سيناريوهات تحالفات القوى السياسية فى الانتخابات القادمة
زين العابدين صالح عبدالرحمن
لم تخلو اجندة القوى السياسية السودانية من بند قيام تحالفات بين بعض القوى السياسية فى الانتخابات القادمة حيث الاعتقاد السائد اذا تمت التحالفات خاصة بين قوى المعارضة "تحالف جوبا" سوف يزيد من فرص فوز المعارضة الامر الذى يؤدى الى تحجيم سطوة المؤتمر الوطنى ثم تدحرج عجلته الى مقاعد المعارضة فى ظل انتخابات حرة و نزيهة و البحث عن تحالفات بين القوى السياسية قبل الانتخابات تعتبر قضية غريبة فى عملية الممارسة الديمقراطية لان الانتخابات هى الساحة الوحيدة التى تقيم فيها القوى السياسية نفسها وقبولها و قبول برنامجها عند الجماهير و التحالف القبلى للانتخابات ليس الغرض منه تنمية الديمقراطية و ترسيخ مبدا التبادل السلمى للسلطة بين القوى السياسية انما الهدف منه هو التكتل بهدف اسقاط الحزب الحاكم او تغير المعادلة السياسية فى الساحة و هى عملية ليست لها اية علاقة بتنمية و ممارسة الديمقراطية و لان تحالف الانتخابات سوف يكون بين قوى سياسية متباينة فكريا و سياسيا فانه لا يستمر لمدى طويل حتى اذا كان محكوم ببرنامج سياسى و المثل امامنا تحالف القوى السياسية فى المعارضة " التجمع الوطنى الديمقراطى " الذى قبر بعد اتفاقية السلام او " تحالف جوبا" الذى ولد بسبب خلافات الشريكين بعد اتفاقية السلام و الذان فشلا حتى ان يطورا مفهوم و ممارسة الديمقراطية ليس داخل التحالفين فقط بل حتى فى اية مؤسسة كانت مرتبطة بذلك التحالف و هو يعد هروبا من معرفة النتيجة الحقيقة لراى الجماهير فى كل حزب على حدى.
و القوى السياسية جميعها لا تستبعد ان يكون هناك تحالفا قبليا بينها لخوض الانتخابات و فى ذات الوقت يبحث المؤتمر الوطنى عن تحالفات مع قوى سياسية رغم تاكيد قيادته المستمرة انهم سوف يكسبون الانتخابات القادمة حيث اوردت جريدة اخر لحظة فى عددها الصادر يوم الجمعة 8\1\2010 ان قيادى بالمؤتمر الوطنى فضل حجب اسمه قال "ان التحالفات فى الانتخابات واردة مشيرا الى تحالفات بين المؤتمر الوطنى و الحركة الشعبية اذا حسمت القضايا المتعلقة بينهم او تحالف بين المؤتمر الوطنى و حزب الامة القومى او الاتحادى الديمقراطى الاصل" و هى رغبة متوفرة عند كل القوى السياسية دون استثناء الطامحة للسلطة او المدافعة عنها.
و ليست بعيدة قضية التحالفات القبلية فى الانتخابات عن الشريك الاصغر فى السلطة "الحركة السعبية" و لكن تحالفات الحركة ليست مثل غيرها من القوى السياسية انما هى محكومة بتوازنات و حسابات دقيقة جدا تضمن التنفيذ الكامل لبنود اتفاقية السلام الشامل و لا تخل فى المستقبل بالمكاسب التى حصلت عليها وفقا للاتفاقية و خاصة قضية الاستفتاء على مصير الجنوب فى عام 2011 و تسهيل جراءات الانفصال اذا اختاره شعب الجنوب ثم الاتفاق على الحدود و مناطق الرعى و المياه و البترول و الديون الدولية وغيرها من مستحقات الانفصال و بالتالى لم تكن قضية التحالفات غائبة عن قيادة الحركة الشعبية حيث قال السيد ياسر عرمان نائب الامين العام و مسؤول قطاع الشمال فى الحركة الشعبية فى المؤتمر الصحفى الذى عقده يوم السبت 9\1\2010 " ان الحركة الشعبية ستدرس التحالفات الانتخابية مع القوى السياسية كافة بما فيها المؤتمر الوطنى" و مهما كانت تحالفات الحركة مع القوى السياسية فانها لن ترض سقوط المؤتمر الوطنى حتى تضمن تنفيذ اتفاقية السلام و تسهيل عملية الانفصال بسبب ان المؤتمر الوطنى محاصر و يتعرض لضغوط من قبل الدول الغربية و الولايات المتحدة لتنفيذ كل بنود اتفاقية السلام و عدم النكوص بها الامر الغير متوفر فى القوى السياسية الاخرى و مهما كانت رؤية الحركة عن المؤتمر الوطنى فهى اول من يشهر سيفه دفاعا عنه و عن استمراريته فى السلطة حتى تتم عملية الاستفتاء و ربما يكون قلب الحركة مع قوى المعارضة و لكن سيفها مع المؤتمر الوطنى و لن ترض الحركة بسقوط المؤتمر و مغادرته لمؤسسات الدولة قبل ان تتم مستحقاتها و الذى تقوم به الان ياتى فقط من باب الضغط و التطويع لكى تحصل على تنازل اكبر.
والحركة الشعبية تقع فى اشكالية مع حلفائها فى الغرب و الولايات المتحدة الامريكية الذين يريدون من الانتخابات القادمة تقليص و تحجيم سلطة المؤتمر الوطنى و هولاء يرغبون فى تحالف عريض بين القوى السياسية السودانية المعارضة حتى يستطيعون كسب دوائر عديدة لتقليص سلطة المؤتمر الوطنى فى المستقبل حتى انهم لا يخفون استعدادهم من اجل دعم مثل هذاالتحالف و خاصة اذا نجح تجمع المعارضة فى الاتفاق على مرشح واحد لرئاسة الجمهورية و اسقاط ممثل المؤتمر الوطنى السيد عمر حسن احمد البشير المطالب من قبل المحكمة الجنائية الدولية حيث تعتبر الدول الغربية و الولايات المتحدة ان اهم موقع هو الرئاسة المنوط به تشكيل الحكومة و لديه سلطات كبير فى الدستور و تعتقد الدول الغربية ان عدم انفراد حزب واحد بالسلطة فى السودان من مصلحة الديمقراطية و هو الذى يقود لتفاهمات تشكل الحد الادنى بين القوى السياسية الامر الذى يضعف الخطاب الدينى من جهة ثم يفرد مساحات واسعة للقيم الديمقراطية و الليبرالية لكى تستوطن فى المجتمع السودانى و خاصة ان السودان يقع فى موقع استراتيجى يربط بين افريقيا و دول الشرق الاوسط كما انه فى مركز القوس الذى يتحرك فيه تنظيم القاعدة من المحيط الهندى الى شمال افريقيا على المحيط الاطلنطى كما تعتقد الولايات المتحدة الامريكية وبعض الدول الغربية فالانتخابات هى فرصة كبيرة لقوى المعارضة اذا تضافرت جهودها ووصلت الى تفاهمات فيما بينها حول حسم قضية المرشحين و لكن الامر رغم ان الحركة لا ترفضه و تقبله ولكن يشكل لها هاجسا ان الاتفاقية ربما تجد عوائقا غير متوقعة اذا جاءت قوى سياسية جديدة على سدة الحكم فافضل لها المؤتمر الوطنى الذى عرفت كيف تتعامل معه كما ان العالم الغربيى يؤازرها ضده.
و القوى السياسية السودانية قد مارست التحالف فى الانتخابات من قبل فى دائرة واحدة فقط هى دائرة الصحافة التى كان مرشح فيها الدكتور حسن الترابى زعيم الجبهة الاسلامية القومية حيث قررت القوى السياسية التنازل لصالح مرشح الحزب الاتحادى الديمقراطى "حسن شبو" من اجل اسقاط الدكتور الترابى و قد نالت ما هدفت اليه و لكن ذلك لم يغير شيئا فى المعادلة السياسية و لم يحرم الدكتور الترابى من ممارسة العمل السياسى او المشاركة فى الحكومة بعد الانتخابات ثم ان العملية نفسها كانت لها مردوداتها العكسية فى مستقبل الديمقراطية فى البلاد حيث ادت الى التأمر و اسقاط النظام الديمقراطى و التحالفات القبلية تفرضها حالة الغضب التى تستوطن السياسيين من جراء النظام الحاكم او مؤسساته و عدم انصياعه لمطالب المعارضة الامر الذى يدفعها الى التكتل ضده محاولة للاسقاط فقط و ليس من اجل الديمقراطية.
فى الدول الديمقراطية العريقة دائما تسعى القوى السياسية و خاصة الجديدة الدخول فى الانتخابات منفردة لكى تتعرف على راى الجماهير حول مشروعها السياسى و لا يخيفها اذا سقطت فى الانتخابات لانها تريد فعلا ان تتعرف على حالها فالنجاح سوف يدفعها لكى تزيد من مساحات عملها و لمزيد من العطاء و الفشل يجعلها تراجع ذاتها و برنامجها و تستقيل القيادات التى كانت تقود الحزب فى الانتخابات لكى تفتح المجال الى قيادات جديدة تستطيع ان تعالج الاخطاء و تقدم برنامجا افضل تجذب به قطاعات اوسع من الجماهير اما فى حالة السودان فالسقوط ليس سببا مهما يدفع القيادات لكى تستقيل من مواقعها انما تحاول ان تبحث عن تبريرات و شماعات الكى تعلق عليها عملية الفشل و تستمر فى المناصب حتى يحول بينها و بين ذلك الموت و هى ماتزال تردد الشعارات الديمقراطية و من خلفها جوقة السلطان.
دائما تاتى التحالفات بعد نتيجة الانتخابات و تبدا اجراءات تشكيل الحكومة الجديدة اذا لم تتوفر الاغلبية المطلوبة الى احد الاحزاب او اذا كانت الاغلبية ضعيفة تهدد الحكومة بسحب الثقة فى اية وقت و تريد الحكومة ضمانات الاستمرارية لذلك تبحث عن تحالف يضمن الاغلبية المطلقة او المريحة لان فى تلك البلاد ممكن ان يعارض بعض نواب الحكومة حكومتهم فى بعض الاجراءات التى تريد الحكومة تطبيقها اذا كانت تخالف الدستور او تخالف راى المواطنيين فى الدائرة و فى هذه الحالة سوف يقف النائب مع مواطنيه و ليس مع الحكومة و هى ممارسات بعيدة عن حالة السودان الان.
و التحالفات القبلية للانتخابات بين القوى السياسية " تحالف جوبا" غير متوفرة شروطها الان لانها قوى متباينة فى اطروحاتها السياسية و الفكرية و قد جمع بينها فقط هو كرهها للمؤتمر الوطنى و كان السيد محمد ابراهيم نقد السكرتير العام للحزب الشيوعى قد كرر القول ان القوى السياسية ممكن ان تتحالف فى بعض الدوائر و ليس كلها و هو نفس اتجاه السيد الصادق زعيم حزب الامة القومى و لكن الاحزاب الاخر تريد تحالفا فى كل الدوائر ضد المؤتمر الوطنى ليس بسبب اسقاط المؤتمر الوطنى انما التحالف سوف يستر عورات تلك الاحزاب التى تعانى من الدعم الجماهيرى و بالتالى هى تحاول ان تتعلل بقضية التحالف كما ان اعلان بعضها للترشيح لرئاسة الجمهورية دون مشورة بعضها البعض يؤكد كل منها يحاول ان يجعل الاخرين امام الوضع الراهن و تعجيل المؤتمر الشعبى بترشيح السيد عبدالله دينق نيال جاء لمعرفة الحزب ان جماهيره المتدينة لن تعطى صوتها غير المسلم او يسارى اذا اتفقت القوى المعارضة على التحالف القبلى لخوض الانتخابات كما ان قرار حزب الامة الاصلاح و التجديد للسيد مبارك الفاضل المهدى الهدف منه التوريط و الالتزام الاخلاقى حتى لا يتركهم فى معمعة الانتخابات و يكر راجعا الى ابن عمه و خاصة انه اول من ايد مبادرة السيد الصادق بوحدة الحزب و لملمة اطرافه.
اذن رغم الرغبة الجياشة فى صدور العديد من المعارضين لقيام تحالف قبلى لقوى المعارضة تخوض به الانتخابات ضد المؤتمر الوطنى الا ان فرص نجاح مثل هذا التحالف غير واردة و اذا حدثت سوف تكون فى دوائر محدودة فقط تحاول قوى المعارضة ان تستهدف بها بعض قيادات المؤتمر الوطنى التى " يطلق عليها الصقور" لكى تفتح نفاجات للتفاهمات السياسية فى المستقبل مع حزب لمؤتمر الوطنى.
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة