إشكالية الدين والسياسة في السودان
بقلم: الدكتور نائل اليعقوبابي
*( تريدنا الحكمة شجعاناً لا نبالي بشيء،
تريدنا أشداء مستهزئين لان الحكمة أنثى، ولا تحب
الأنثى إلا الرجل المكافح الصلب.).
- زرادشت –
.. تلعب الوصاية الدينية في المجتمعات الإسلامية دوراً مؤثراً في تفكك البنية الفكرية، وابتعاد الإنسان عن التفكير الجدلي التحليلي لجميع المشاكل والظواهر التي تواجه الفرد خصوصاً، والمجتمع عموماً. ويقوم هذا النوع من الوصاية على وجود طبقة فوقية من رجال الدين المسلمين يتبوا بعضها مراكز سلطوية اكتسبها من خلال العلاقة الوثيقة مع الأنظمة السياسية، وهذا ما اعتدناه دوماً من الرابطة الوثيقة بين الدين والسياسة، وما عهدناه من خلال حكم الإنقاذ.. هذا ما يناقض بنية كل المجتمعات المدنية في العالم الليبرالي.
تعمل هذه الفئة على تعميم فكر غيبي لدى الشعوب المتخلفة ثقافياً، والوقوف ضد أي تطور في عالم الفكر والثقافة وجميع ميادين الإبداع المتميز والرائد، وقد تمنع حتى الاجتهادات الإسلامية التي تختلف معها بالرأي والاتجاه.
الامثلة على ذلك كثيرة وأخص بالذكر ما حدث مع الحزب الشيوعي السوداني آواخر الستيانات من القرن الماضي، والحزب الجمهوري اللذان شهدا حملة وموجة واسعة من التشهير والتكفير، مع الاتهامات والفتاوى التي اصدرتها هذه الحركات الدينية، التي تحاكم فلاناً، وتعاقب غيره، قائمُة الممنوعات والمُحرُّمات في السودان لها أول وليس لها آخر، كأنهُ عجوزٌ أنهَكتْهُ أنواعُ الأمراض، فكتبَ له الطبيبُ ورقةً تكدَّسَتْ فيها أسَماءُ الأطعمةُ التي يُحَظَّرُ عليه الاقتراب منها .. يزدادُ العجز.. وتطولُ قائمةُ الممنوعات!
إذ لامكان لحرية التفكير الديني والعقيدة مادامت سيطرة (سدنة هياكل الوهم ) – كما أسماهم (د. عبدالرزاق عيد) مستمرة - والتي ترى في عطاءات الاحزاب التقدمية والكتّاب والأدباء ورواد العقل والعلمانية انحساراً لدورها وثقافتها ونمط تفكيرها الذي وقف عند حدود عالم الأرواح والسحر والجن الأحمر.
لنعد سنوات قليلة إلى الوراء، ونتذكر ما جرى للمفكر الشهيد والمجدد الإسلامي الأستاذ ( محمود محمد طه ) وصدور الحكم بأعدامه باعتباره مرتداً لأنه خالف قوانين سبتمبر الجائرة، وقال في البيان الشهير للحزب الجمهوري بأن هذه القوانين لا تمت إلى الإسلام بصلة. أو تكفير الحزب الشيوعي وطرد أعضائه من البرلمان بحجج واهية.. أو تكفير وإهدار دم المناضل والبرلماني ياسر عرمان لأنه اعتراض على مادة في قانون الأمن الوطني أو الجنائي.. وأخيراً وليس آخر أتهام الحزب الشيوعي عندما اراد فتح دار له في منطقة الجريف، واطلقت الفئة الضالة ما يسمى برابطة الدعاة فتوها الشهيرة ( الشيوعيين كفار حتى لو كانوا مصليين).
ألا يذكرنا كل هذا بما يحدث في أوربا المسيحية قبل عصر النهضة، من قتل وحرق ومحاكم تفتيش ضد كل معارض لتعاليم الكنيسة، إلى جانب صكوك الغفران التي تضمن لحاملها مكاناً مريحاً في الفردوس الأعلى وملكوت السماء، وكأن العلاقة بين العبد والخالق بحاجة إلى تدخل الشيخ الإسلامي أو البطريرك المسيحي.
لابد إذاً أن يعود الدين علاقة شخصية خاصة بالنسبة للإنسان الذي يجب أن يمتلك حريته الكاملة في اختيار منهجه في الحياة دون فرض أو قسر أو تدخل من قبل / بعض / أصحاب العمائم الذين لم يزدادوا إلا تعنتاً وتعصباً لأفكار لا تمت للشرائع والديانات السماوية بصلة، حتى أنتهوا لأمثال بن لادن والظواهري، والزرقاوي، وجهادهم في سبيل الإسلام قرب مزارع الأفيون والمخدرات في أفغانستان، وأيديولوجيتهم في قطع الرؤوس والعبوات الناسفة وتدمير الأبراج التجارية على مَنْ فيها.
حين نفتقد الحرية الدينية فإنما نفتقد إسلاماً مستنيراً مثله قبل قرن مسلمون مستنيرون، كالأفغاني وتلميذه الشيخ محمد عبده ، وعبد الرحمن الكواكبي وفي عصرنا الحديث الشيهد الأستاذ محمود محمد طه وغيرهم، ممن فتحوا باب الحوار مع كل جوانب الإسلام، ووقفوا ضد الجمود والتقوقع الذي لن يؤدي إلا إلى مزيد من الانغلاق والجهل والتخلف الفكري.. والتطرُّف على وزنِ التخلُّف لأنَّه الابن الشرعُّي له!
هيئة علماء الكيزان:
الذي أراه أنّ حكومة مؤتمر الكيزان، لا تريد – في أعماقها – ثقافة، ولا تريد شعباً مثقفاً واعياً، ودليلي واضح، وهو أن تطلق أيدي هؤلاء العابثيين في هذه الهيئة المشبوهة للإفتاء في كل شيء.. وآخرها كان الأفتاء بعدم التظاهر، لأن التظاهر حرام لأنه ضد دولة الإسلام والحاكم بأمر الله!!
هذه فتاوى ( ديجتيل )، أكثر حداثة ومعاصرة من كل الاختراعات، تؤسس لمشروع كيزاني نهضوي تنويري.. ومناهضة لكل القوى السياسية على الساحة السودانية، فهي متآلفة لدرجة التماهي مع ما يطرحه الكيزان طوال تاريخهم لأنهم يوظفون الدين لخدمة أغراضهم الدنيوية والسلطوية.
وحكومة المؤتمر هي التي تمنح الحرية للتظاهر والحرية للكلمة وكذلك تسمح بحرية الرأي والتعبير في زمن ( التهجين ) في بلد مهزوم، يعشش الخراب في أحشائه منذ زمن طويل!
والمضحك والمبكي في آن عندما أصدروا هذه الفتوى التي تحرم التظاهر .. وتصدى لهم الشيخ القرضاوي تنكروا وتنصلوا منها ، كعادتهم دائماً ..
في رأي المتواضع، ستؤثر هذه الفتاوى بالأجيال الشابة وتزيده انحرافاً واقتراباً من الايديولوجية السلفية!
وستزيد التخلف تخلفاً، بحجة حماية النفوس وتسليمها بالايمان، ونفض الرؤوس من الغبار الشيوعي، أدهى بكثير من الحاضر!.
اتسأل لماذا لا يتم تأسيس هيئة فعلية تضم رجال دين من كل الطوائف لا تتبع للسلطان بأسم علماء السودان وأن يتم اختيار اعضاء هذه الهيئة من كبار الاختصاصين في مجالات العلم المختلفة، ومن العلماء الحكماء المشهود لهم بالخبرة والمعرفة، ومن ذوي السمعة العطرة والأخلاق الحميدة، والحلم الذي يضاهي حلم الأحنف بن قيس. إذا افتى واحدهم وقف المواطنون له احتراماً وتبجيلاً لعلمه وسمعته وخبرته، لا خوفاً من فتاوه وارتجافاً من سيفه البتَّار.
أختم مع الدكتور الشهيد (حسن مروة) الذي يقول في ( النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية):
( كانت هناك طوال عصور التاريخ العربي الإسلامي حاجة موضوعية إلى ظهور مفكرين مؤهلين للتعبير عن واحد أو كل من طرفي الصراع بين طبقات وفئات مستثمِرة (بكسر الميم) / وبين طبقات وفئات مستثمَرة / بفتح الميم/ وقد اتفق أن الطبقات والفئات الأولى في المجتمع العربي الإسلامي كانت دائماً تستغل النصوص الدينية الإسلامية ذات الصيغة الظاهرية بالجبرية، لتتخذ منها سلاحاً نظرياً وسياسياً وأيديولوجياً تدافع به عن وجودها، وتبني فكرة تخليد سيطرتها، وتجعل منها في الوقت نفسه أداة لزرع روح الاستسلام إلى الأقدار في نفوس الطبقات والفئات الأخرى المستثمَرة ( بفتح الميم)، وتخدير ثوريتها، وخنق مطامحها وكفاحيتها الطبقية ).
yagobabi@hotmail.com
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة