نظام الحكم الاسلامى بين تحديات الاصالة والحداثة
بعد حادثة الحادى عشر من سبتمبر طغى على الساحة السياسية الدولية الحديث عن الاسلام السياسى , والى أى مدى تعبر الحركات الاسلامية بمختلف اشكالها عن الديانة الاسلامية , وهل حقيقة هنالك نظام حكم اسلامى مطروح على الساحة , متفق عليه من قبل علماء المسلمين ليكون مرجعية لكافة الدول الاسلامية لبلوغه ؟ كلها أسئلة تطرح نفسها بقوة على الساحة السياسية الدولية . فمن الواقع المعاش نجد العديد من اشكال أنظمة الحكم بالدول الاسلامية , فهناك النظام الملكى والاميرى والجمهورى ..الخ , ولكن الا يحق للمسلم البسيط أن يتسائل , فى ظل كل ماهو مطروح ومعاش , ماهو نظام الحكم الاسلامى الانموزج الذى يقدمه لنا علماءنا الاجلاء , ولماذا فى ظل هذا التنوع والاختلاف , لم يسعى علمائنا فى الدعوة لمؤتمر تتبناه مثلا منظمة المؤتمر الاسلامى للعمل على وضع هيكل موحد لنظام الحكم بالدولة الاسلامية وفق الشريعة الاسلامية بما يجمع بين الاصالة والحداثة , فحجم التناقضات يزداد يوما بعد يوم , أم أن الدعوة لمثل هذا المؤتمر سوف يشكل تجاوزا للخطوط الحمر بالنسبة للعديد من الانظمة القائمة بالدول الاسلامية ؟ وقد يفتح بابا واسعا لخلافات يود الجميع تجنبها . وحتى نتعمق أكثر فى الامر لابد من اثارة العديد من القضايا المحورية حتى يتضح حجم التحدى , فمثلا علاقة العهد الدولى لحقوق الانسان وتطبيقه بالدول الاسلامية مع الشريعة الاسلامية , والى اى مدى يلبى العهد الدولى لحقوق الانسان مرتكزات الشريعة الاسلامية , وماذا يمثل انتهاك تلك الحقوق انتهاكا للشريعة الاسلامية , حيث كفالة الحقوق والعدل من أهم ركائز الشريعة الاسلامية , وأن الله سبحانه وتعالى من اسمائه جلّ وعلى الحق والعدل , وينسحب بلا شك على ذلك قضايا أخرى كثيرة مثل العلاقة بين الشورى والديمقراطية فالشريعة الاسلامية تنادى بالشورى , والمحدثين ينادون بالديمقراطية , فهل الديمقراطية يمكن اعتمادها شكلا من اشكال الشورى , وهل الشورى من حق الجميع , أم الشورى تعنى فقط بالراسخين فى العلم وليس العوام , وقس على ذلك حينما يعين مستشارا ما , اى أنه لايمكن أن يستشار الا ذوى الخبرة والدراية وليس أى شخص . ثم ينسحب بعد ذلك الامر على البيعة واصولها , فهل البيعة من قبل الجميع فى الدولة المسلمة أم من فئة تمثل الجميع ؟ ثم نأتى لمن يحق له تعين قادة الجهاز التنفيذى بالدولة المسلمة , هل البرلمان أم مجلس الشورى أم أمير المؤمنين , وهل كان فى دولة الخلافة مجلس برلمان أو شورى يملك حق اجازة أو رفض تعيين قادة الجهاز التفيذى بالدولة , ومن باب الحداثة هل يجوز تأسيس احزاب بالدولة الاسلامية وان جاز ذلك ماهى الاسس الشرعية التى تحكم تأسيسها وطبيعة نشاطاطتها درا للمفاسد وترسيخا لوعى قواعدها .
والجانب الاخر , وهو الجانب الاقتصادى , فالحديث عن تطور مفهوم بيت مال المسلمين لما يعرف الان بوزارة المالية , ومايتفرع عنه من ديوان الضرائب وديوان الزكاة والعون الاجنبى البنك المركزى والتخطيط القومى ...الخ . الى اى مدى يمكن التوفيق فى ذلك فى ظل تشابك وتعقيد العلاقات الاقتصادية الدولية الراهنة , فما موقع الضرائب فى ظل الشريعة الاسلامية , فشق الزكاة بالدولة المسلمة هو الاساس فى الموارد المالية بالدولة المسلمة وليست الضرائب , ومصارفها محددة شرعا , أما الضرائب فهو أمر مستحدث , مستجلب من الحضارات الاخرى , وقضية الضرائب القائمة الان تستوجب مراجعة شرعية لمختلف جوانبها , وما الخلل الذى تعيشه الدول الاسلامية الا من حجم التناقضات التى نجمت عن هذا الجانب , اما بخصوص الزكاة , فهى ركن من اركان الاسلام الخمس , وهى الاساس فى الجانب المالى وليس الفرع . أما بخصوص البنك المركزى , فهذه قضية بالغة التعقيد , من حيث اشكال الائتمان القائم , وصيغه المختلفة ومدى ارتكازها على أسس شرعية , مثل المرابحة فى ظل مايعرف من تغير لقيمة العملات والفرق بينها وبين سعر الفائدة , وبالنسبة للمشاركة , والتى ظلت مدرجة كصيغة , لايطبقها أى مؤسسة على الاطلاق رغم أنها أكثر الصيغ دقة فيما يتعلق بالشريعة , أما الحديث عن صيغة مثل السلم , ومدى علاقة ذلك بالسياسات الاقتصادية والمالية بالدولة المسلمة , فتجد تشهوهات بليغة ادت الى مظالم ومفاسد جمة , وكذلك الامر ينسحب على المضاربة وغيرها التى تتطلب دراسة علمية مؤسسية متأنية حتى يتم ازالة الشكل المشوه للممارسة , أما بالنسبة للعون الاجنبى والقروض الخارجية , وهى فى جلها اموال اصلها ربوى , وشروطها ربوية حسب الفهم العام , فاذا كنا لانعتمد سعر الفائدة من ضمن أسسنا الشرعية ,فعلى أى أساس يتم التوقيع على القروض الخارجية ؟ وهذا يفتح الباب واسعا لمايسمى بالتعاطى مع المؤسسات الربوية , فالذى يجوز ذلك , يفتح الباب لتجوزيه على مستوى المعاملات المصرفية المحلية بالدولة المسلمة , مثل ماليزيا مثلا . فهذه كلها قضايا تتطلب البحث .
أما على مستوى الجانب الاجتماعى , فعلى مستوى الاحوال الشخصية , فالاسس الشرعية أكثر رسوخا , ولكن على المستوى الاجتماعى ككل , حين يأتى الحديث حول قضايا معاصرة مثل الفقر والبطالة والجوع وانتشار الامراض والاوبئة والمناطق المهمشة والبيئة والتغير المناخى وحق المرأة فى مقابل مايعرف بال Gender وانتشار الفساد بمختلف اشكاله ومسمياته , وقضايا الشباب , والهجرة , والتنوع العرقى والثقافى والدينى , نجد ان اسهامات علماء المسلمين ومفكريهم فى التعاطى مع هذه القضايا على ضوء مفهوم الدولة المسلمة لايكاد يزكر , بل المجتمعات المسلمة كغيرها من الدول المتخلفة تمثل هذه القضايا من ضمن السمات العامة لمجتمعاتها , فتجد العلماء يركزون على قضايا ثانوية مثل الاحوال الشخصية , او القضايا العامة وليست الجوهرية الحاسمة التى تواجه الدولة المسلمة , مثل مواجهة العدو الصهيونى , استفتاء سويسرا حول بناء الماّذن , ولكنهم يتجنبون الخوض فى القضايا الحيوية التى يكابدها السواد الاعظم من سكان الدول المسلمة , مما أدى الى عدم تفاعل المجتمعات معهم , وهذه القضايا الاجتماعية تمثل معاناة المسلم اليومية فى دولته , وأى حديث يتقدم عليها يعتبر عنده نوع من الرومانسية , فكيف يستقيم الامر لتناقش من يتضور هو وابناءه جوعا , وتسفك بهم الامراض بمختلف مسمياتها , ويعانى ابناءه من البطالة وقلة الحيلة , ولايجد ماء نظيفا يشربه هو وماشيته , أو لاتتوفر له وسائل مواصلات ولاتعليم ..الخ من منظومة الدائرة الجهنمية المعروفة , كيف يناقشك فى استفتاء سويسرا حول بناء الماّذن ببلادهم . فيذهب للمسجد ليحدثه الامام عبر خطبته العصماء ما أقترفته امريكا بغزوها للعراق , او كيفية اداء مناسك الحج , وهو الذى لايمتلك قوت يومه , او يحدثه عن فضل صلاة الجمعة , وهو الذى حفظها عن ظهر قلب منذ نعومة اظافره وهو يؤدى هذه الفريضة .
ان الامر حقيقة يحتاج الى يتجه الجميع لتحديد ماهى اولوياتنا بالدولة المسلمة , والجلوس لمناقشة هذا الامر الذى يشكل كافة جوانب حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بكل تجرد , وبعيدا عن المكاسب الدنيوية الرخيصة , وعلى علماء الاسلام أن يثوروا فيماهو قائم , لانهم سينالون الوزر الاكبر يوم الحساب وكذلك اولى الامر , فهذه هى قضية العصر , ودفن الرؤس فى الرمال لايعالج قضية , وحال الامة اليوم يغنى عن السؤال , والرجوع للحق فضيلة , والانسياق وراء التيه والضلال لن يجلب سوى سوء العاقبة وغضب الله سبحانه وتعالى , وماتداعى الامم علينا واستخفافهم بنا , وازلالنا الا بماكسبت ايدينا , وختاما نقول , لايغير الله مابقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .
والله من وراء القصد
عاطف عبد المجيد محمد
عضو المنظمة الدولية لشبكة المعلومات والعمل لاولوية الغذاء – هايدلبرغ –المانيا
عضو الجمعية الدولية لعلوم الغذاء –بروكسل – بلجيكا
الخرطوم بحرى – السودان
تلفون :00249912956441
بريد الكترونى :atifabdu1959@hotmail.com
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة