دارفور
صفر
لم أجد سوىَ هذه المعادلة الغريبة عنواناً لما أرغب في التعبير عنه حول الجهود الطولية من تحركات اللاعبين الذين يشتركون في مساعي معالجة أزمة دارفور ويلعبون في ملعبها، وليس غريباً أن تأتي النتيجة ربما صفر كبير رغم أنه ليس هنالك مجهول واحد في المعادلة يجعلها مركّبة أو معقّدة، فهي إذاً من المفترض أن تكون من أبسط المعادلات، ولكن برغم كل ذلك تجدني وقد ذهبت إلى أعمق من بساطتها في التعبير من خلال اختلالها في صياغتها وترتيبها وعناصرها لتكون عنواناً للمقال ولتعطي توصيفاً لحجم التعقيدات المصطنعة التي تلف بالحالة التي اصبحت في حاجة إلى معجزة للحل الشامل، والتي برغم القدرة على جعلها سهلة من خلال إعادة ترتيب عناصرها في المواقع التي تمكنها من أداء دور أكثر فاعلية عبر التنزه عن رغبات الذات، إلا أنها تزداد مضاضة ومكراً في اتجاهها السلبي، بيد أنه رغم كل الخطوب ليس مستحيلاً متىَ ما استطعنا أن نفعّل كوامن النبوغ في ذاتنا وننثرها درراً إبداعية تدغدغ النفس بإيثارها عما لها فيها خصاصة، وتردعها عما لها فيها نصيب من عموم. فالوساطة المشتركة بين الامم المتحدة والإتحاد الافريقي والتي قامت على انقاض الرعاية الافريقية السابقة لمساعي معالجة الازمة خلال مفاوضات أبوجا وما قبلها، والحرب التي استعرّت بين الامم المتحدة الراغبة آنذاك في الإستفراد بالملف عطفاً على احقية تمويلها الأكبر للعملية التفاوضية، والاتحاد الافريقي المتشبث على خلفية جغرافية الأزمة قد تجلّت بوضوح منذ الايام الأولى التي اعقبت اتفاقية أبوجا، وحفرت أولىَ عقبات النجاح في الحل الشامل، وليس غريباً حينما نعىَ السيد يان برونك مبعوث الامم المتحدة للسودان والمشرف على دور وفريق الامم المتحدة في المفاوضات، نعىَ اتفاقية أبوجا قبل أن يجف الحبر الذي وقّع به بنفسه في الوثيقة، ولم يكن ذلك النعي اعتباطاً، فقد كان تمهيداً لما آل إليه الملف الآن، رغم أنه كان ضمن المصفقين من طابور المباركين للإتفاقية التي تمت في قصر الرئيس النيجيري السابق اوباسانقو. والحقيقة أن كل الذين حضروا ذلك الحفل من ممثلي المجتمع الدولي، لم يكن أمامهم خيار سوى أن يصفّقوا ويباركوا تحت ضغوط رغبة وإصرار الولايات المتحدة الأمريكية التي عبّر عنها المبعوث الامريكي ومساعد وزير الخارجية آنذاك السيد روبرت زوليك. بيد أن كل واحد من أؤلئك الممثلين قد طار عائداً إلى مرجعيته وفي مخيلته الكثير الذي نراه وقد انعكس وتجلىَ خلال السنوات الثلاثة التي أعقبت التوقيع وحتى الآن.
ورغم انني كنت قد قاطعت حفل التوقيع ذلك عطفاً على موقفي من الإتفاقية يومذاك، إلا أن ذلك لا يقلل قطعاً من أن اكون قادراً على استخلاص حقائق الامور التي انطوت عليها فصول الحفل إياه والايام التي تعاقبت بعد الحفل وقد حملت في طياتها بذور التوهان السائد الآن والذي تعيشه الأزمة متقلّبة بين الأنواء التي ينشدها الطامحين وفساد سويداء الطامعين، وبالتالي فليس غريباً أن تتقاطع الرؤىَ بين الإتحاد الأفريقي ممثلاً في المضمون الافريقي لكون السيد أدادا أفريقياً مبعوثاً على رأس المهمة الهجين وريثاً لبعثة الإتحاد الأفريقي سابقاً (أميس)، والذي أمضى سنوات وجوده كما العابر نظراً للمعطيات التي احتفظ بها كل طرف والتي تمسك خيطاً من خيوط اللعبة. ومن جانب آخر لم يكن السيد جبريل باسولي هو الآخر بأفضل عطاءاً وهو الذي اختلطت عليه الامور فما بات قادراً على تحديد ما إذا كان هو الوسيط الممسك بالملف أو أن الملف هو الذي يمسك به، أو هو ضيف على المستضيف القطري ومسهّل للراعي الأمريكي، لكنه في نهاية الأمر فرد من القارة الافريقية يجوب بوادي دارفور حارساً لمجهول لم يبلغ بعد كنهه.
الحالة السودانية برمتها وليس دارفور فقط باتت مطروحة على طاولة التشريح السياسي لمعرفة اسباب الوفاة، وإذ يتأبط كل طبيب مشارطه وكل مشعوذ عقده، وبالتالي فإن يقين القصد من ذلك هو تمويه بصمات الجاني من خلال إعتام النتائج حتى لا تُفضي إلى القدرة على توجيه اصابع الإتهام بقطعية والمطالبة بالقصاص بحزم. فحين نقرأ تمائم اللاعبين ونرصد مهاجع الهجين نجد أن الشوط الثاني من مباراة الأزمة السودانية في دارفور سوف يُلعب مع فريق فَقَدَ أكثر من ثلث لاعبيه بدواعي الإصابة والعطب. ليس بعيداً بالطبع عن فهم القاريء ما يعنيه هذا العطب، فهو عطب منظومة الحركات التي تبنّت القضية عبر وسيلة الكفاح المسلّح، وسيلة برغم النتائج الإيجابية لبعض ساحاتها في الماضي إلا أن المحصلة توضّح بجلاء أن استخدامها لم يكن بما ينبغي، الشيء الذي انعكس في شكل إسترخاء تام للنظام من ضغوطات العمليات العسكرية التي عانى منها بشكل مكثّف خلال الأعوام الثلاثة الأولىَ لاندلاع الأزمة وساقته إلى تبنّي سياسة أكثر ضبابية عمّا كان ينتهجها، لا سيما وأن الإشارة الضوئية للإنطلاق والتي بات يتحكم فيها بشكل كبير اللاعب الأمريكي، هذه الإشارة ما زالت معّلقة في اللون الأصفر ولا أحد يدري فيما إذا كانت ستنقلب إلى أحمر أو أخضر، وهي حالة تحدد بقاء المنطلقين وفق ما يريده المتحكم بالإشارة، حيث يمكن أن يطلق إشارة خضراء لجهتين في آن واحد يرغب هو في خروجهما من الساحة عبر تصادمهما، وقد يحوّل الإشارة في كل الإتجاهات إلى حمراء ويُبقي على حالة السكون كيفما يتفق مع رغبته التي يفتتن هواها إلى حد كبير مع موعد استفتاء تقرير المصير، وفي حالة ثالثة قد يعطّل الإشارة نهائياً ليتجلىَ الإبداع السوداني الذي نشاهده في حركة السيارات في التقاطعات عندما تتداخل مع بعضها وتتوقف الحركة ويبقىَ الجميع مبحلقاً في بعضه بعضاً لتؤدي الدور بالوكالة. لكن الجانب الإيجابي في اللاعب الأمريكي ربما غاب عن جهل لدى الحكومة والحركات على السواء، وهو ما لا نجد له تفسيراً من ضعف التفاعل الفعّال في اتجاه تحريك الأزمة رغم الجولات المكوكية التي قام بها المبعوث غرايشن نيابة عن اللاعب الأمريكي في فترة وجيزة تكاد تعادل كل الجولات التي قام بها مبعوثون آخرون سبقوه إلى دارفور، ذلك الجانب الإيجابي قصعة ناءت عن الوثبة عليها طواعية كل الحركات، وبالطبع الحكومة أيضاً. غرايشن عزم علىَ طي الملف رغم أنه عزم لا يخرج عن المسار المرسوم، ولكن فات عليه أن الغلاف هو فقط من ورق ولكن الصفحات من حديد، وهو ما ليس له بد للطي مِن أن يعي هذه الحقيقة، وهي تقتضي منه قراءة الملف بتأني وروية.
موسم الهجرة إلى جوبا قد بدأ منذ فترة، رؤساء دول وممثليهم ومسئولين كبار وزعماء قوى سياسية، جميعهم قد سجّلوا حضوراً، والحقيقة أن الهجرة إلى جوبا لم تتوقف أبداً ولكنها كانت تتم عبر الأثير، الجميع قد بدأ مبكّراً، كتلك الزيارة التي قام بها الرئيس المصري حسني مبارك في نوفمبر الماضي والتي اكتسبت خصوصيتها بالنظر إلى طبيعة العلاقة بين الخرطوم والقاهرة ومدى انعكاسها عليها، وقد مثّلت نقلة نوعية بالنسبة لحكومة الجنوب، ورأت فيها اعترافاً مبكّراً بقيام دولتها. وإذا كان البعض قد عزّز مضمون زياراته بمذكرات او تفاهمات تشكّل في مجملها إرهاصات متزايدة لأحداث المرحلة المقبلة، فإن الصفة الملائمة لطبيعة تلك الزيارات هي أنها تحمل مؤشر مخاض ميلاد دولة الجنوب بوضوح. وبالتالي فهي لا تحمل من سمات المناخ السياحي الذي تتميز به المدينة وما حولها سوىَ عنوانها، بينما غلبت وبشكل مهيمن سمات البناء المبكّر لعلاقات ثنائية تقوم على ندّية بين دول. الإنقاذ التي زرعت وروت ورعت بذرة الإنفصال، تعيش اليوم حالة الهذيان المضطرب، وما يجري من تخبّط في المسارات المختلفة من البنود العصيّة لاتفاقية السلام الشامل والمتمثلة في قانون الأمن وقانون الإستفتاء وتمرير الإحصاء وإقامة الإنتخابات، وهي بنود سعت الإنقاذ إلى محاولة تشكيلها كيفما ترغب، لكنها تناست أن طبيعة تلك البنود هلامية المادة، وهي خاصية لا تتيح لا للإنقاذ ولا لشريكها من الحركة الشعبية بالإنفراد بتشكيلها عطفاً على رغبة أحادية، بل هي خاصية تتعدى كل ذلك وتستعصي على الشريكين معاً، وطبيعة هذا الإستعصاء طبيعة عافية إذا ما نظر الشريكان إليها من زاوية المصلحة القومية وليس من زاوية المصلحة الثنائية لمعنى ومضمون التحول الديموقراطي والتداول السلمي، وأمر بهذا الفهم يفرض عليهما استيعاب حقيقة أن احتواء الهلام يتطلب وعاء حابس لا يستقيم توفره دون الأخذ في الإعتبار مكوّن القوى السياسية الموجودة في الساحة وتلك التي تمثلها الإنتفاضات الثورية التي اندلعت في أطراف البلاد، وهو ما ظل الجميع يسمّيه بالحكومة القومية الإنتقالية.
سيظل الحزب الذي اغتصب الحكم يعزف على وتر الإنتخابات التي يرغب في أن تتم في ظل الحكومة التي يهيمن عليها، ولا غرابة في أن يتمترس خلف امكانات الدولة ويتحدث عن جاهزيته للإنتخابات وينعت الآخرين بأنهم إنما يخافون الهزيمة، متناسين أن الهزيمة الكبرى هي أن تنشأ كحزب مستغلاً كل إمكانات الدولة ومتدثراً بثياب السلطة ومتحدثاً عبر أجهزتها ومعلناً أنك لن تتخلى عنها، الأحزاب التي تنشأ في كنف الحكومات الشمولية مثلها ومثل الأسماك، لا تقوىَ على التنفس والحياة خارج الماء، والسلطة بالنسبة لها هي الماء، فأي أحاديث تطلقها قيادات الحزب الحاكم عن قدرة حزبهم في الإكتساح عبر صناديق الإقتراع في انتخابات حرة ونزيهة ليس سوىَ فقّاعات صابون تتلاشى بمجرد أنطلاقتها من مصدرها في الهواء الطلق، والحقيقة أنهم يُطلقون هذه الفقّاعات إدراكاً منهم بأنهم سيواصلون العمل على أن يبقى حلم الإنتخابات الحرة النزيهة التي يأملها الراغبون في التحول الديموقراطي الحقيقي سجيناً أبدياً في أزهان راغبيها. ليس ذلك بغريب فحتى مثل هذا الحديث المفتقر لمقومات تماسكه ما كان يمكن أن يجد ساحة خالية للفرهدة لو كانت هناك من التنظيمات السياسية ما يعتمر جعبتها بفكر خالي من الثقوب وقادر على إنتاج مشروع وبرنامج ينهض بعزيمة الأجيال ويوظفه في إحسار الطفح الشمولي. لا تسجل التجارب حزباً نشأ في كنف سلطة وأصبح حزباً شمولياً حاكماً ثم أشرفت سلطته على الإنتخابات وخسر تلك الإنتخابات، ودونكم الأمثلة وما أكثرها في الجوار قبل أن تعبروا إلى دول ما بعد البحار. فما الذي يجعل من حالة الإنقاذ استثناءاً، اللهم إلا إذا جانبت القوى السياسية واحزابها المنطق والواقع والعِبر وقرأت الصفحة المكتوبة بخط عادي يمكن لكل صاحب بصر وبصيرة أن يقرأها بطريقة اللمس (برايل) التي يكتب ويقرأ بها المكفوفون، وآنئذ تكون الحصيلة شرعية تتلبسها الإنقاذ درعاً مهداة من ضحاياها لتبدأ مرحلة أخرى من التنكيل بهم تكون أضل وأنكى حيث سيندمون ولات ساعة مندم.
عبد الجبار محمود دوسه
15/9/2009م
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة