعوا من قبل القوى الاقليمية والدولية لمحصولهم , فقد كان خطأهم ولازال أن السودان هذا يعيش بتناقضاته الداخلية بمعزل عن تفاعلات الساحة الاقليمية والدولية , وهذا صحيح فيما يعرف بشمال السودان الى وقت ليس ببعيد , ولكن كما زكرت فى الحلقات السابقة , فأن ذلك العهد قد ولى , فتناقضات ومكونات أى مجتمع فى العالم اليوم يخضع لعمليات استقصاء دقيقة ودراسات متأنية وتصرف المليارات من الدولارات سنويا على مستوى العالم للالمام بهذه المعلومات , وهنالك متخصصون يدرسون ليل نهار ويتابعون بدقة كافة التطورات لحظة بلحظة , وقد يتسائل البعض , ولماذا كل ذلك ؟ , والاجابة أن اللالفية الثالثة جاءت بمفهوم التكتلات الدولية , وكل كتلة وليست دولة تسعى جاهدة وبكافة الوسائل لنيل حصة الاسد من الموارد ومناطق النفوز , وما تعرف بالدول النامية والسودان من بينها تعتبر من مناطق النفوز ومصادر الموارد , وليس من دول التكتلات , أى بأختصار شديد الضحايا والغنائم , فتقسيم التكتلات الحالية لايخفى على أحد , والا لماذا نشأت مجموعة العشرين أصلا , بعد مجموعة الثمانية , ولماذا اجتمع قادة القارتين الافريقية وامريكا اللاتينية بالامس فى فنزولا , لشعورهم وقد أعلنوه على الملا بأنهم اذا لم يتحركوا سريعا لمواجهة الموقف والتأسيس لتكامل فيما بينهم فهم ( مجموعة الضحايا والغنائم ) , كل ذلك يؤكد أن التعامل فى عالم الالفية الثالثة يتطلب دراسة جيدة للخطوات , وأن العشوائية واللامبالاة من قبل حكومات الدول النامية ستقذف ببلدانهم نحو المجهول .وبالرجوع لاسباب المشكلة نجد أن العناصر الاساسية تتمثل فى الاتى :
1 – التحول النوعى للصراع بين الاحزاب السياسية بالاقليم لكسب النفوز أبان الديمقراطية الثالثة , والتطور فى العمل على تسليح مليشيات تابعة لهم , وادخال الصراع لحلبة الصراع المسلح , أو على الاقل تهيئة الساحة لذلك , ويزكر الجميع اللغط الذى كان سائدا فى أواخر الديمقراطية الثالثة حول هذا الامر .
2 – ضعف الاهتمام من قبل كافة الحكومات المتعاقبة بقضية التنمية بالاقليم , شأنه شأن العديد من الاقاليم والمناطق العديدة بالسودان , والتى أطلق عليها لاحقا بالمناطق المهمشة , ونزكر هنا حجم تأثر تللك المناطق وخاصة فى مرحلة الجفاف والمجاعة الشهيرة عام 1984ويزكر الجميع (عيش ريغن ) وزيارة جورج بوش الاب وزوجته لاقاليم غرب السودان اّنذاك لتوزيع الغذاء , والحملة العالمية للتضامن (We are the world)والكم الهائل من الثروة الحيوانية الذى هلك , ولجوء البعض لملاحقة بيوت النمل فى مخزونها الاستراتيجى , كل ذلك لم يشفع لهؤلاء , فجاءت قضية ملابسات قضية أموال طريق الانقاذ الغربى لتزيد الطينة بلة , والذى دفع ثمنها سكان الاقليم من الاعتماد على السكر التجارى , فى قبالة توجيه الدعم للطريق , وهذه القضية التى لازالت الى يومنا هذا يلفها الغموض , وعدم الكشف عن ملابساتها ذاد الموقف تعقيدا .
3 – طريقة معالجة الانقاذ لقضايا السودان بالتجزئة , والميل لعقد صفقات ثنائية مع الفرقاء السياسيين , مثل قضية الجنوب , والامتيازات التى جنتها الحركة الشعبية من اتفاقية نيفاشا , من خلال انتهاج سبيل العمل المسلح , أدخل فلسفة جديدة فى معالجة قضايا الوطن , وهو أن العمل المسلح هو السبيل الامثل لحصول أى اقليم مهمش على حصة مقدرة من المكاسب , بل وتبنى نهج المظلة الاجنبية كراع لتلك الاتفاقيات هو شرط أساسى لبلوغ الاهداف , وهو الذى دفع بالكثيرين لاعتماد هذا النهج , ووجدت القوى الامبريالية فرصة ثمينة عملت على ترسيخها , ليصبح فى أخر الامر أن لاسبيل لعلاج قضايانا الداخلية دون التدخل الاقليمى والدولى , وهو ما يؤكده عدد جلسات وقرارات مجلس الامن الصادرة بحق السودان خلال العقدين الاخيرين , بجانب حجم القوات الاقليمية والدولية المتواجدة بالسودان , فأصبح من المسلمات أن حلول مشاكلنا السياسية رهين بالمجتمع الاقليمى والدولى .
4 – عدم الاستقرار السياسى بدولة تشاد , والصراع المسلح حول السلطة فى ذلك البلد ولعقود عدة , وحجم تدخل كافة الحكومات السودانية منذ عهد الجقبة المايوية فى الصراع فى تشاد , جعل من اقليم دارفور أحد ساحات بؤر التوتر بين البلدين , وساعد التداخل القبلى بين البلدين على المساهمة بقدر وافر فى الصراع .
5 – اكتشاف البترول بتشاد , والحديث عن وجود مخزونات بترولية مشابهة أو أن بترول تشاد ممتد اصلا من اقليم دارفور والدراسات التى أشار اليها دكتور فاروق الباز قبل سنوات , كذلك الحديث عن وجود عنصر اليورانيوم بالمنطقة , كل ذلك دفع بالقوى الدولية لتصعيد قضية دارفور حتى تجد منفذا ومسوغا لبسط نفوزها وهيمنتها على المنطقة عبر العديد من الاطروحات , وأن صدق الامر فسيدخل الاقليم فى مناطق انتاج عناصر تساهم فى أنتشار أسلحة الدمار الشامل , وهو مسوغ يستعصى معه حل القضية .
لكل ماتقدم نجد أن للقضية تعقيدات عدة وليست بالامر البسيط الذى يتحدث عنه الساسة , وأنه للخروج من هذا المأزق لابد للجميع الارتفاع لمستوى المسؤلية , والاعتراف بالاخطاء الجسيمة التى دفعت بهذه القضية لهذا المستوى , وأن أعتماد سياسة عقلانية من قبل الجميع واجب وطنى , والعمل على وضع خطة تنموية حقيقية للاقليم مؤمنة الموارد المالية تقف على رأس الاولويات , حتى تدفع بأبناء الاقليم بالثقة فى مصداقية القوى السياسية , وأن يتمتع أبناء الاقليم بقدر وافر فى أدراة شأن مناطقهم , وتقليل الظل المركزى فى هذا الشأن , ومشاركة كافة الحركات السياسية بالاقليم فى ادارة الاقليم كمرحلة انتقالية ترسخ من خلالها قواعد الثقة , وبمشاركة كافة القوى السياسية فى تسير دولاب عمل حكومات الاقليم , بما يؤمن عودة الاقليم للمساهمة بدور فاعل مع بقية اقاليم البلاد فى أحداث التنمية الشاملة , وحتى نقطع الطريق أمام توسع التدخلات الاقليمية والدولية بالاقليم , والا فالقضية مرشحة لتفاعلات أكثر تعقيدا يصبح معها الحل الوطنى بعيد المنال , ووقتها نجلس لنتحسر على ماجنت أيدينا , وحتى نلتقى فى الحلقة القادمة بأذن الله .
والله من وراء القصد
عاطف عبد المجيد محمد
الرئيس الاسبق لاتحاد الخريجيين الزراعيين التعاونى بالسودان
عضو الجمعية الدولية لعلوم البساتين – بروكسل – بلجيكا
عضو المنظمة الدولية لحق الغذاء – هايدلبرق – المانيا
الخرطوم بحرى – السودان
تلفون : 00249912956441
بريد الكترونى :atifabdu1959@hotmail.com
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة