إنه التيه الشامل
د. ياسر محجوب الحسين
التزوير الذي قامت به الحركة الشعبية على نطاق واسع وغير مسبوق في السجل الانتخابي لا يبشر بخير.. إن تغاضت الدولة والمفوضية عن ذلك التزوير البين والصريح فإنها تفتح الباب واسعا أمام تزوير الحركة الشعبية لإرادة الجنوبيين في الانتخابات بدون شك.. الجنوبيون الذين يرضخون اليوم لواقع اتفاقية نيفاشا التي أعطت الحركة الشعبية يدا طولى في الجنوب، ينتظرون الانتخابات لرسم خريطة سياسية جديدة قائمة على الأوزان الحقيقة للقوى السياسية في الجنوب، لكن التزوير الذي طال السجل الانتخابي في الجنوب يحبط هذه الآمال، والاحباط لاشك يولد العنف فتسيل الدماء انهارا.. الواقع الأمني الأليم في الجنوب الذي سارت بأخباره الرياح وضج به الكون سيكون مجرد (بروفة) لأي أحداث تنشأ بسبب تزوير الحركة لإرادة المواطنين.
لماذا تلجأ الحركة للتزوير؟ ليس هذا سؤالا صعبا أو محيرا، لأن الأسباب واضحة جدا، فالحركة الشعبية حصلت على وزن سياسي أكبر من حجمها وتضخمت بفعل اتفاقية السلام الشامل.. الجميع يعلم تماما تلك الحقائق لكن القناعة كانت راسخة بأنه وضع استثنائي ومؤقت ومرتبط بالفترة الانتقالية التي حددتها الاتفاقية.. لكن الحركة الشعبية التي تمسك اليوم بتلابيب الجنوب وتقف غصة في حلقه تريد استمرار هذه الامتيازات والحفاظ عليها وتخشى أن تفقدها في أول انتخابات نزيهة، فلم يكن أمامها إلا تزوير الارادة الشعبية.. وفي خطوة مبكرة واستباقية كان لابد لها أن تبدأ بتزوير السجل الانتخابي حتى لا تضطر إلى القيام بتزوير تقليدي يسهل اكتشافه وضبطه خاصة مع الاصرار على شفافية ونزاهة الانتخابات التي ستراقب دوليا بآلاف الأجانب ومئات المنظمات الدولية.
الحركة أيضا لم تثبت للمواطن في الجنوب أي نية حسنة تجاه اقامة المشاريع التنموية والخدمية.. فالوضع الخدمي كان أفضل أيام الحرب منه اليوم.. المواطن الجنوبي يرى الأموال تصرف في توافه الأمور بل في سبيل تدمير الأخلاق.. المدهش الذي عقد الألسن قيام حكومة الحركة الشعبية في الجنوب بناء مصنع بيرة بتكلفة 37 مليون دولار.. نعم ليس مصنعا للأدوية أو مدارس أو مستشفيات.. ومنذ عام (يستمتع) سكان جوبا بالبيرة.. هل يسيغ المنطق الرشيد والعقل السديد أن تذهب هذه الأموال لمزيد من تدمير عماد التنمية وهو الانسان الجنوبي، هذه التنمية التي وعدتنا بها الحركة الشعبية وأغلظت الأيمان أنها تقوم عليها لكننا لم نرَ شيئا.. لا جواب للتساؤل المرير سوى بيداء الصمت؟.
بخبرتي الحياتية المتواضعة أرى أن نذر الشّر والفساد تتطاير في الأفق وتتقدم باتجاه الزرع والضرع لتمحق البيادر والحقول.. خاصة وأن الحركة لم تفعل شيئا في الجنوب غير أنها عمقت من واقع التخلف وأضافت عامل القهر والاستبداد.. إنه التيه الشامل.
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة