بعد إعلان خطته الجديدة
أوباما.. إلى أين يقوده الطريق في أفغانستان؟
جنرالات سابقين يحذرون: المصير الأمريكي قد يذهب إلى مآلات الروس من قبل في منطقة ملغزة
"واشنطن بوست": قرار شجاع لأن أوباما بدأ مهمة صعبة ومكلفة يعارضها قطاع عريض من حزبه".
القائد الأفغاني الشهير سيزار بابور قال ذات يوم: بلادنا كانت وما زالت عصية على الغزاة.. ولن تستسلم لأحد
النقطة التي كانت مثيرة لاستفزاز الرئيس الأمريكي عقد أية مقارنة بين حربه في أفغانستان وحرب فيتنام التي خسرتها الولايات المتحدة
" دويتشه فيله": أوباما هو رجل الحلول الوسط وهذا في الغالب شيء جيد.. لكنه قد يكون في بعض الأحيان أسوأ البدائل
تقرير أعده – عماد البليك
بعد أقل من شهرين فقط من الهجوم على برجي التجارة العالميين في نيويورك في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 كانت القوات الأمريكية قد دخلت أفغانستان بهدف القضاء على تنظيم القاعدة المتمركز هناك وفقا لما أعلنه بوش وقتذاك.
كانت المهمة كما أشيع لها بسيطة وسريعة، مع فتح الاحتمالات كما هي السياسة الأمريكية التي لا تغلق الباب تماما، في حين تجعله مفتوحا للنصف.
ولكن الوقت كان قد مضي وانجرت الويلات على العراق بدلا عن أفغانستان، وبدلا من أن يطارد الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش القاعدة وسط جبال البشتون، مضي في مطاردة "قاعدة متوهمة" في أرض الرافدين.
كانت الحرب الدموية في العراق، وبعد سنوات اتضح أن أفغانستان بؤرة عميقة لا يمكن الخروج منها بسهولة، وأن الحلم بالقبض على أسامة بن لادن قد تبخر إلى الهواء. بغض النظر عن القصص والأساطير التي تصاغ حول هذا الموضوع.
بعد انتخاب أوباما الرئيس الجديد للولايات المتحدة كان ثمة أكثر من تكهن بشأن أفغانستان، وكانت أغلب التكهنات حتى لو كان ثمة اختلاف، تذهب إلى أن الرئيس الشاب سوف يتمكن من فعل شيء وعلى نحو سريع.
قراءة منطقة أم أحلام وردية؟!
أوباما الذي عرّف نفسه على أنه دبلوماسي من طراز فريد نسج حلما ورديا أن السلاح لن يحل مشكلة، كانت يتكلم عن أن التفاوض هو الذي سوف يحل أية مشكلة، ولكن ظروف الواقع وتعقيداته كانت أكبر من التصورات، هكذا تبدو الصورة الخارجية، في حين يرى مراقبون أن الأمر لا يتعلق بالتوقعات وإنما بالسياسة الأمريكية التي لا تعرف التغيير السريع، فما يظهر على السطح أنه تغيير ما هو إلا فقاعة شكلية سوف تثبت الأيام أنها زائلة وأن الأمور سوف تعود إلى وضعها الحقيقي، وبهذا كان البعض غير متفائل أن ثمة شيء جديد قد يحدث في أفغانستان أو أن الجرح سوف يندمل.
هل يتعلق الأمر بـ "فقاعة" أم "فشل" لا أحد كان مدركا لطبيعة ما يجري على أرض الواقع، فالتصريحات الإعلامية التي تصدر من هنا وهناك، من واشنطن ومن تضاريس أفغانستان الوعرة تأتي كل مرة بنتيجة مختلفة، كمن يجرب لعبة الحظ أو يقامر في حانة ليلية.
وبدا أن نفوذ ما كان يسمى بـ "فلول طالبان" أو القاعدة ما هي إلا قوة جارفة من الصعب القضاء عليها على عجل، كما أن هذه المجموعات غير قانعة بالحوار، وامتد أثر الحرب على الجبهة الباكستانية حيث خاضت الحكومة هناك حروبا ضارية في وزيرستان في الفترة الأخيرة وهي تعلن في كل يوم عن جديد على ساحة الحرب، في ظل تزايد العمليات العسكرية في جبهة أفغانستان المفتوحة على شراعيها، وتنامي التفجيرات وأعمال العنف في مكان معقد من حيث الطبيعة الطبوغرافية وإمكانية قراءة الاحتمالات المستقبلية.
هل يعيد التاريخ نفسه؟
وفي هذا الحال الذي لا يسر، كانت ثمة تحذيرات من قبل جنرالات سابقين أن المصير الأمريكي قد يذهب إلى مآلات الروس من قبل في منطقة ملغزة، وقبل يوم فقط من إعلان أوباما (الثلاثاء) الإستراتيجية الجديدة للحرب في أفغانستان، كان قائد عسكري سابق قد قال الكلمة الأخيرة بظنه.
الرجل الذي كان يعمل في الجيش السوفيتي حذر الولايات المتحدة وحلفائها من حرب لا يمكن الانتصار فيها في أفغانستان، قائلاً إن "التاريخ يعيد نفسه"، في إشارة إلى فشل الجيش السوفيتي في تحقيق نصر عسكري في تلك البلاد.
وقال الجنرال فيكتور يرماكوف، الذي قاد جيش الاتحاد السوفيتي السابق في أفغانستان بين عامي 1982 و1983، إن الولايات المتحدة وقوات التحالف الدولي تنغمس في حرب خاسرة ولا يمكن الانتصار فيها. مذكرا أنه في عام 1979 اجتاحت القوات السوفيتية أفغانستان لتدعم الحكومة الماركسية في كابول، لكنها واجهت فشلاً كبيراً بعد أن بلغت خسائرها في الأرواح نحو 15 ألف جندي، وتداعى اقتصاد الدولة الشيوعية آنذاك، لتضطر إلى انسحاب مخز عام 1988. وللسخرية، كانت القوات السوفيتية تواجه حركة مسلحة شرسة تدعمها الولايات المتحدة الأمريكية، بالسلاح والمال، لم تستطع هزيمتها، وأصبحت حرب موسكو في أفغانستان تعرف بـ"فيتنام الروس".
الجنرال الروسي السابق الذي كان يتحدث بناء على معلومات خبير خاض المعركة بنفسه قال: "اجتحنا أفغانستان بقوات كبيرة.. ولم نذهب هناك لغزوها واحتلالها، ولكن لنفرض الأمن والاستقرار.. لكن لا يمكنك فرض الديمقراطية بالقوة.. سيقول الأفغان الآن إن النظام الأمريكي هو الأفضل.. تماماً كما قالوا إن السوفييت ونظامهم كان الأحسن"، يعني أن الناس يقدرون الأمور بحسب الظروف المحيطة بهم.
ويستطرد: "لكن ما أن تغادر البلاد حتى تعود الأمور إلى حالها.. أود فقط أن أذكركم بمقولة للقائد الأفغاني الشهير سيزار بابور، عندما أكد أن بلاده كانت وما زالت عصية على الغزاة.. ولن تستسلم لأحد".
تكهنات وإستراتيجية جديدة
ليل الثلاثاء جاء إعلان الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، ليل بإرسال 30 ألف جندي أمريكي إضافي إلى أفغانستان، في إطار ما اسماه بـ "إستراتيجية جديدة لكبح مليشيات طالبان"، على أن يبدأ انسحاب تلك القوات من هناك في منتصف 2011.
وحسم أوباما التكهنات الرائجة بشأن عدد القوات الإضافية التي سترسلها إدارته للمساعدة في استتباب استقرار أفغانستان، قائلاً إن نشر تلك القوات يجب أن يتسم بالسرعة، على أن يبدأ في مطلع 2010.
وحدد الرئيس الأمريكي في كلمته بأكاديمية "ويست بوينت" العسكرية في نيويورك، ملامح إستراتيجيته الجديدة، وربط نجاحها بتعاون الجانب الباكستاني، مؤكدا: "ليس هناك خطراً وشيكاً للإطاحة بالحكومة (الأفغانية) لكن طالبان اكتسبت زخماً.. والقاعدة لم تعاود الظهور بذات الكم العددي قبيل 11 سبتمبر 2001، إلا أنهم مازالوا يحتفظون بملاذهم الآمن على طول الحدود".
النقطة التي كانت مثيرة لاستفزاز أوباما عقد أية مقارنة بين حربه في أفغانستان وحرب فيتنام التي خسرتها الولايات المتحدة وعاندت فيها.
وفي هذا الإطار كان تأكيده الجازم بالرفض من عقد أية مقاربة بين الحرب الأمريكية في أفغانستان وحرب فيتنام، التي قسمت الشعب الأمريكي إبان فترة الستينيات والسبعينيات، قائلاً: "على نقيض فيتنام.. يشاركنا تحالف واسع من 43 دولة يقر بشرعية عملنا".
الصحف الأمريكية.. تأييد وصعوبات
في الصباح التالي خرجت الصحف الأمريكية ليحذر معظمها من العواقب، فإلى حد ما بدا لهم أن مقارنة الواقع بالتخيل غير مجد. الصحف التي أيدت قرار أوباما إرسال ثلاثين ألف جندي إضافي إلى أفغانستان، قالت إن الصعوبات التي سيواجهها الرئيس أوباما تتعلق بالداخل والمواطنين الأمريكيين الذين بدا بعضهم يفقد الثقة في سياسة أوباما في حرب أفغانستان، وهذا يعني أنه قد لا يجد الدعم الشعبي الكافي لقراره.
وذكرت صحيفة "واشنطن بوست" قولها في تحليل لها إن الرئيس الأمريكي "تحمل المسؤولية الكاملة لكن عدم وجود رد فعل من كبار الزعماء الديمقراطيين في الكونجرس إضافة إلى تشكيك الجمهوريين في إستراتيجية الخروج من أفغانستان، يشير إلى أن الرئيس يواجه معركة صعبة لإقناع الأميركيين بسياسته".
ورغم هذه الإشارة إلى أن الصحيفة وفي افتتاحيتها الرسمية وصفت قرار زيادة عدد القوات في أفغانستان بأنه "صائب لأنها الطريقة الوحيدة للحيلولة دون حدوث هزيمة يمكن أن تعرض هذه البلاد ومصالحها الحيوية للخطر" ومضت للقول هو أيضا " قرار شجاع لأن أوباما بدأ مهمة صعبة ومكلفة يعارضها قطاع عريض من حزبه".
أما صحيفة "نيويورك تايمز" فقد رأت رغم تأييدها لقرار أوباما الأمور بمنظار مختلف وقالت في افتتاحيتها: "إنه من غير المؤكد إذا كان مائة إلف جندي أمريكي إضافة إلى أربعين ألف جندي من حلف الأطلسي قادرين على تحويل مسار الحرب".
وأشارت الصحيفة في تحليل منفصل إلى "أن رسالة أوباما بدت متضاربة في البداية إلا أنها تعكس العراقيل التي يواجهها أوباما في محاولة للحصول على دعم الشعب المنقسم بشأن ما يجب عمله في أفغانستان".
فيما ذهبت صحيفة "وول ستريت جورنال" إلى وصف الإستراتيجية الأمريكية الجديدة بأنها "تحمل في طياتها مخاطر كبيرة"، جاء ذلك في مقال كتبه عدد من الناقدين المحافظين والليبراليين لقرار أوباما، قالوا فيه "إن القرار يعد مؤشراً على التحديات المستقبلية التي سيواجهها في إقناع الكونجرس والأمريكيين المتشككين بهذا القرار".
وهكذا بدا أن ثمة انقسام واضح، فأوباما الذي كسب دعما معنويا كبيرا الآن يبدأ هذا الدعم في التراجع بالتشكيك في إمكانية أن يفهم المواطن الأمريكي ما الذي يريده رئيسه بالضبط، خاصة أنه يتحدث عن التهديد الذي يمكن أن تشكله القاعدة على الولايات المتحدة وهو نفس المقولة التي كان يكررها سلفه بوش بأن الولايات المتحدة تقاتل هناك من أجل أن تحمي هنا، أي واشنطن ونيويورك والمدن الأمريكية.
لكن هذا التشكيك لم يمنع غالبية الصحف الأمريكية من دعم ما يقوم به أوباما، لأن الرجل ما يزال إلى اللحظة في طور الاختبار، وعليهم ألا يستعجلوا في القرار أو الحكم على ما سيحدث، وبهذا المنطق تحدثت صحيفة "سان فرانسيسكو كرونيكل" التي تصدر في أكثر الولايات الليبرالية المعادية للحرب في أميركا، فقد قدمت دعمها لقرار أوباما واعتبرت أن الرئيس "مصيب في قراره إرسال 30 ألف جندي إضافي إلى أفغانستان رغم أن هذه المهمة لا تزال محفوفة بالتعقيدات والغموض".
هل استعجل أوباما قراره؟
وتعتبر الزيادات التي أعلنت عنها كل من واشنطن بالإضافة إلى الناتو هي الأكبر منذ الغزو الأمريكي الأطلنطي لأفغانستان والإطاحة بنظام حركة طالبان في نهاية العام 2001، وتمهد لتلبية الأعداد الإضافية من القوات التي طلبها قائد القوات الأمريكية في أفغانستان الجنرال ستانلي ماكريستال في سبتمبر الماضي؛ حيث طلب إرسال 40 ألف جندي.
وبهذه الزيادات الجديدة في القوات بجانب تلك التي سبقتها في مطلع العام الحالي، وقدرها 22 ألف جندي، يرتفع عدد الجنود الأمريكيين في أفغانستان إلى حوالي مائة ألف جندي من 68 ألفا موجودين حاليا.
وأكثر ما أثار استغراب الدوائر الأمريكية المتنفذة وعلى رأسها وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاجون" نفسه، أن جدول عمل أوباما جاء وفق جدول زمني متعجل، هكذا رأوا الأمر، فقد كانت الغالبية تتوقع التريث وأن يتم ذلك في فترة تصل إلى سنة إلى 18 شهرا.
وقبل يوم واحد فقط من إعلان أوباما كان وزير الدفاع البريطاني قد انتقد الرئيس الأمريكي بأنه يماطل في إرسال قوات جديدة إلى أفغانستان، وذكرت صحيفة "الديلي تلجراف" إن حديث وزير الدفاع البريطاني يعكس إحباطا متزايدا، وكتبت الصحيفة مقالا بعنوان "بوب أينسورث ينتقد باراك أوباما بسبب أفغانستان"، قائلة: "في خروج عن المألوف في العلاقات الأمريكية البريطانية وجه وزير الدفاع البريطاني انتقادات علنية ونادرة إلى الرئيس الأمريكي باراك أوباما بسبب تأجيله اتخاذ القرار بإرسال المزيد من القوات إلى أفغانستان".
وذهب وزير الدفاع البريطاني إلى القول بأن عدم وجود اتجاه واضح في واشنطن فيما يتعلق بالمهمة في أفغانستان قد جعل مهمة إقناع الرأي العام البريطاني بدعم العمليات في أفغانستان أمرا صعبا".
ورغم أن هذه التصريحات تعتبر الانتقادات العلنية الأولى لسياسات واشنطن في أفغانستان إلا أن صحيفة "الدايلي تلجراف" التي تنقلها تقول إنها تعكس إحباطا متزايدا في أوساط حكومية بريطانية وحتى عسكرية سابقة من ارتباك إدارة أوباما في أفغانستان". فالرأي العام البريطاني بات يطالب بانسحاب مبكر من أفغانستان بعد مقتل نحو 98 جنديا بريطانيا منذ بداية العام الحالي هناك، وهو ما رفع عدد قتلى بريطانيا إلى 235 منذ غزو أفغانستان في العام 2001.
وتشير "الديلي تلجراف" إلى "أزمة مغطاة" بين البلدين الحلفين، بقولها "أن تصريحات وزير الدفاع البريطاني تهدد بزيادة التوتر بين لندن وواشنطن خاصة بعد الانتقادات التي وجهتها إدارة أوباما للحكومة البريطانية على خلفية إطلاق سراح عبد الباسط المقرحي المتهم في قضية تفجير لوكربي، بالإضافة إلى تجاهل أوباما لقاء براون على هامش اجتماعات الأمم المتحدة قبل شهرين في نيويورك".
خبراء: هناك صعوبات.. والنجاح ممكن !
وإذا كان الصين بعيدة عن التصريحات المباشرة فقد جاءت وكالة الأنباء الصينية "شينخوا" بتحليل إخباري، يعكس وجهة نظر الصين بشكل غير مباشر، وعنونت التقرير: "خبراء: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة بشأن أفغانستان تواجه صعوبات".
وذكر التقرير أن الخبراء ذكروا "أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما سيواجه كثيرا من التحديات الجديدة في أفغانستان عندما ينشر قوات أضافية في البلاد التي مزقتها الحرب في محاولة لنقل الواجبات الأمنية إلى القوات الأفغانية". وأكد التقرير :"رغم نشر الجنود، تظل الصعوبات القديمة قائمة".
وفي إفادة لـ "ريتشارد ويتز"، وهو أستاذ بمعهد هودسون الذي يتخذ من العاصمة واشنطن مقرا له، قال ويتز: "انه ليس هناك أي ضمان للنجاح، وأن خطة الرئيس أوباما قد تنجح علي الرغم من استمرار العقبات".
وهي إجابة تحمل تأويلين وتضع الأمور في وضع وسط بين افتراض ما سيكون والعكس تماما. أما "سكوت باين"، وهو مستشار سياسي كبير في مؤسسة "ثيرد واي" بالعاصمة واشنطن، فقال: "إن زيادة عدد جيش مثل ذلك بشكل سريع أمر يوجد كثيرا من المسائل التنظيمية، لذا يتعين علينا مراقبة ما إذا كان هذا سيحقق نجاحا".
ونجد أن رأي باين أقل تحكما في الاحتمالات من رأي ويتز، فقد ترك الأول الباب مفتوحا وترك الأمر متعلقا فقط بالانتظار، معتبرا أنه لا يمكن التكهن بأي شيء في اللحظة الراهنة.
في صحيفة "واشنطن تايمز" رأى "مايكل أوهانلون"، زميل مؤسسة "بروكينجز" بواشنطن، في مقال نشر مؤخرا: "أن الإدارة الأمريكية ستحقق النجاح إذا تم اتخاذ إجراءات معينة" وحدد هذه الإجراءات في أنه: "إذا صادق أوباما علي معظم أو جميع توصيات الجنرال ماكريستال الخاصة بإرسال مزيد من قوات الناتو، وبنينا جهودنا علي مبادرات واعدة جديدة أخرى" مؤكدا أن من شأن ذلك أن يجعل "فرص تحقيق أهدافنا الإستراتيجية الجوهرية أفضل بكثير من أي وقت مضي".
لكن ثمة مؤيدين للحرب من داخل الرأي العام الأمريكي المتنفذ، والذين أشاروا إلى أن عدد الجنود الإضافي الذي طرحه أوباما يقل بواقع 10 آلاف جندي عن العدد الذي طلبه القائد الأمريكي الأعلى في أفغانستان الجنرال ستانلي مكريستال.
فرغم هذا الكم الهائل الذي سيصل أفغانستان إضافة لما هو متواجد هناك، إلا أن ثمة من يرى أنه لابد من المزيد، فالمحلل العسكري "ناثان هيوز" في "ستراتفور" وهي شركة مخابرات عالمية، يرى "أن زيادة القوات لا تزال صغيرة للغاية لفرض حل عسكري في بلد مترامي الأطراف يتوزع فيه السكان على نطاق واسع".
ويوضح الرجل: "أن الزيادة ليست من أجل هزيمة طالبان، بل من اجل تغيير نظرة اللاعبين المشاركين واستعادة المبادرة حتى تستطيع القوات الأفغانية تولى المهام"، مضيفا: "في بلد يغير فيه اللاعبون مسارهم دائما على أمل أن يكونوا هم الفريق الفائز، بدأ العديد من الأفغان في الواقع التعاطف مع طالبان لأنهم يعتقدون أن هذا التنظيم هو المسيطر، وهذه هي النظرة الأهم".
معركة القلوب والعقول
ويرى هيوز أنه: "بغض النظر عن التحديات التي تواجه الإستراتيجية الجديدة، مازالت هناك تحديات قديمة. وهدف أوباما الخاص بحماية السكان يرمي إلى كسب معركة القلوب والعقول من اجل حرمان طالبان من الدعم الشعبي، ولكن هذا يشكل بعض الصعوبات حتى في وجود القوات الإضافية".
وفي هذا الإطار كانت القوات الأمريكية والبريطانية قد رددت كثيرا أن مقاتلي طالبان يميلون إلى الاختفاء دائما عندما تظهر القوات الأجنبية، ولا يظهرون مرة أخرى إلا بعد أن تغادر، حيث يقتلون القرويين الذين يزودون القوات الأجنبية بالمعلومات الاستخباراتية ومعونات أخرى". والتحديات كما تلخص من وجهة نظر هؤلاء المراقبين تتمثل في أن نشر القوات الإضافية سيحل المشكلة جزئيا، لان القوات ستركز على البقاع الساخنة التي تشهد أنشطة طالبان، وهناك تحد آخر يتمثل في إعادة إدماج الميليشيات في المجتمع.
ويحاول أوباما بحسب مسؤولين في إدارته إقناع الجماعات المقاتلة مع طالبان، والتي لا تضم متطرفين متعنتين، بلعب دور اكبر في الحكم.
غير أن ما يواجه هذه الفكرة هي أن واشنطن – بحسب هيوز - لا تعرف جيدا أي فصائل قد تقبل هذه التسوية، وستواجه صعوبات في التمييز بين الولاء المتباين والأجندات المتنافسة للقبائل وأمراء الحرب في أفغانستان.
كذلك يرى كثير من الخبراء أن محاولة الولايات المتحدة فرض حكومة مركزية قد تفشل في بلد تعتبر الديمقراطية المركزية مفهوما أجنبيا، ويلفتون النظر إلى أن أفغانستان ليست مثل العراق الذي يقع على جبل من الثروة النفطية ويتمتع بتاريخ من الحكم المركزي، فعلى النقيض تعد أفغانستان إحدى أفقر الدول في العالم وتنقصها البنية التحتية ولا يعرف تاريخها حكما في شكل سلطة مركزية.
أمن أفغانستان.. والأمن العالمي
إذا كان هؤلاء المراقبون ينظرون إلى المسألة في حدود أفغانستان فإن أوباما في كلمته يؤكد أن الهدف يتعلق بالأمن العالمي، حيث قال: "ما هو في خطر ليس مجرد اختبار مصداقية حلف شمال الأطلنطي، إنما هو أمن حلفائنا والأمن المشترك للعالم".
كما ركز على أمن بلده بالإشارة إلى أنه من الأولويات الأخرى تعزيز الأمن الأمريكي في الداخل، ومنع وقوع المواد النووية في أيدي الإرهابيين، وبناء علاقات أفضل مع العالم الإسلامي.
وتعهد أوباما بمطاردة القاعدة "أينما ظهرت"؛ حيث حذر من أن ما وصفه بـ"سرطان التطرف" الذي تفشى في أفغانستان "ينتشر أيضا في باكستان"، مثنيا على جهود إسلام آباد "غير المسبوقة" في مكافحة التطرف الداخلي. وقال: "سوف نتصرف ونحن على يقين تام بأن نجاحنا في أفغانستان مرتبط ارتباطا عضويا بشراكتنا مع باكستان".
أما كرازي الذي يعيش على الجمر، فقد تحدث مع أوباما حوالي ساعة كاملة بعد إعلان الرئيس الأمريكي للإستراتجية الجديدة وذلك عبر دائرة تلفزيونية مغلقة، وأعلن البيت الأبيض أن أوباما أبلغ كرزاي أن الجهود الأمريكية في أفغانستان ليست "بلا حد"، وسيتم قياسها بالأهداف على مدى عامين.
"روبرت فيسك" غير متفائل
ورغم التفاؤل الذي يبديه أوباما فقد كتبت صحيفة "الاندبندنت" البريطانية أمس الخميس "أن الإستراتيجية الأمريكية التي أعلنها الرئيس باراك أوباما في أفغانستان قد جربت من قبل ولم تنجح"، ونقلت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" عن كاتب المقال روبرت فيسك قوله: "تجربة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان وما شهده رأي العين من إصابات تعرض له أفراد من الجيش السوفييتي على يد مقاتلين أفغان يطرح تساؤلا كيف يمكن تخيل أن يقذف بوش وبلير بنا في نفس مقبرة الجيوش بعد ذلك بثلاثة عقود؟ أو أن رئيسا أمريكيا شابا سيفعل بالضبط ما فعله الروس في تلك السنين الفائتة؟".
ويسرد الكاتب كيف أنه ذهب إلى موسكو بعد نحو ربع قرن ليقابل الروس ممن كانوا في أفغانستان أثناء الاحتلال الروسي له ليجد أن البعض منهم قد أدمن المخدرات فيما يعاني آخرون مما يطلق عليه اسمه الضغط العصبي.
وفي نهاية مقاله يدعونا الكاتب "في هذا اليوم التاريخي ـ الذي يغوص فيه أوباما أكثر فأكثر في أعماق الفوضى ـ كي نتذكر التقهقر البريطاني من كابل وتدميرها عام 1842".
لكن السياسة الأمريكية ماضية وقد بدأ كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية بالتحرك لحشد الدعم للإستراتيجية الجديدة بزيادة عدد القوات في أفغانستان، وقال رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة الأدميرال "مايك مولين": "إن زيادة عدد القوات ستوفر القوة اللازمة لإحداث تغيير كامل".
ردود أفعال
أما حركة طالبان وفور إعلان أوباما فقد اتجهت إلى التصعيد بالهجمات على القوات الدولية ردا على الإستراتيجية الجديدة، وقال المتحدث باسم الحركة قاري يوسف احمد :" إن الغزاة يريدون التحكم بأفغانستان من خلال تعزيز قواته"، مشيرا إلى استعداد مقاتلي الحركة للرد على هذه التعزيزات.
وأضاف المتحدث "أن الصيف المقبل سيشهد تدمير هذه القوات الأمريكية التي سيتم إرسالها إلى أفغانستان، مؤكدًا امتلاك طالبان خطة مماثلة لمواجهة الولايات المتحدة وحلفائها".
ويبقى أن أوباما يتمتع بالدعم الدولي الكافي على الأقل المعنوي إن لم يكن العسكري، في ظل تردد بعض الدول في المساعدة، رغم أن معظم الدول الأوروبية كانت واضحة في التعبير عن تأييدها للخطة الجديدة ووصفها لأوباما بالشجاع، فقد أكد الرئيس الفرنسي ساركوزي دعمه للخطوة الأمريكية التي وصفها بالشجاعة، بينما دعا رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون الحلفاء إلى الوقوف خلف الرئيس أوباما.
وأعربت الرئاسة السويدية للاتحاد الأوروبي عن استعداد الاتحاد للعمل بتعاون وثيق مع الولايات المتحدة من أجل التصدي للتحديات في أفغانستان.
كما رحب الأمين العام لحلف شمال الأطلسي بالقرار الأمريكي وأعرب "أندرس فوج راسموسن" عن ثقته"بان حلفاء الولايات المتحدة سيزيدون مساهمتهم العسكرية في أفغانستان".
"دويتشه فيله": حل وسط غير مقنع
أخيرا نلقي الضوء على تقرير لموقع "دويتشه فيله" الألماني الذي وصف إستراتيجية أوباما في في أفغانستان بأنها "حل وسط غير مقنع". وكتبت "كريستينا بيرجمان": "في الكلمة التي ألقاها الرئيس الأمريكي باراك أوباما أمام ضباط الكلية العسكرية في وست بوينت شرح إستراتيجيته الجديدة في أفغانستان، لكن ما يزال يوجد نقاط عديدة غير واضحة".
تكتب بيرجمان في تعليقها التالي: "باراك أوباما هو رجل الحلول الوسط، وهذا في الغالب شيء جيد، لكن الحل الوسط قد يكون في بعض الأحيان أسوأ البدائل مثلما هو الحال بالنسبة إلى أفغانستان. الرئيس يريد أن ينشر هناك ثلاثين ألف جندي إضافي بأقصى سرعة ممكنة، وإعادتهم إلى البلاد بعد عام فقط. و بذلك يريد أوباما تلبية قسط من رغبات كل الأطراف؛ رغبات المعارضين بشكل مطلق للحرب، والمؤيدين لها، ورغبات أولئك الذين يفضلون شن الحرب على القاعدة وطالبان من بعيد. لكنه لن يتمكن من إرضاء أحد في حال ظهور حالة من الشك".
تمضي للقول: "فدعاة السلام سيجدون أن تمديد الحرب عامين على الأقل هو فترة طويلة، ونقاد تحديد مسبق للانسحاب لن يمكن تهدئتهم من خلال عدم تحديد مدى السرعة التي من المفروض أن يتم بها الانسحاب. ثم إن الجدول الزمني الضيق الذي يطالب الرئيس بنشر ثلاثين ألف جندي في إطاره سيشكل للعسكريين المرهقين منذ الآن تحدياً لوجستيا كبيرا".
وتؤكد الخبيرة الألمانية في شؤون السياسة الأمريكية: "السنة التي تتبقى أمام الجنود للقيام بمهمتهم هي فترة قصيرة جداً لا تكفي للقيام في نفس الوقت بضرب القاعدة، وتدريب الجيش الأفغاني، وحماية المدنيين. ومن الواضح أن الرئيس أوباما يدرك ذلك، فهو احتفظ لنفسه بمخرج صغير، إذ صرح بأن الانسحاب رهن بالظروف في عين المكان. فهل يعني هذا أن تاريخ الانسحاب لم يحدد بشكل جدي؟ علاوة على ذلك خيب أوباما الآمال في عدم وضوحه في عدة نقاط، فتكاليف مرابطة كل جندي في أفغانستان تكلف مليون دولار في السنة، لكنه لم يقل أي كلمة حول كيفية تغطية نفقات تعزيز القوات، ولا أي كلمة حول إدراج ضريبة حرب كما يطالب الكثيرون. ولم تصدر عنه أيضاً الكلمة الآمرة الضرورية إزاء الحكومة الأفغانية الفاسدة والضعيفة".
وتختتم: "خلال الكلمة التي ألقاها باراك أوباما أمام ضباط الأكاديمية العسكرية في وست بوينت اتضح إلى أي مدى يجد حامل جائزة نوبل للسلام صعوبة في شن الحرب. صحيح كان باراك أوباما قد أعلن منذ أيام معركته الانتخابية أن الكفاح ضد القاعدة في أفغانستان أمر ضروري من أجل حماية الشعب الأمريكي، لكنه ذهب الآن إلى أبعد من ذلك وقال إن أمن العالم بأسره معرض للخطر. لكن رئيساً يدعو للحرب ويقصد جاداً ما يقول يظهر بشكل آخر ولا يتحدث بشكل مستفيض عن القيم الأمريكية للسلام والحرية، مشيراً إلى أنه لا يراد فرضها على أمم أخرى بالقوة. ضباط الكلية العسكرية استمعوا إلى المحاضرة وصفقوا تهذيباً، لكنهم لم يعطوا الانطباع بأنهم اقتنعوا بما سمعوه، لكن هناك أمراً لا جدال عليه وهو أن مخطط أوباما الزمني يعني أنه سيكون عليه أن يتحمل مسؤولية نجاح إستراتيجيته أو فشلها خلال فترة رئاسته الأولى، وفي هذا فرق حاسم مع سلفه بوش، الذي سبب المشاكل التي يحاول أوباما حلها الآن".
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة