الثقافة التخديرية
بقلم: الدكتور نائل اليعقوبابي
.. كل خطاب قولاً كان أم فناً أم أدباً غير متكامل الوقائع والتصورات ولا يلتزم الحقيقة ويجنح في الخيال إلى حد الشطح ولا يقدم تحليلاً منطقياً يوازي الحدث هو خطاب تخديري بالنتيجة، لأنه يلزم الانحراف والابتعاد عن الحقيقة ولا يحمل سمة الشحن الايجابي.
يقول أنجلز: (لقد كان بلزاك رجعياً في كتاباته ولكنه يقدم تحليلاً لزمنه أكثر تقدمية من كل من عاصره).
والشيء الذي أريد أن أؤكد عليه هو أنني لا أستنتج من فكرة التخديرية ما يستنتجه المتشائمون من عبث المشروع الحضاري مثلاً، إنني أؤمن بعودة الوعي وإعادة ترتيب المتفرقات على شكل آخر.. شكل يحتمل الانتصار إذ لابد من دفع الثمن للوصول إلى مراحل متقدمة. فالثمن مدفوع على أية حال.. فالبلادة كما الحركة تحتاجان إلى ثمن باهظ في الحالتين .
والتخديرية تجر ضياعاً، إذ كلما ارتفع صوت الخطاب الثقافي ازددنا ضبابية، ومن المؤكد مثلاً إن إعادة ملف الحوار الذي يعني معرفة الآخر بالنسبة لجميع الأصوات بمرجعياتهم المتباينة... هي ذات مشكلات عميقة أغنى بكثير من العلاقات المنقطعة.. إلا أن هذه المشكلات الناتجة عن فتح الحوار لا تحدث مأساة بحجم التخدير الذي ينطلي على أجيال عريضة.. ولذا علينا ألا نضع أنفسنا في حالة الهذيان والنشوة، يجب أن نعلم أجيالنا عدم الذهول أمام الأشياء الجديدة.. أن نعلمهم لغة الاستقبال الهادئ والمحفز لمسايرة حالات التطور في هذا الكون اللاهث لكل ما هو جديد... وهام... وقاتل أيضاً.
وهكذا فأنا أجمع المأساة ولا أقتطعها، وليس الأسلوب في مخاطبة الجهود سوى المجهود المزمع تشكيله أو بتعبير آخر (المحتمل الرجوع إليه).. إلى واقعية الإنسان ذاته والظرف المتغير ذاته، ومما لا شك فيه أن هناك محاولات جادة ومدروسة لعودة الوعي قد تندرج ضمن مصطلح (جهود يائسة) أو ثمة قلق يصعد ويتمادى.
وذلك لا يحدث إطلاقاً عبر التخديرات الفكرية والمقولات الخرافية والحوارات البيزنطية...
إننا يجب أن ننتبه لمسألة اكتساب الوسائل المادية في ظل توازن عاطفي.. إنه التفاعل بين الأوضاع والرموز، وما اللغة في حد ذاتها سوى تفاعل بين هذين العاملين، فالكتّاب والشعراء هم من مبدعي الرموز ولهم دور كبير في تجديد دماء المجتمع.. كذلك هو حال المفكرين.. والمثقفين ولابد أن نميز بين المصداقية والخيال... الخيال الذي أخذ يرسم واجباتنا دلالات كبيرة أو مفترضة.. ولكنها غير واضحة المعالم.. بمعنى أنها غير ذات واقع وهذا يعيدنا إلى مقولة انجلز (لقد كان بلزاك....الخ).
إن بعض كتابنا رجعيون في كتاباتهم كما هم رجعيون في تحليلاتهم.. رجعيون بقصد وعن غير قصد، قابعون خلف عناوين كبيرة ومهترئة، أكلتها عوامل التغيير الشامل حتى أنها لم تعد عناوين واضحة.. كتّاب.. ومثقفون غير قادرين على الانطلاق من قوة الفكرة ودلالتها إلى قوة التمعن في تلك الدلالات.
يقول ريتشاردفون ميس : (إن الفلاسفة متى ما تراءت لهم حقيقة علمية قاموا في المغالاة فيها وبدلاً من نقدها على ضوء الواقع يوسعون صلاحيتها ويجعلون منها قيمة خالدة وعقيدة ثابتة)
الأمور مرتبطة ببعضها... على السطحي أن يتنازل للجوهر وعلى الأوهام أن تنبطح أمام الواقع وعلى العقول المتيبسة أن تفسح المجال للمبادئ الإنسانية وذلك لمجاراة لغة العصر الحديث الذي ينبغي فيه على الإنسان السوداني أن ينزع عنه عقدة النقص حيال أي إنسان آخر ذلك لا يتم إلا إذا تساوى وإياه في كل شيء بالمشاركة الفعالة في هذه الحضارة العجيبة إذ لا يمكن للإنسان السوداني أن يتقدم خطوة واحدة في طريق التحرر من عقدة النقص التي تلازمه إلا إذا آمن بالعلم الإيمان المطلق وأن يقترن السعي من أجل العلم واللحاق بركب الحضارة بالسعي من أجل اختصار المسافات وضغط الزمن. إننا بقدر ما نظهر مفاهيمنا ونعتد بها بقدر ما نلزم أجيالنا باستشراف القوة المعنوية للواقع المفترض وبقدر ما نطرح من توقعات نأمل بها تغيير الواقع بقدر ما نتبنى فكرة الخلاف في الرأي.
إننا مع الشحن الايجابي كما أننا مع التصورات الواقعية بل شديدة الواقعية.. مع الهدوء المتمعن، مع الانتباه العلمي... مع معرفة الإمكانات وسقف القدرات ولسنا مع الصمت أو المغالاة التي تأخذنا في فلتة الحماس لتلقينا بعدها في سقوط مشين.
yagobabi@hotmail.com
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة