هل يتحول الأزهر إلى فاتيكان المسلمين السنة
قوة وضعف السودان في ظل ثورة يوسف القرضاوي
6-8
المتابع للسياسة السودانية داخليا وخارجيا يجدها سياسة ناضجة وصادقة ورزينة وفيها التوكل على الله، ولكنها ما زالت قليلة الخبرة في فهم العقلية الغربية وأساليبها والأصعب لديها عدم خبرتها في كيفية الرد على الدول الغربية بأساليب ناعمة وقاصمة على طريقة الشطرنج وكش ملك.
التعامل مع السياسة الإقليمية والدولية يشبه لعبة الشطرنج، فتحريك أية قطعة من قطع الشطرنج له أثره الآني والبعيد وقد يؤدي إلى النصر أو الهزيمة في آخر المطاف. وأهل السودان يدركون جيدا بعد التوكل على الله يجب الأخذ بالأسباب – والأسباب ليست سوى إجادة لعب الشطرنج. بعد هذه الخلفية الضرورية لنرى ماذا يملك السودان من قطع يحركها تجاه الخصوم، مع العلم أنني لا أفرق مابين الدول الغربية والدول الخليجية، فهم خصم واحد ويلعبون معا بنفس القطع.
يجب على السودان أن يحقق إنتصاراته بما يحققه على الأرض وليس الإنتصار بالمجادلة مع الخصوم، بمعنى آخر دع أفعالك وما تحدثه من تغيرات على الأرض تتكلم بالنيابة عنك وتفحم الخصم وليس أقوالك أو تصريحاتك بالمجادلة معه، مع وضع الإعتبار لعامل الزمن، فسرعة الإنجازات مهمة لتكثيف عملية التغيير خاصة في مجرى الأحداث.
فمثلا الدورة القومية المدرسية العشرينية في دنقلا كانت رائعة بكل المقاييس للتعبير عن حقق إنتصارك على الأرض، ولكن كانت هنالك نقطة غائبة عن الجميع، ربما مستها مجموعة دارفور مسا خفيفا عندما أحضروا معهم بعض الشجيرات الدارفورية. يجب على طلاب الدورة التالية عمل التالي: في النهار يعملون، وفي المساء يحتفلون. كيف؟ لنضرب مثالا بإنشاء مدرسة ثانوية قومية. وعلى سبيل المثال: نحضر رسومات هندسية نموذجية لمدرسة ثانوية ملحق بها قسم داخلي مسبقا، ويعمل التخطيط لها في الموقع، ويجهز حفر الأساسات والإعمدة المسلحة الخرسانية beams، وتجهز الكمية المطلوبة من الأسمنت والطوب والرمل بالكامل الخ، وعند حضور الطلاب، يكون هنالك ثلاثة مهندسين مدنيين أو أكثر مشرفين وما يقارب عن ثلاثين عامل بناء فني ما يسمى عامل مسطرين. عمل الطلاب يكون كالتالي: الإصطفاف في شكل طوابير، يقذف أحدهم الطوبة للآخر حتى تصل لعامل المسطرين، ومجموعة آخرى من الطلاب تغربل الرمل، وأخرى تخلطه بالأسمنت وآخرى توصله لموقع عامل المسطرين..والجميع يعمل بسرعة شديدة، خاصة عامل المسطرين بحيث لا تتوقف الطوابير. في المساء يمكن للطلاب الإحتفال!! وفي تقديري في أسبوعين يتحصل الأقليم على مدرسة ثانوية قومية ملحق بها داخلية كبيرة!! المطلوب ما لا يقل عن عشرين مدرسة قومية على غرار خورطقت، وحنتوب الخ تبنى عند الحدود المشتركة للولايات وتستوعب الطلاب من كل السودان. بهذه الكيفية نتحصل على مدرسة قومية في ظرف أسبوعين!! ولا يمنع أن تعمل كل ثلاثة ولايات مجاورة دورة مدرسية مصغرة مشتركة تطبق هذه الفكرة، فتكون المحصلة عشرين مدرسة قومية في نفس السنة، وهو الأفضل، بينما الدورة القومية تعمل مرة في السنة! بعدها يمكن لهذه الدورات المدرسية المصغرة أن تشيد مستشفيات بنفس الكيفية. عموما، عند تشغيل هذه المدارس القومية يمكن لطلابها الداخليين لاحقا عمل الملاعب بأنفسهم، أو حتى عمل المزارع الحقلية المفيدة للداخليات من زراعة بستانية وخضرية وحيوانية الخ يطبقون النظري والعملي. هذا ما نعنيه حقق إنتصارك على الأرض، والإنتصارات ليست حصرا على إنشاء المدارس القومية، بل يجب تفعيلها على كل المستويات.
وعموما، هنالك للسودان ثلاثة كروت قوية يجب أن يلعبها السودان ويصعدها لحدها الأقصى. أولها، تصعيد معدل الأمن القومي بعدم دمج ريع البترول في الموارد المالية الأخرى لعمل ميزانية الدولة العامة من منصرفات جارية وتنمية الخ، ويجب فصلهما فصلا تاما. الأفضل أن تعتمد الميزانية العامة على نفسها أي على العملة الوطنية، وعلى مواردها المحلية بتقوية السوق الوطني والإنتاجية وتوسيع الوعاء الضريبي. بينما ريع البترول عليه أن يمر عبر ميزانية أخرى منفصلة ولكنها تصب ولا نقول تتكامل مع الميزانية العامة حتى لا تحدث إعتمادية. ريع البترول يجب أن يوظف حصرا في التنمية الصناعية مثل السلع الرأسمالية، والصناعات التحويلية ربطا بالزراعة أو الحيوان، والبني التحتية عامة مثل صناعة ماكينات الطوب وأجهزة التشييد، الطرق، وبناء المدارس المهنية والفنية، المصانع مثل الأسمنت والحديد، الخشب الخ، والمعامل، ودعم المخترعين الخ أي كل شيء يستجلب بالعملة الصعبة. فصل البترول من الميزانية العامة سيضع الجميع على حديد ساخن، وهو الأصعب، ولكن سيخلق إقتصادا حقيقيا. ولا يمنع من عمل "ملتقى أهل السودان الإقتصادي" مثل ملتقى أهل السودان بصدد دارفور، ولن يكون على حساب الخطة القومية أو على حساب الإستثمارات المباشرة الأجنبية – إذا تم إنشاء جهاز قومي يتابع كل كبيرة وصغيرة. لأنني ألاحظ أن التوجه الإقتصادي السوداني هو في تقليد دول الخليج من حيث النمط، بل كذلك تزداد الإعتمادية الإقتصادية على الإستثمارات الخارجية الخليجية، وهذا التوجه على المدى الطويل يرهن الإقتصاد السوداني في أيد أجنبية، ويفقد السودان قراره السياسي وعليه يجب تغليب الأمن القومي السوداني على أتفاقيات جامعة الدول العربية التي يتم تفعيلها الآن، لماذا ليس قبل عقدين من الزمان مثلا؟ فبعد إستخراج البترول السوداني تصبح هذه الإستثمارات لا معنى لها سوى الإختراقات. فأين كان تطبيق هذه الإتفاقيات العربية أو الإستثمارات الخليجية من الإعراب قبل إستخراج البترول السوداني؟ القضية واضحة للعيان، فعندما فهموا أن السودان ببتروله سيصبح قوة إقليمية سياسية وثقافية مؤثرة قد تؤثر في محيطه الإقليمي أنهمرت هذه الإستثمارات الخليجية. وعليه لا يغر السودانيون أنفسهم بأن السودان يمتلك ثروات طبيعية لكي يفسروا هذه الهجمة الإستثمارية الخليجية على أنها هجمة طبيعية، فهذه الثروات السودانية كانت وما زالت معروفة للقاصي والداني. ولتفادي هذه الإختراقات، يجب على التنمية الإقتصادية السودانية أن تأخذ عمقها الشعبي لتحقيق أكثر من بعد، البعد الأمني وعدم الإختراقات الأجنبية، وكذلك البعد التفاعلي. إذ لا فائدة في تنمية إقتصادية نكتشف معها بعد عقدين أو ثلاثة من السنين أن فوائدها أنحصرت في يد قلة من الناس بشكل إحتكاري تتسع معها الفجوة ما بين الأغنياء والفقراء، ومع هذه الفجوة يفقد السودان قراره السياسي – أنظروا إلى مصر هل يمتلك الشعب المصري قراره السياسي؟ أو ما حدث في لبنان، ألم يكن الصراع فيه حول من يمتلك القرار السياسي؟ إذن البعد الشعبي يجب أن يكون في صميم أي عمل إقتصادي، أي تطبيق مبدأ أن الإقتصاد يخدم حاجات البشر، وليس البشر لخدمة الموارد أو رأس المال.
الورقة الثانية هي إقتصادية ولكنها تتعلق بالجيران الأفارقة. شيئ جميل أن يقوم بنك عملاق في الخرطوم تحت مظلة دول الساحل والصحراء ولكن الأجمل أن يقوم بنك إقليمي آخر ضخم يؤسسه السودانيون أنفسهم لربط أحد عشرة دولة مجاورة أو لصيقة بالسودان على شكل النجمة يلعب فيه السودان الدور المركزي، ثم يكون التعامل ما بينها بالعملات الوطنية. وإذا أضفنا دولة جزر القمر يصبح المجموع أثنا عشرة دولة. أعتقد جازما أن تأسيس هذا البنك طبقا لمبدأ أنتصر بالأفعال وليس بالمجادلة هو الرد العملي على الدودة الفرنسية التي تتشدق بالمجموعة الدولية، وفي زعمها إذا ما كانت هذه المجموعة تقبل السودان أو عمر البشير عضوا فاعلا فيها أو من عدمه، هكذا هددت الدودة الفرنسية الرئيس عمر البشير. كما فهمنا منها على التلفاز أن على عمر البشير إرساء السلام في دارفور في غضون أيام وليس أسابيع، وإلا المجموعة الدولية ستفعل وستفعل. إرساء السلام في دارفور هو العنوان الحركي للإعتراف والتطبيع مع إسرائيل، وأن ينضم عمر البشير لركب المعتدلين ويترك طموحاته الإستقلالية، والقائمة طويلة الخ. على طريقة قل النبؤة وأعمل لها، فلا ندري هل أقنع ساركوزي عبد الواحد أو خليل بإفشال مؤتمر الدوحة، أو أنه غاضب لأن رئيس دولة جزر القمر قدم للدوحة بنفس طائرة الرئيس عمر البشير، وفي هذه الرحلة المشتركة من الدلالات التى تلقى ظلالها على اللعب الفرنسي في جزر القمر. تلوي الدودة الفرنسية كان المقصود منه إضعاف معنوبات رئيس الجمهورية، وفي تقديري كان من الخطأ مقابلته ولقد حذرت في إحدى مقالاتي أن الفرنسيين مخادعين ولا أخلاق لهم، فنفس هذا الساركوزي تعمد أن يذهب للسعودية في زيارة رسمية ومعه عشيقته! أليس هذا بإستهزاء بالقيم الإسلامية؟ ولكن عسى أن تكرهوا شيئا هو خير لكم – ما تواضع المؤمن حتى يرفعه الله، فلقد أثبت البشير أنه يفعل كل شيئ للإتيان بالسلام للسودان، وهذا ما فهمه الشعب السوداني فأجمع كلمته حول قيادته.
لا علينا من الدودة الفرنسية، فكرة البنك الإقليمي المركزي والتعامل بالعملات الوطنية في غاية السهولة، ولنضرب أمثلة: السودان أشترى (قطاع خاص أو عام) من أثيوبيا عشرين طنا من البن، السودان يدفع لأثيوبيا قيمة البن بالعملة السودانية، ولكن المبلغ المدفوع لا يخرج خارج السودان، بل يبقى في حساب جاري في الخرطوم لصالح أثيوبيا، وفي إمكان أثيوبيا بهذا المبلغ أن تفعل شيئين: إما إستثماره في السودان، أو أن تشتري به من السوق السوداني سمسم وتدفع قيمته من رصيدها بالعملة السودانية. أما المثال المعكوس، تخيل أن أثيوبيا أشترت من السودان عشرين طنا من البترول، تدفع لنا أثيوبيا بعملتها المحلية ولا تخرج خارج حدودها، ويوضع المبلغ في رصيد بنكي في أثيوبيا لصالح السودان، وفي إمكان السودان بهذا المبلغ أن يفعل شيئين: إما أن يستثمره في أثيوبيا، أو أن يشتري به المزيد من البن أو سلعة أثيوبية أخرى.
لتطبيق هذه الفكرة يجب عمل آلية بين الدولتين، وكذلك مع بقية الدول من الجيران الأثنا عشرة كل على حدة، لتسعير العملتين ثم إنشاء آليات آخرى تعني بكيفية حفظ القوة الشرائية لكل من العملتين في مواجهة معدلات التضخم في كل من البلدين. أما الفوائد لهذا النظام هي عديدة:
1) ليس من الضروري التعامل باليورو أو الدولار، فكل من الدولتين ليست في حاجة للإقتراض من البنك الدولي أو غيره لسد الفجوة في ميزان المدفوعات، أو خدمة الديون، أو سد العجز في الميزانية الخ.
2) بما أن السودان دولة بترولية، سيزيد إحتياطيه النقدي في البلدان الأخرى أكثر مما يكون لصالح الآخرين خصما على السودان. لا يمنع أن يتدرج السودان في سلعة البترول كسلعة إستثنائية كأن مثلا تدفع أثيوبيا 60% بالعملة الأجنبية بينما 40% بالمحلية، هذه النسبة قد تزيد أو تنقص على حسب البلد الآخر وحجم التبادل التجاري وحجم الإستثمار ما بين البلدين.
3) ستزيد معدلات الإستثمار في كل من البلدين، أي في إمكان مستثمر سوداني أن يستثمر في أثيوبيا (عدد السكان 80 مليون نسمة) يدفع رأس ماله بالجنيه السوداني في الخرطوم، ويستلم مقابله بالعملة الأثيوبية في أديس أبابا، والعكس صحيح. كل من المستثمرين لا يحتاجان للعملة الصعبة، وبشكل خاصة المستثمر الأثيوبي، لأن العملة الصعبة هي عنق الزجاجة لأي دولة غير بترولية. وبما أن السودان سيكون لديه أحتياطي نقدي أكبر في أثيوبيا بحكم سلعة البترول فإحتمال أن يستثمر السودانيون أو الدولة السودانية في أثيوبيا هو إحتمال أكبر، وهذا لا يمنع لأن هذه الإستثمارت ستزيد العلاقة السودانية الأثيوبية عمقا وتلاحما، بل تصبح هنالك علاقة أخلاقية من الدرجة الأولى إذا فكرنا في المجاعات التي تضرب أثيوبيا، ثم وداعا للحرب..!! ثم أي نماء إستثماري خارج السودان لدى الجار القريب لن يكون مفقودا، سينعكس على السودان بشكل أو بآخر، في حركة البضائع في الإتجاهين إذا فكرنا أن تعداد أثيوبيا 80 مليونا. فعلى سبيل المثال لا الحصر ماذا سنصنع بهذا الكم الهائل من القمح؟ لماذا لا تنشط في السودان مثلا صناعة المخبوزات مثل البسكويت وأشباهه وتصدر لأثيوبيا، وأريتريا، وجيبوتي وتشاد الخ؟
يجب أن نفهم أن النقود ليست هي غاية في ذاتها، لأنها يمكن صنعها أو إعدامها من قبل البنوك، بل الأهم هو تنشيط البشر في إتجاه التعمير والإنتاج وقتل الفقر والجوع وإنهاء البطالة.
4) بما أن دولة مثل أثيوبيا أو أريتريا يتتشابه شعبها مع شعب السودان في مسائل ثقافية عديدة حتى في مستوى الدخل، تصبح العلاقة متكافئة بشكل أفضل من علاقة السودان الإقتصادية مع دول الخليج. ونواصل.
شوقي إبراهيم عثمان
كاتب ومحلل سياسي
shawgio@hotmail.com
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة