العقوبات والمعونات الدولية....أيهما أخطر
د. طه بامكار
للمعونات والعقوبات حقيقة واحدة، ومسار واحد تنطلق منه فكرة واحدة، تحكمهما فلسفة واحدة تعبر عن رؤية محددة "للآخر" أي للدول موضع التعامل.هذه المعونات والعقوبات تنشأ معها علاقات دولية وتدخل في تفاعل سياسي سلبي أو إيجابي مع (الذات)، كذلك تهدف المعونات والعقوبات إلى تحقيق غاية ومقصد واحد، وهو أحداث التغيير في "الآخر" وتطويعه ليستجيب لمصالح (الطرف المُعِين أو المُعاقِب) ويحقق أهدافه ، وأيضا تتفق المعونات والعقوبات في الأثر والنتيجة، إذ أن آثارهما في المحصلة النهائية واحدة، والشيء الوحيد موضع الاختلاف هو ظاهرهما، إذ انه متناقض فأحدهما عطاء، والآخر منع، والأول ثواب، والثاني عقاب، أحدهما تفاعل، والآخر تخاصم وتنابذ وتقاطع، ولكن هذا الاختلاف هو اختلاف مظهر وليس جوهر يتعامل مع الإشكالية في مظهرها، أما التحليل العميق لهما يجعل من هذا الاختلاف خلاف في الوسائل لتحقيق نفس الهدف، واختلاف تعبير عن فكرة واحدة ، أو هو نوع من الترجمة لنص واحد بطريقة مختلفة في الحرف والكتابة. وفى السياق التالي نستعرض أهم آثار العقوبات والمعونات في إعاقة عملية استقلال الدولة أو أفول سيادتها.
· محاولات القضاء على الوجود:-
تؤدى العقوبات الاقتصادية إذا ما طبقت بصورة حازمة إلي القضاء على الوجود المادي للمجتمع، ولو بصورة تدريجية كما في حالة العراق، وغزة والسودان وإيران.... حيث يتجاوز من ماتوا في العراق بسبب العقوبات أكثر من مليونين ومن سينشئون شبه موتى أضعاف هذا الرقم, ومثلهم في غزة وأفغانستان وهذا ليس أثراً غير متوقع أو لم يرد بخاطر واضعي سياسة العقوبات الاقتصادية إذ أن فلسفة العقوبات ذاتها تقوم على الإبادة الجماعية البطيئة للدولة المستهدفة، ذلك لأن خسائرها غير موجودة أو تؤول الي الصفر بالنسبة للدولة الفارضة للعقوبات، وهذا ما يجعلها أفضل وأيسر من الحرب لأنها تحقق نفس هدف الحرب دون خسائر في الطرف الفارض للعقوبات، وقد أطلق مراقب ألماني يدعي "وودرو ويلسون" عندما تم تضمين العقوبات الاقتصادية ضمن ميثاق عصبة الأمم، أطلق عليه اسم "العلاج الفظيع" قائلاً إن العقوبات الاقتصادية واحدة من أدوات القتل الجماعي. إذ أن القوة الضاربة ودافع الإرادة، والمهارة التدميرية لدول برمتها تتركز في سفن ضخمة، وفى ملايين المحاربين لإبادة مقاطعات ولكنهم لا يستطيعون تدمير بلد بكامله، غير أن سفينة حربية واحدة تحاصر دولة ولا تشاهد في مواقعها البعيدة تستطيع نشر الجوع والبؤس في قارة كاملة.
أما المعونات فإنها تحقق نفس الهدف وان أبقت على الأبدان والأجساد ولم توردها مورد الردى والموت، لأنها تؤدى إلى فقدان الإرادة، والمقدرة الذاتية، والقدرة على الفعل، وعلى التحكم في المستقبل وتنشر قيم الاتكال العلمي والتقني وسط الدول المستهدفة، وتنشر قيم السلبية وافتقاد روح المبادرة وتحول المجتمع إلى مجتمع لا يستطيع الاستغناء عن الاستجداء( الشحتة)، وانتظار الصدقات، وقد صدق "هانز ج. مورجانثو" عندما اعتبر الدول المتلقية للمعونات دول من الكسالى والشحاذين، وساواهم بالكسالى والشحاذين في المجتمع الداخلي. الدولة التي تتعاطى مع المعونات هي دولة محاصرة اقتصاديا ولكن بطريقة أخري. إذا أردنا أو حاولنا مراجعة وضع الدول العربية والإسلامية كلها من حيث أنها محاصرة أو متلقية للمعونات نجد أن كل دولة عربية أو إسلامية إما محاصرة أو تعتمد علي المعونات.
· فقدان المناعة الاقتصادية والثقافية:-
عادةً ما تؤدى العقوبات إلى انهيار الجهاز المناعي لاقتصاد الدول المستهدفة ، حيث لا تستطيع الإحلال والاستبدال في أدوات الإنتاج، أو في الخدمات العامة، وحيث لا تستطيع إصلاح ما قد يعطب من الآلات، ناهيك عن التطوير، وقد لا تستطيع إنتاج ما يسد حاجة الناس، وتحافظ على استمرار فعاليتهم الإنتاجية، يقول د. يوسف الصايغ (.....كذلك تؤدى المعونات إلى فقدان المناعة الثقافية للمجتمع من خلال حدوث حالة من الاستلاب لكل ما هو أجنبي، والوقوع في حالة التبعية، ثم الاغتراب الثقافي المؤدى إلى توطين قيم ثقافية أجنبية على حساب القيم الثقافية الوطنية مما يؤدى في النهاية إلى انقسام المجتمع إلى عالمين منفصلين يصادم كل منهما الآخر، ويجهض فعالياته، ويسعى لتدميره: عالم الثقافة التقليدية، وعالم الثقافة الحديثة).... وقد أظهرت التجربة المعاصرة في الوطن العربي أنهما لا يستطيعان التعايش، ولا يسمحان للمجتمع أن يستقر أو يستمر، فالصراع بينهما من أخطر الأزمات التي تجهض فعالية المجتمعات.
· تشويه البنية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية:-
تؤدى العقوبات إلى إحداث خلل ضخم في الهيكل الاقتصادي، مما يؤدى إلى حدوث متوالية من الانهيارات في الاقتصاد القومي قد تفقده تراكم الخبرات عبر الزمان كما في حالة العراق، ومع انهيار النظام الاقتصادي تحدث انهيارات متعددة، وبمعدلات أسرع في النظام الاجتماعي، حيث تنتشر قيم الأنانية، والفردية، والرشوة، والاستغلال، والجشع، وحيث ينتشر الفساد الأخلاقي أو السياسي، وحيث تصبح الجرائم فعلاً مبرراً نفسياً للحفاظ على الحياة،انهيار الاقتصاد تتزامن معه عدة فجوات في بنية المجتمع فتتوالد قيم وثقافات دخيلة يفرضها الواقع المعيشي الذي يضعف تدريجيا.
أما في حالة المعونات، فإن شروط المعونات الخارجية تؤدي إلى نتائج قريبة من النتائج السابقة فعادةً ما يتم توجيه معظم المعونات إلى شراء سلع من الدول المانحة، ويقول الدكتور رمزي زكي(..... وعادةً ما يتم توجيه المعونات إلى قطاعات اقتصادية، واجتماعية معينة قد تؤدى إلى إخلال بالتوازن الطبيعي لقطاعات الإنتاج في المجتمع، أو بمنظومة الاعتماد المتبادل بينها، كذلك تؤدي إلى تشويه الإنتاج والاستهلاك المحلي، وتؤدي إلى حالة من الاسترخاء في الادخار القومي ناتجة عن انتشار القيم الاستهلاكية في المجتمع، وعن الاعتماد علي العون الخارجي....) . هذا ناهيك عن انتشار القيم والأفكار التي تصاحب المعونات، وترتبط بطبقة الوسطاء، والسماسرة العاملين فيها، هذا بالإضافة إلى أن المعونات إذا ما قدمت من خلال الحكومات، فإنها تخلق طبقة من المنتفعين، والفاسدين سياسياً الذين يقومون بنهب هذه المعونات، والانتفاع بها، واستغلالها ولو في صورة بعثات خارجية، أو دورات تدريبية، أو غيرها، أو توظيفها في مشروعات تحقق مصالح شخصية أكثر من تحقيقها لمصالح عامة، وقد ينتهي الأمر إلى تغيير الولاء لدى طبقة البيروقراطيين بحيث يصبح ولائهم للدولة المانحة أكثر من ولائهم لأوطانهم. أما إذا قدمت المعونات إلى مؤسسات المجتمع المدني فإن ذلك يؤدي على المدى البعيد إلى النيل من سيادة الدولة، وقد يؤدى إلى تنفيذ أجنده معادية لها، ولو بصورة غير واعية من قبل مسئولي المنظمات غير الحكومية، حيث عادةً ما تقدم المعونات لتنفيذ مشروعات معينة تركز على قضايا، وإشكاليات قد لا تكون في مصلحة الدولة المتلقية.
· تحقيق انحراف المجتمع عن مساره التاريخي:-
يتم تحديد مسارات المعونات أو العقوبات لتحقيق الأهداف المرصودة، ومن هذه الأهداف إحداث انحراف في مسار المجتمع سواء بخنقه أو بجعل سلوكياته كلها عبارة عن ردود أفعال لأزمات خلقتها قوى أجنبية أحدثت خللاً في صيرورته التاريخية وأخرجته عن مساره، أو من خلال دفعه عبر المعونات التي تبني قيماً وأهدافاً قد لا تكون هي قيم المجتمع وأهدافه، مثل الضغط على الدول المتلقية للمعونات لتتبنى سياسات الانفتاح الاقتصادي، والخصخصة وتقليص القطاع العام، وتتخلى عن مسئولياتها عن دعم الطبقات الفقيرة.
هذه الآثار والنتائج الأربعة هي بعض من الأهداف والمخطط الذي تنفذه الجهات الفارضة للعقوبات أو المعونات. وللأسف الشديد إن الجهات أو الدول المفروض عليها هذه العقوبات هي الدول العربية أو الإسلامية..... والمعونات أشد ضررا من العقوبات إذ تستصحب المعونات شروطا سرية تفرض علي الحكومات، وتتسبب في آثار سالبة في عمق المجتمع علي المدى البعيد ولعدة أجيال. كل المعونات تقدم لتثبيت أنظمة حكم لا تجد دعما حقيقيا من شعوبها فالأنظمة العربية التي تعتمد علي المعونات أضعف وأوهن من تلك التي تُفرض عليها العقوبات الاقتصادية....الأنظمة التي تُفرض عليها العقوبات قد تجد التعاطف الداخلي من مجتمعها، وان كان ذلك تكتيك أو تعاطف مرحلي قد يتغير في مراحل أخري.