قصه قصيره " رائحة العطر اللؤلؤي " بقلم: بقادى الحاج أحمد
رائحة زكية
في حفل العرس، الجميع كانوا في حبور وسرور، ثياب السهرة النسائية، الرجال يرتدون البنطلونات والقمصان الملونة، أو الجلابيب والعمائم البيضاء. الابتسامات ولمبات النيون تزين المكان. روائح العطور امتزجت برائحة التبغ. عم المكان بخور خاص؛ يحلق الطيب عاليا بالدخان والغبار. الفنان يصدح بالأغاني. ابشر يا عريس، ابشر يا عريس، والرقص أخذا من المكان الحيز الكبير. الليل مازال يحبو في نصفه الأخير.
كانت تجلس مع الفتيات، تبدو كالمنعزلة منهم؛ ساهمة بعيدا تفكر في شيء ما، أو منتظره شخص ما. سمراء سمرة ناعمة - الخضرة الدقاقة. ملامحها لا بأس بها، حجمها ملفت للنظر، تبدو الأعلى في جلستها بين الأخريات.
بدأت وصلة غنائيه جديدة، تقدم منها وأومأ لها بمشاركته الرقص، لم تتمنع قامت معه. تقدم أصدقاؤه للحسان طالبين منهن المراقصة. ظفر بعضهم بشريكات الرقص. وتحصل بعضهم علي الاعتذار. امتلأت الساحة بالراقصين والراقصات زوجي وفرادى. " القرقوره " هذا الاسم الذي أطلقه عليها بينه وبين نفسه؛ وهو اسم شائع لذوي البشرة الموغلة في السمرة، الإيقاع عندها منتظم، لم تتعبه، كانت متمرسة تجيد الرقص. عندما أدار الحوار عرف أنها ضيفة ومثله قادمة لمدني من امدرمان؛ هي من جنوبها من الفتيحاب، وهو من شمالها من الثورة.
تبدد الانسجام الذي بدأ يتجمع مع الإيقاع والرقص؛ توتر الجو، حضر من يزاحمه علي مراقصة " القرقوره ". همس له مضيفهم بان المزاحم صديق قديم" للقرقوره "، بما انه ضيف وغريب في هذه المدينة فضل الانسحاب علي إثارة المشاكل، التي لا ينصح بها في مثل حالته.
جلس يستمع للمغني، يغني علي النغمات المبتهجه، ومشاهدة الراقصين والراقصات يعلوهم الدخان والغبار وعبق نسيم الليل. يكحل عينيه من الجالسات غير المشاركات بأرجلهن في الرقص كن يرقصن بعيونهن فقط. مضى فاصل غنائي، وفاصل آخر وهو يبحث عن البديلة "للقرقورة".
وجد البديلة في ذات اللون القمحي، دقيقة الملامح، جميلة القسمات، مضفرة شعرها علي الطريقة الإفريقية ( الدهباية). ترتدي ثوب بديع التطريز. تقدم منها طالبا الرقص معها تمنعت. حاولت الاعتذار، لكنه أصر وألح عليها. قامت معه وهي تعيد لف ثوبها بخجل. عندما أصبحا في حلقة الرقص قالت له: بالراحة علي (مهلا يا رجل) أنا ما رقاصه قدر دا.
أخذها واحده واحد في الرقص، تدرجيا بدأت تنسجم، أخدت الدائرة حولهما تتسع، وهما يحلقان في الفضاء الشاسع، يحلقان ويحلقان إلي ذروة النشوة مع الغناء، الطرب والعطر. غمره عطرها ذو الرائحة المدهشة أثناء الرقص؛ مدح العطر واثني عليه، أخذا يحلقان في فضاء العطر الفواح، الذي اتسع مع الرقص وتمدد. قطعت عليهم التحليق " القرقورة " بدخولها الحلقة. لم تشارك في الرقص، لوحدها أو مع شريك، كانت تبحث في كل مكان عن شيء ما، عندما سألها أجابت باقتضاب أضاعت فردة حلق.
انتهت الوصلة الغنائية عاد كل منهم إلي حيث كان يجلس؛ صاحبة العطر مع الفتيات، وجلس هو مع الفتيان. تجدد الرقص والتحليق مع صاحبة العبير في وصلات غنائية أخرى. انتهي ليل الحفل القصير.
في الصباح جاءته علب مناديل ورق صغيرة معطرة بنفس عطر البارحة المنعش وهدايا أخرى مع حزمة المناديل ذات الرائحة الندية.
في امدرمان بعد العودة، كان شذي العطر حاضرا في جيوب ملابسه حيث كان يحمل المناديل، التي أخذت من المسك أصالته. وضع المناديل والهدية في ركن قصي في دولاب الملابس، لكن الرائحة الذكية ظلت مصاحبة للملابس معلقة معها في الشماعة.
ما أسم الريحة - العطر؟
سالت الوالدة وهي تأخذ الملابس من الشماعة للغسيل:
- الريحة دي ما ريحتك؟
- دى بتاعت واحد صاحبي.
- صحبك منو؟
- الماشينا ليهو العرس في مدني.
- معقول.. دى زى النسائية..
- يمه .. ياخي.. صاحبنا أدانا ريحة أتريحنا بيها، وما سألنها رجالية ولا نسائية، رد بهذه الطريقة متهربا من باقي الأسئلة .. خاصة سؤال ذى: الريحة دى اسمها شنو؟
أخذ المناديل العطرة ذات العبق ودار بها سوق العطور في امدرمان بحثا عن العطر. لم يجده ولم يجد له مثيل. أعاد محاولات البحث في أسواق أخرى دون جدوى.
دارت الأيام كلما استدعي ذكريات الحفلة وصاحبة الطيب، كان يحلق مع الغناء والرقص ورائحة العطر تلك الغامرة بالمسك والعنبر وبخور الحفلة.
جاءت به ظروف العمل إلي جدة؛ مدينة البحر والأسواق، زيارة الأسواق في جدة من أهم برامج مليء فراغ عطلة نهاية الأسبوع للقادمين الجدد لمدينة البحر والأسواق. جاب أسواق المدينة بحثا عن العطر، لا اثر للعطر ولا لنفحاته، فقط موجودا في ذاكرته، في تلك الليلة الجميلة وباقي الهدايا التي قاومت السنين مع الرائحة الندية. سلم بان العطر لا وجود له بعد طول بحث وانتظار.
في الشركة التي يعمل فيها في جدة، ذات يوم في طريق عودته متأخرا من المكتب للبيت، اصطحب أحد العمال ليوصله إلي البلد، حيث يوجد السوق. جاء العامل من سكن العمال القريب متأنقا متعطرا. رائحة العطر فتحت رأسه لنصفين؛ أنها نفس الرائحة التي يبحث عنها منذ سنين. سال العامل:
- فين أنت يشترى هذا بيرفيوم؟
- أنا يشترى من حراج ( حراج الصواريخ سوق شعبي عتيق في جنوب جدة.).
- أنت معلوم بيرفيوم نييم؟
- يس معلوم....
- هذا بيرفيوم ركيس (رخيص).
- تومورو أنت جيب برفيوم بوتل أنا شوف.
- أوكي.
ليتأكد أكثر، لم يصدق نفسه انه اصحب أخيرا وجها لوجه مع العطر اللؤلؤي، بعد تعقب وتربص امتد لسنين وسنين. في الغد أحضر العامل الفلبيني زجاجة العطر. الآن أصبح يعرف اسم العطر ومكان وجوده. العطر الؤلؤي موجود بالقرب منه وهو لا يعلم !
ذهب إلي سوق الحراج في أول سانحة يبحث عن العطر. لم يجده. أفضل ما تحصل عليه انه كان موجود إلا أن الكمية نفذت. أعاد البحث في أسواق أخرى لقي نفس الإجابة في أحسن الأحوال.
أثر الرائحة
في مدائن الفهد حيث يسكن، توجد قطعة أرض بين عمارات وبنايات الحي تركت بدون تعمير. استقل السكان المساحة الشاغرة موقف للسيارات. تقف السيارات في شكل صفين متقابلين متواجهين، مدخل الموقف الشارعين الجانبين للحارة؛ اللذان يمران من أمام وخلف القطعة. أوقف السيارة في موقفها المعتاد. نسى سحب الهاند بريك- فرامل اليد. ذهب بالأطفال إلي الخلف لأخذ الإقراض من الشنطة - الضهريه. أنزل الحاجيات وقفل الشنطة، اهتزت السيارة. تدحرجت إلي الأمام. صدمت السيارة المقابلة في الموقف. لم يتضرر صدام سيارة الجيب، أما سيارة الوانيت - البك آب فكان الالتواء واضح في صدامها.
بحث عن صاحب السيارة البك آب، بسؤال القريبين منه في تلك الأثناء من الجيران. لم يعرفه أحد. عرف انه جار. أعاد وقف وتأمين سيارته. ذهب إلي شقته بصحبة الأطفال وأكياس الحاجيات.
قرب منتصف الليل حضر إلي شقته من يطلب مقابلته. فتح الباب وجد قارع الجرس باكستاني لا معرفة له به من قبل، سأله مباشرة:
- سيارة جيب باترول ابيض حق أنت؟
- نعم هذه سيارتي.
- هذا سيارة يضرب سيارة حقي أنا.
- مضبوط أنا في غلطان. أنت شوف مع نفر تأني كم فلوس تصليح أنا يدفع. أو أنت ركب سيارة ورشة أنا يدفع فلوس تصليح، ما في مشكلة أنا مسئول.
تنفس الباكستاني الصعداء، ذهب عنه التوتر، الذي كان بادي عليه:
- هذا كلام ميه.. ميه. أنا ما يبقي فلوس تصليح. أنت أول كلام أنا ما في سوي.. أنا ما في غلطان. أنا في كلام ابقي فلوس تصليح سيارة، لكن الحين أنت كلام أنا غلطان أنا مسئول، خلاص أنا ما يبقي شيء. أنا في شغل ورشة، هذا صدام تصليح ما في كتير تعب، أنا صلح لي حالي.
- شكر الباكستاني علي شهامته وقبل أن ينصرف سأله:
- كيف أنت في معلوم في الليل أنا صاحب جيب؟
- أنا يجي شوف صدام مضروب. شغل نور سيارة شوف سيارة كفر في ارض ( اثر لستك السيارة الصادمة علي الأرض). شوف كفر سيارة في ارض مع كفر سيارات تاني، حصل كفر جيب أنت سيم.. سيم كفر سيارة يضرب سيارة أنا في ارض. أنا روح دور هنا.. هنا، اسأل نفرات.. مين صاحب سيارة جيب. أنا في معلوم سيارة جيب حق أنت.. أنت في هنا .. أنا أجي.
ودارت الأيام دورتها، في العمل في مدينة الخٌبر زميله الباكستاني أشاد أكثر من مرة برائحة عطره البديل للعطر اللؤلؤي. طلب منه مرات عديدة أن يعلمه باسم العطر. هم بإعطائه الاسم الذي وعده به. تذكر فجأة العطر اللؤلؤي. قال لنفسه لماذا لا نرى براعة الباكستاني في تتبع الأثر ومطابقته من الأصل حتى الدهشة، قد يعثر على العطر اللؤلؤي. أعطاه اسم العطر اللؤلؤي. وقف في آخر محطة للانتظار لمعرفة النتيجة.
بعد أيام جاءه زميل المكتب بتقرير مفصل عن العطر اللؤلؤي. أكد انه عطر نادر كما ذكر له، وانه غالي الثمن كان يباع في السوق قبل سنين خلت. الشركة المنتجة أفلست. الكميات المتبقيه بيعت ( استوكات) رخيصه في الحراجات والأسواق الشعبية، ثم نفذت الكمية.
عند سؤال الباكستاني كيف عرف كل هذا. أجاب بأنه اخذ الاسم. اتصل بصديق له يعمل في مستودعات العطور. مده الصديق بهذه التفاصيل.
قال له: أنت خطير. أخيرا سمع الضحكة المكتومة المتقطعة التي تدل علي المكر والدهاء.
قد ينتج عطر لؤلؤي جديد في الأيام القادمة، لأناس آخرين.
كلما استدعي ذكريات الحفلة وصاحبة الطيب، كان يحلق مع الغناء والرقص ورائحة العطر تلك الغامرة بالمسك والعنبر وبخور الحفلة.
بقادي الحاج أحمد
مدينة الخٌبر مايو 2009م
bagadiyat@hotmail.com
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة