تراتيل الغربة والضياع
بقلم : الدكتور نائل اليعقوبابي
( .. القدر كان طيباً معي ،
لم أكن مجنونا ً ، ولا أعمى
سوى أني ما زلت أريد رؤية الرغيف بسعر أقل
وحياة البشر بسعر أعلى )..
- رسول حمزاتوف -
مناديل الوداع :
أفردْ مناديلَ الوداعْ
هذي العصافيرُ التي خبأْتَها في النبض ِ
ما عادَت إليكْ
هذا الذي يوماً توحَّدَ بالندى
قد ماتَ ما بين يديكْ
هذي الأزاهيُر التي ضمخْتهَا بالدمع ِ يوما ً
أمطرتْ نوباً عليكْ
هذى المساءاتُ التي أشعلْتَها خمراً
فأسكرتِ الدنا
شاخَتْ لديك ....!
فإلام تمسكُ بالشراعْ
والبحرُ طقسٌ للضياعْ ...؟؟!!
أْطفيءْ إذا ً كلَّ القناديل ِ العتيقة ِ دفعة ً
وافردْ مناديلَ الوداعْ .
لهيب :
.. لقد نضجت أميرة ، سنوات وهو يراقب نمو جسدها الأسمر ، وهاهي تبرعم ، تشب طولاً ، فتغدو أطول من أخته سعاد ، شعرها الأسود يثير شهيته لاستنشاقه ، وأسنانها الناصعة تجعله يحلم بأن تعضه ، دائماً يتمنى أن تعضه ، لايدري لماذا تسيطر عليه هذه الرغبة ؟! ، كلما رآها تبتسم وتنفرج شفتاها المكتنزتان عن تلك الأسنان اللؤلؤية .
أراد الأحتيال عليها حتى يحقق رغبته تلك ، فأخذ يباهي أمامها بقوته وقدرته على التحمل ، وحين أخذت أميرة تسخرمنه ، قال :
- هذى يدي .. خذي وعضي عليها بقوة ، مزقي شراييني إن استطعت ، عندها سترين مدى احتمالي .
في البدء لم تقبل أميرة هذا التحدي ، دفعت يده عنها ، وقالت ساخرة :
- أخاف أن تبكي .
صرخ وكانت رغبته ناراً تتأجج بداخله :
- جربي .. أنا أتحداك ِ .
وانقضت أميرة على يدي ، غرزت أسنانها في رسغه ، وتوقد ساعده عندما لامسته شفتاها القرمزيتان ، وشعر بنشوة لاتوصف ، نشوة غريبة ممزوجة بالألم والسعادة ، فأخذ يهتف فرحاً :
- عضيها أكثر ، بقوة أكبر ، فأنا لا أتألم .
أحس بأسنانها تنشه ، تمضغ قلبه وروحه ، وتمنى أن تطول هذه اللحظة إلي الأبد .
أكتشف أن اللذة تنبع من الألم ، لذة مجنونة ، رائعة ، لذيذة ، فتأوه من فرط نشوته ، وظن أن دمه سيتدفق من خديه المسمرين ، كان يعاند إنهزامه ، يكابر مد يده الثانية ليجرها من شعرها الفاحم ، انحنى فوق الشعر يتنشقه ، سرت في روحه إرتعاشة ، وعلى الفور نبت له جناحان ، حلق عالياً ، انعتقت روحه من سجنها ، وصارت تناطح الغيوم ، لامست أصابعه جدائل الشمس ، احتضن وهجها ، كانت حارة ، وطرية .
لكن أميرة سرعان ما تركته ، أفلتت يده من بين أسنانها وتركته ، ابتعدت عنه ، لحظة تهاويه ، هتف متظاهراً بالانتصار :
- لقد هزمتك .. كسبت الرهان
واقتربت أخته سعاد ، استهواها هذا التحدى ، قالت :
- تعالْ .. أعضك .
ولا يدري عباس كيف ولماذا صفع أخته على خدها بقسوة ، وخرج .
لانخشى الموت :
نحن أمة رضعنا الموت
منذ الصغر
لهذا لم نعد نخشاه
عند الكبر !!
خطو السنوات الثقيل وغياب الوطن :
.. هاهو العمرُ يجرجر عربات ِ الأعوام .. مثقلةً بالحنين ِ وآلام الغربة .. وها رصيدُ الهموم ِ يكبرُ .. مع الأعوام .. بل مع الأيام .. بل مع الساعات وها لحظاتُ الفرح ِ الخاطف تذوب سريعاً .. كنيازك فرّت من مجراتها .. لتذوبَ على بوابات ِ غلاف ِ الأرض ِ ..حاملاً عبءَ ذكرياتي .. أقطعُ مفازة َ السنوات ِ على أمل اللقاِء الذي لن يجيء أسمعُ همسَ طفولتي الموشاة بتراب الأزقة ِ المنسية أحاول أن أزرعَ في ذاكرة أطفالي شيئاً من وطن ٍ لم يروه .. يحزنني أن أراهم لايتفاعلونَ مع محاولاتي .. إنهم ينتمونَ إلي عالم ٍ آخر .. ووطن ٍ آخر .. وذاكرة ٍ أخرى .. يضحكون أحيانا ً لحديثي عن الطفولة ِ والبيت ِ القديم ..وعالم ٍ ليس َ فيه تلفزيون .. ولا أفلام كارتون ..
* * *
ماذا بقىَ من الوطن ..؟! ماذا بقىَ من العمر ِ لنحمله إلي جنات ٍ مزروعة ٍ بالقتل ِ ..؟! مريعٌ ذلكَّ الكابوسُ الذي يخنقُ أحلامَ اليقظة َ ويحيلها إلي مطارقَ تهوى على بقايا النفس ِ المنخورة ِ بالأمراض ِ وأوجاع الغربة والذكريات ..!!
مريعة صورةُ الوطن ِ المذبوح ِ بسكاكين شتى ، مرةً بسكاكين القتلة .. ومرة ً بسكاكين الأخوة الأعداء .. ومرات ٍ بطعنات ِ الأحباب والأصدقاء .. يُرافق كل َّ ذلك حقدٌ همجيءٌ يهبُ من وراء المحيطات ِ .. لابساً ثيابَ العدالة والحضارة ِ .. ومتشحاً بلباس التقدم والعلوم ..!!
* * *
حاملاً بقية َ أيامي القليلة القادمة .. أنوء بأثقالها .. ولاتضيءُ دربي سوى ضحكات أطفالي المليئة بالأمل .. داعياً لهم بعمر ٍ لاتلوثه سياط الغربة .. ولا تطارده كلابُ السلطات المسعورة ..!! أغمض عينىَّ على صورة ِ غدٍ لن أراه .. يقرأ فيه أطفالنا اشعارنا كذكريات ٍ لعصور ٍ كالحة ٍ لا تُصدق ..!
ويتساءلونَ بكل براءة ٍ :
أيمكن أن يحدثَ ما حدث .. ؟! ..
ويظنون أنها ليست أكثر َ
من مبالغات ِ الشعراء .. !!
- لا .. :
كلنا لم نعش طفولتنا .
الذل المترسب في حينّا القديم اورثنا احلى انواع
الحزن فتعرضنا للبرد والمطر ،
وكبرنا مع المأساة ..
للتأمل :
اللوحة الفسيفسائية البشرية هي اللوحة المخيفة !
agobabi@hotmail.com
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة