هل يتحول الأزهر إلى فاتيكان المسلمين السنة
يوسف القرضاوي: "علماء السنة "موظفون يسيرون في ركاب الدولة"
3-8
كيف عرفنا أن المليارات هي في الطريق لتصب في حصالة مشيخة الأزهر؟ سأل أحد الصحفيين عن أسباب غياب مشروع سني مواز للمشروع الشيعي الإيراني، وكان رد القرضاوي نصا: بأن علماء السنة ليس عندهم من الإمكانات ما هو متاح لعلماء الشيعة، ووصف علماء السنة بأنهم "موظفون يسيرون في ركاب الدولة"، في حين أن علماء الشيعة يحصلون على ما يقرب من 20% من صافي دخل الدولة الإيرانية، وقال القرضاوي أيضا: هناك مشروعات موجودة عند أهل العلم والفكر، وهي مشروعات حضارية متكاملة، وكلها تتحدث عن كيفية بناء أمتنا، ولكن للأسف الحكام لدينا يستغنون عن دين العالم، والعالم يحتاج دنياهم، كما أن الأمر في يد من يملكه وليس من يبصره.
ونقول نحن للقارئ الكريم: ال 20% التي ذكرها القرضاوي هذه ليست سوى الخمس، والخمس هو أحد أركان الإيمان كما ذكر الحافظ البخاري والمفسر بن كثير. لكن القرضاوي لا يرغب أن يقول الخمس، لأنها كلمة ثقيلة على قلبه ولسانه، وإستخدامه ال 20% بدلا من القول الصريح بالخمس يدلل على أنه يحاد الله ورسوله ويطعن في الدين. وهذا الخمس من أركان الإيمان كما يقول بن كثير في تفسيره تفسير القرآن العظيم ص 297، حتى البخاري في كتاب الإيمان من صحيحه، قال: (باب إعطاء الخمس من الإيمان) ثم أورد حديث بن عباس. هذا الخمس عطله كل من أبي بكر وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وحرموا منه آل بيت النبي (ص) وإقربائهم، وأيتامهم ومساكينهم من بني هاشم، لأنهم لا تجوز عليهم الصدقة وتحرم عليهم.
ولكن القضية ليست تعطيل الخمس فقط، بل نجد عمر في عهده عطل حتى بقية الأربعة أخماس أيضا وخالف بفعله هذا رسول الله (ص) - بل خالف القرآن، وهذه الأربعة أخماس يجب أن ينالها المجاهدون في الغزوات من الغنائم – هذه النقطة لا يدركها حتى رجال الدين السودانيين، لأن الغالب المطروق في الساحة الإعلامية هو عن تعطيل عمر للخمس فقط – خمس آل البيت.
عندما فتح المسلمون سواد العراق وغيره رفض عمر إعطاء المجاهدين أسهمهم أي الأربعة أخماس، وفي هذه قال أستاذ علوم أصول الفقه والقانون الروماني في كلية الحقوق، الدكتور في الحقوق من جامعة باريس، حامل شهادة الدراسات العليا في الحقوق الرومانية، ومجاز في العلوم الإسلامية من الكلية الشرعية بحلب، وأمين منظمة مؤتمر الدول الإسلامية سابقا، محمد معروف الدواليبي في كتابه: المدخل إلى علم أصول الفقه: (ولعل من أبرز المسائل الاجتهادية، والوقائع التي حدثت في عهد الصحابة بعد وفاة النبي، هي قضية قسمة الأراضي التي فتحها المقاتلون عنوة في العراق والشام وفي مصر. فلقد جاء النص القرآني يقول بصراحة لا غموض فيها إن خمس الغنائم يرجع لبيت المال1 ويصرف في الجهات التي عينتها الآية الكريمة: (وأعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شئ قدير) الأنفال، 41، أما الأخماس الأربعة الباقية فتقسم بين الغانمين (المجاهدين) عملا بمفهوم الآية المذكورة وبفعله (أي النبي) عليه السلام حين قسم خيبر بين الغزاة (المجاهدين). وعملا بالقرآن والسنة جاء الغانمون إلى عمر بن الخطاب (عند فتحه للعراق) وطلبوا إليه أن يخرج الخمس لله ولمن ذكر في الآية، وأن يقسم الباقي على الغانمين. فقال عمر: فكيف ممن يأتي من المسلمين فيجدون الأرض بعلوجها (الناس من العجم) قد اقتسمت، وورثت عن الآباء وحيزت؟ ما هذا برأي. فقال له عبد الرحمن بن عوف: فما الرأي؟ ما الأرض والعلوج إلا مما أفاء الله عليهم. فقال عمر: ما هو إلا ما تقول، ولا أرى ذلك..!! فأكثروا على عمر، وقالوا تقف ما أفاء الله علينا بأسيافنا على قوم لم يحضروا ولم يشهدوا..!؟؟ فكان عمر لا يزيد على أن يقول هذا رأيي!! فقالوا جميعا الرأي رأيك!!) أ.هـ.
عندما نذكر مسألة الخمس هل نكون شتمنا عمر؟ كلا. هذا من صميم العلم والتفقه في الدين، ولكن مثل هذا العرض التاريخي والتشريعي والفقهي لا يسر يوسف القرضاوي وشيوخ الخط الأموي أن يتنزل لجمهور العامة ويعتبرونه فتنة، يفضلون أن تدور هذه القضية وغيرها كثير ما بين العلماء فقط تسترا على الخليفة عمر. بل نقول أن يتخبى يوسف القرضاوي خلف لفظة 20% ولا يقول الخمس صراحة هو التدليس بعينه، ولا يجوز هذا التخفي من شخص يقول أنه عالم ويخشى الله ويخاف حسابه.
ونزيدك في القصيد بيتا، عبد الرحمن بن عوف في هذا الحوار مع الخليفة عمر وإن بدأ معارضا له، لكنه كان شريكه في الأمر بخفية، هذا إذا كان لديك تفاصيل لجنة الستة العمرية التي رأسها عمر لعبد الرحمن بن عوف ومنها ستفهم نقطة هذه الشراكة. إذ أشترط بن عوف على الإمام علي أن يعمل بسيرة الشيخين عمر وأبي بكر - أي في تقسيم المغانم، فلما رفض الإمام علي أن يعمل بسيرة الشيخين صفق بن عوف على يد عثمان وسلمه الخلافة، وعند وفاته كان بن عوف من أغنى الأغنياء! هل نكون سبينا الصحابة؟ وماذا عن الفقرة الشرطية في الآية القرآنية أعلاه عندما يشترط رب العالمين ويقرن الإيمان بتوزيع هذه الأخماس الخمسة "إن كنتم آمنتم بالله" كيف سيبلع القرضاوي هذه الفقرة القرآنية؟
الآن علينا أن نسأل، كيف إزداد التشيع في العالم العربي السني إذن؟ في واقع الأمر لم تفعل إيران شيئا مسيئا يستحق الهجوم والإزدراء، مثل الرشوة المباشرة أو غير المباشرة، أو دفع الدولارات..الخ، كل ما في الأمر أن إيران رفعت كل الكتب الإسلامية التراثية المهمة سنية وشيعية على صفحات الأنترنيت، وعلي شكل فايلات، ويمكن أن تحملها في الهارد ديسك الخاص بك! ولكننا ننبه القارئ الكريم أن معظم كتب الشيعة هي على صورتين: المؤلف الشيعي إما خاطب في كتابه شيعيا فهذه أو كلاهما لا حجة على السني، وإما خاطب العالم الشيعي في كتابه قارئا سنيا في مناظرة أو مجادلة ويتحجج عليه بأن أرجع إلى كتبكم أو الكتاب الفلاني من كتبكم صفحة كذا وكذا، وكانت مفاجأة لجمهور السنة العربي، أن كل ما تقوله أو تدعيه الشيعة الإمامية في كتبها هو موجود في كتبنا السنية. ولماذا يخاطب المؤلف الشيعي القارئ السني؟ هذه قضية قديمة ولا دخل لها بالتبشير الإيراني الذي قاله ويدعيه القرضاوي، فعلماء الشيعة وجمهورهم وضعوا من قبل السلاطين والخلفاء، ومن قبل علماء السنة وجمهورهم في موضع الإضطهاد والذبح، مما دفعهم إلى الدفاع عن النفس خلال أربعة عشرة قرنا. ثم لا ينسى القارئ الكريم أن تاريخ المسلمين هو تاريخ واحد سنيا أو شيعيا.
ماذا يعنى هذا بالمجموع؟ يعنى جنت على نفسها براقش، فطيلة أربعة عشرة قرنا يعمل علماء السنة على تجهيل جمهورهم السني ويستحمروهم، ويحرفون الوقائع والنصوص وينتفونها، ويحصرون العلم في صدور بضعة رجال حصرا. ومن يفعل ذلك معناه أن هنالك شيئا خفيا يرغبون إخفائه، وهذا صحيح. ويعترف يوسف القرضاوي بهذه الحقيقة ولكن بشكل ملتوي، يقول لا فض فاه: (كما حذرت من أمرين خطيرين يقع فيهما كثير من الشيعة، أولهما: سب الصحابة، والآخر: غزو المجتمع السُني بنشر المذهب الشيعي فيه. ولاسيما أن لديهم ثروة ضخمة يرصدون منها الملايين بل البلايين، وكوادر مدربة علي نشر المذهب، وليس لدي السنة أي حصانة ثقافية ضد هذا الغزو. فنحن علماء السنة لم نسلحهم بأي ثقافة واقية، لأننا نهرب عادة من الكلام في هذه القضايا، مع وعينا بها، خوفاً من إثارة الفتنة، وسعياً إلي وحدة الأمة).
أنظر قوله الخفي "مع وعينا بها"!! وقد يمر بها القارئ مرور الكرام وربما يقرأها دون فهمها في العمق. وكلماته نشر المذهب الشيعي لا معنى لها. ولعل القارئ يسأل يوسف القرضاوي لماذا تهرب، وأي إثارة للفتنة وأي سعي لوحدة الأمة التي تمنعك من فتح كتب التراث السني؟ ونقول له دعك من كتب الشيعة أتركها على جنب، ونسأل يوسف القرضاوي: هل هنالك غزو فكري أو مذهبي يتم بدون كتب؟ نقول له أنسى كتب الشيعة يا شيخ وتعال معا نفتح كتبنا السنية، نكرر كتبنا السنية. ما لا يتخيله القارئ الكريم، لا القرضاوي ولا غيره سيقبلون بفتح الكتب السنية "خوفا من إثارة الفتنة"، و"سعيا لوحدة المسلمين" كما يزعمون، سيرفضون بألفاظ غائمة على طريقة الكنائس القديمة في العصور الوسطى، مثل الخوف من الفتنة والحرص على وحدة المسلمين. عبارات فضفاضة وكاذبة! ما نود أن نخلص إليه: فالسنة العرب الذين تشيعوا تشيعوا إذن بناءا على مصادرهم السنية التراثية، لأنه لا كتب الشيعة المحضة ولا علماء الشيعة حجة على المسلم السني. إذن أيها القارئ الكريم أثبتنا لك أن مأزق المذهب السني هو كبير، لا يستطيع علماؤه فتح كتبهم وتنزيلها للجمهور لكي يتسلح أو يتحصن بها ضد هذا "الغزو" الشيعي على زعم القرضاوي! أنظر قوله: وليس لدى (جمهور) السنة أي حصانة ثقافية ضد هذا الغزو. ولقد صدق القرضاوي! ولكن ليس لأن جمهور السنة كسالى، أو لأن الشيعة يرصدون الملايين والبلايين لتشييع السنة، بل لأنه هو وأمثاله وكذلك السلف الصالح أغلقوا على كتب التراث السنية، ولايتجرأون ولا يستطيعون تنزيل كتب التراث السنية لجمهور العامة وفتحها خوف إكتشافهم للحقيقة، أو إكتشافهم للكذبة الأموية الكبيرة! وهذه مع الأسف سنة "السلف الصالح"، ولا تسأل عن أي صلاح هذا الذي يدفعهم لغلق الكتب؟
ويوصف القرضاوي التشيع لله ولرسوله بالتخريب. ويصر أن هنالك فكر إيراني منظم ما أن يقرأه السني حتى يتشيع، وعلى رأيه فمنذ أن ترك مصر من 47 سنة لم يكن بها شيعي واحد، والآن هناك كثيرون. ويسأل: فمن أدخلهم في التشيع؟! –لقد نسى القرضاوي الأنترنيت وهو رب الأنترنيت- ويقول: أما الشيعة فهم مسلمون، ولكنهم مبتدعون وخطرهم يكمن في محاولتهم غزو المجتمع السني وهم مهيئون لذلك بما لديم من ثروات بالمليارات وكوادر مدربة علي التبشير (؟) بالمنهج الشيعي (!) في البلاد السنية خصوصا أن المجتمع السني ليست لديه حصانة ثقافية ضد الغزو الشيعي فنحن العلماء لم نحصن السنة ضد الغزو المذهبي الشيعي لأننا دائماً نعمل بالقول «ابعد عن الفتنة لنوحد المسلمين» وتركنا علماء السنة خاوين.
ونقول: يجب أن يلاحظ القارئ الكريم أن كلمة مبتدعون كلمة ليست سهلة! فعندما تقول بديع السماوات والأرض معنى ذلك أن الله جلت قدرته في قدرته أن يخلق شيئا ليس له مثيل من قبل! الشيخ يوسف القرضاوي يتعمد هذه اللفظة لكي يصور المذهب الشيعي وكأن أصحابه ألفوا أدبيات مذهبهم أو أبتدعوه من بنات خيالهم، بينما هو يدرك تماما أن كتبنا السنية كافية لإثبات حجتهم! لذا قال أحد علماء الشيعة: إن مذهبا يثبت نفسه من كتب خصمه أحق أن يتبع، وإن مذهبا يحتج عليه بما في كتبه فيلجأ للتأويل والتحوير أحق أن يتجنب عنه! ونقول في الختام: لاحظ قول القرضاوي لديهم ثروات بالمليارات، وهي بيت قصيده، وهي النغمة التي يرغب القرضاوي توصيلها لأسماع أهل نجد. ونواصل.
شوقي إبراهيم عثمان
كاتب ومحلل سياسي
shawgio@hotmail.com
حاشية:
1 (تعليق من كاتب المقالة: في الواقع ليس لبيت المال كما يقول الدكتور الدواليبي: الخمس هو لله ولرسوله، ولذي القربي فاطمة وبنيها، ويشمل مجموع أيتام آل البيت، ومساكينهم، وبن السبيل منهم كافة من بني هاشم الخ إذ لا تقول الآية أو السنة النبوية أن يرجع الخمس لبيت المال ولا ذكر له، وحكمة تشريع الخمس لأل البيت ولبني هاشم لأن الله تعالى حرم عليهم الصدقة – والصدقة كما قال نبينا الكريم: هي أوساخ الناس).
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة