ديمقراطية المؤتمر الوطني وسيادة حكم القانون
سبق أن نبهنا أكثر من مرة أن هذا الحزب مجانب للديمقراطية ولا يستطيع أن يحي حياة طبيعية في ظلها كباقي الأحزاب في الساحة السياسية ، وتعامل الحكومة مع المسيرة السلمية بالأمس خير دليل علي ذلك ، فقد سقط المؤتمر الوطني في أول اختبار حقيقي لما تتمشدق به من إيمان بالديمقراطية والحريات وأقام الحجة علي نفسه هذا أمر مفروغ منه ، ولكن الذي يثير الدهشة افتقار هذا الحزب لتقديرات سياسية تدخل في الكسب السياسي لا سيما وأن البلاد مقدمة علي الانتخابات ، هل كسبت الحكومة أم خسرت في تعاملها مع المسيرة ؟ قامت الحكومة بصورة ملفتة للنظر بتعبئة الأجهزة الأمنية لمواجهة المسيرة وعطلت دولاب العمل في البلاد ليست في الخرطوم وحدها بل في معظم الولايات هذه الإجراءات أعطت انطباعا سيئا لحالة البلاد لدي الخارج وقد انعكس ذلك في البيانات والتصريحات من الدول والمنظمات الدولية وفوق هذا كله أصبحت مصداقية السلطة محل شك داخليا وخارجيا ، أما تداعيات الحدث سوف تتري في الأيام القادمات بصورة قد تهدد بانهيار عملية السلام الشاملة ، هكذا يستطيع المراقب القول بأن المؤتمر الوطني ورغم خبرته الطويلة في السلطة ينقصه التحليل الموضوعي للاحداث والحكمة في التعامل معها أي كانت حجمها .
مبرر الحكومة في تعاملها مع المسيرة بالصورة المشينة التي حدثت ينحصر في نقطة واحدة وهي عدم مشروعية المسيرة لعدم حصولها علي التصديق اللازم ........وأن الجهات المختصة أقدمت علي فض المسيرة إنفاذا للقانون .هذا المبرر لا يقف علي أرضية صلبة وسوف نبين ذلك لاحقا بعد أن نقوم ببيان المبرر الحقيقي للتعامل مع المسيرة من خلال تصريحات قادة النظام .السيد والي الخرطوم وقادة الشرطة المحوا إلي أنهم وقفوا علي معلومات هامة لحقيقة المسيرة التي خططت لها جهات كثيرة وأخطر بها الفضائيات والوكالات الأجنبية للتغطية وأخطار بعثة الأمم المتحدة والسفارة الامريكية والاتحاد الاوربي وحقوق الإنسان ويهدف كل ذلك لعمل بروفة لانتفاضة شعبية تسقط المؤتمر الوطني ، وجاء علي لسان كمال عبيد القيادي بالمؤتمر الوطني أن المسيرة لم تكن سلمية وأن الغرض منها إسقاط النظام قبل الانتخابات وذهب مندور المهدى الي أن المعلومات تفيد بنية الجهات المنظمة للمظاهرة لخلق فوضي واستخدام قنابل الملتوف ، إذن السبب الحقيقي في التصدى للمسيرة هو خوف النظام وهلعه من السقوط وهي حالة تتلبس الحكومة إلي درجة تحسب أن كل صيحة عليها هذه الحالة أصبحت هاجسا تورق النظام ولا تدع له فرصة للتفكير السوى لذلك تتكرر الأخطاء والاخفاقات تباعا ًونحن لا نستطيع مناقشتهم لان الحالتهم مرضية تحتاج إلي اختصاصين نفسين واجتماعين .
أما فيما يتعلق بالدستور والقوانين والإجراءات التي تتبع مثل هذه الحالات فلا بد من مناقشتها مع الشرطة والقانونين لنبين مواقع الخلل في الاستناد إلي القانون في فض المسيرة بالصورة التي حدثت ,نبدأ بالوقائع ومن خلال بيان وزارة الداخلية الذي أذيع في وقت متاخر من ليلة المسيرة ، أوضح البيان أن المنظمين للمسيرة تقدموا بطلب أخطار لمدير شرطة محلية أم درمان بتاريخ 3/12/2009م بإقامة تجمع أمام المجلس الوطني في الساعة التاسعة من صباح الأثنين الموافق السابع من ديسمبر 2009م ، وأن المدير رد علي الطلب في نفس اليوم بأن المواكب والتجمع يقتضي أخذ التصديق اللازم من السلطات المختصة حتى تقوم الشرطة بواجبها القانوني في تأمين الموكب المزمع ولم يتقدم المنظمون للمكوكب بطلب التصديق وأن لجنة أمن الولاية ناقشت الموقف بحضور رئيس النيابة العامة للولاية وخلصت إلي أن الموكب المزمع قيامه مخالف للقانون وفقا للمادة " 127" من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م ، لمناقشة هذا الأمر نجد أن الوقائع الثابتة تثبت تقدم المنظمون بطلب لمدير شرطة المحلية يخطرونه بالموكب هذا الطلب استلمه مدير شرطة محلية أم درمان وهي جهة اختصاص بموجب المادة التي استندت إليها الوزارة ونصها كالأتي [يجوزلاي والي أو محافظ في حدود دائرة اختصاصه أن يصدر أمراً يخطر أو يقيد أو ينظم بموجبه أي اجتماع أو تجمهر أو موكب في الطرق أو الأماكن العامة مما يحتمل أن يؤدي إلي الاخلال بالسلام العام ] وأضح من النص أن جهة الاختصاص انحصرت في الوالي أو المحافظ وبالتالي فأن السيد / مدير شرطة محلية أم درمان كان عليه أن يرفض استلام الطلب ابتدءاً لعدم الاختصاص ويوجه بتسليمه للمعتمد ، أو أن بستلم الطلب ويحوله لجهة الاختصاص [ المعتمد] رئيسه المباشر وينتظر منه أي أوامر بخصوص الطلب باعتباره المسئول فنيي أمنيا , لم يفعل السيد/ مدير الشرطة ما كان يجب عليه فعله بل تطوع بالرد علي الطلب وأنه يجب تقديمه لجهة الاختصاص [ ولم يذكرها ] وحتى وزير العدل تحدث عن الجهات المختصة ولم يسميها.مع أن المسألة واضحة في نص المادة المذكورة [ إنشاء الله المانع خير ] لم يتقدم المنظمون بطلب التصديق بل مضوا في الاستعداد للموكب هذا كان بتاريخ 3/12/2009م لم تحرك الجهات المختصة ساكنا وهي تعلم بالضرورة وجود المسيرة ، كان لها أن تصدر قراراً مسببا يحظر المسيرة لأي دواعي ويسلم للمنظمين مباشرة أو عبر وسائط الإعلام وفقا للمادة "127" من قانون الإجراءات الجنائية أو أي إجراء آخر تقيداً أو تنظيما للموكب حسب القانون ، انتظرت هذه الجهة حتي ليلة المسيرة لتعلن عدم مشروعية المسيرة لعدم التصديق !! أين تكمن المشكلة ؟ هل فقدت الشرطة المهنية بحيث لا تعرف أبسط قواعد التعامل مع مثل هذه المواقف أم أن السلطة السياسية كبلتها تماما بحيث أصبحت غير قادرة وغير راغبة في أداء دورها وفقا للدستور والقانون !
أما المادة "127" من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م متعلقة بتنظيم المواكب والتجمعات ولا علاقة لها بالتصديق لتسيير المواكب لم تتحدث المادة عن سلطة الوالي أو المحافظ في التصديق المسبق لأي تجمهر أو اجتماع أو موكب ، تحدثت عن سلطة الوالي أو المحافظ حسب الحالة في حظر أو تقييد أو تنظيم الموكب أي سلطة المنع حفاظا علي السلام العام بمعني أن جهة الاختصاص بمجرد علمها بالموكب عليها أن تصدر أمراً أما بالمنع والحظر أو تقييد الموكب وتنظميه من حيث الطرق التي تسلكها وعدم جنوح المشاركين إلي استعمال القوة وخلافه ......هذا بخصوص المادة التي تتشبث بها السلطة في فضها للمسيرة أما الدستور الموقت لسنة 2005م ففي مادته بالرقم 40/1 ونصها كالاتي [ يكفل الحق في التجمع السلمي ولكل فرد الحق في حرية التنظيم مع آخرين ، بما في ذلك الحق في تكوين الاحزاب السياسية والجمعيات والنقابات والاتحادات المهنية أو الانضمام إليها حماية لمصالحه ] هذا النص هو الأساس فيما يتعلق بحق التجمهر وبالتالي لا يجوز سلب هذا الحق إلاّ بموجب قانون ينظم ممارسة هذا الحق بحيث لا يسبب ضرراً للعامة والغريب أن السيد وزير العدل وفي رده علي باقان الذى تمسك بهذه وهو محق في ذلك قال الوزير ( أما ذكره لمواد الدستور فقد فات عليه تقييد تلك المواد بعبارة وفقا لما يرد بالقانون ، والثابت ومن خلال النص أن السيد الوزير هو الذي فات عليه أن العبارة [ وفقا لما يرد بالقانون ] لا وجود لها في ذيل هذه المادة أو راسها أو حتى وسطها ، أي الرجلين أعجب !!في فهمنا المتواضع أن القانون المختص بممارسة الاحزاب لنشاطها هو قانون الاحزاب السياسية لسنة 2007م هذا القانون وفي فصله السادس تحت اسم الحصانات والاعفاءات تحدثت في المادة "26/2" بقولها [ يكون للاحزاب السياسية الحق في عقد الاجتماعات الداخلية واقامة الانشطة الاجتماعية والثقافية والسياسية والرياضية وتسيير المواكب السلمية وفقا لما ينظمه القانون في مجتمع ديمقرطي ] السيد/ وزير العدل يعتقد أن هذه المادة تنطبق علي عمل الاحزاب داخل دورها أما المواكب والليالي السياسية فلا بد من أخذ الإذن من الجهات المختصة هكذا يقول وزير العدل والمحامي الضليع عبد الباسط سبدرات أي تعليق علي هذا القول يفسد المعني ...... ربما لدي الوزير نصوص للدستور غير منشورة في الغازيته 0لايمكن وبطبيعة الحال أن يكون باقان أوم السياسي ملم بالدستور والقوانين ويفهم نصوصها أفضل بكثير من السيد وزير العدل الذي يقوم بصياغة هذه القوانين ومناقشتها في مجلس الوزراء والبرلمان ويختص أيضا بحسن تطبيقها وكل اناء بما فيه ينضح !!
الامر لا يحتاج الي فهم ولا الي درس عصر ولكن ماذا نقول ازاء هذا البؤس القانوني حتى استاذنا فتحي خليل نقيب المحامين منذ اكثر من عقد ذهب منحي السيد الوزير المحترم الذي ذهب الي ابعد من ذلك وتحدث عن ضوابط المسيرة واهدافها وعن وجود مندسين ومخربين أو اصحاب الاغراض والاجندة وسط المسيرة ويستهدف أمن المواطنين وممتلكاتهم ولهذا الاسباب فان تسييرها مقيدة بقانون يعني انه في حالة التصديق بالمسيرة يمنع وجود المهندسين والمخربين واصحاب الغرض والاجندة مالكم كيف تحكمون ؟ هل وجدت الحكومة أى سلاح ناريا كان أم أبيضا لدى باقان أو عرمان أو صديق الترابي أو حتي ملتوف لدى أى من المشاركين , حقا الأختشوا ماتوا
الامرمجرد هرج ومرج ويفتقر لابسط قواعد العمل السياسي والفهم القانوني والمحصلة النهائية لهذا البؤس القانوني أن حكومة هذه قادتها غير جديرة بالبقاء فضلا عن مقدرتها ورغبتها في التحول الديمقراطي واجراء انتخاباتتتمتع بالنزاهة والشفافية والمصداقية علي الحالمين بالانتقال الي الديمقراطية في ظل سيطرة المؤتمر الوطني علي مفاصل السلطة عليكم ان يصحوا ويعيدوا حساباتهم .
بارود صندل رجب المحامي
Baroodsandel@yahoo.com
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة