"الفلاحون يموتون ونحن غاضبون".
هذا ما يقوله يوسف وهو مزارع من منطقة الجزيرة التي يحيط بها نهر النيل وتروى باحد اهم انظمة الاقنية في العالم لكنه اليوم في حالة تداعٍ.
ويستطرد الشيخ عبدالله وهو رجل مسن نحيل البنية يغطي رأسه شعر اشعث رمادي اللون، زعيم قرية "طيبة الشيخ عبد الباقي" التي تعتبر معقلاً لاحتجاج الفلاحين وتقع على مسافة ساعتين براً الى جنوب الخرطوم، "ان الحكومة تريد تدمير الجزيرة".
و"مشروع الجزيرة" الزراعي الضخم هو كناية عن شبكة معقدة من الاقنية تروي 840 الف هكتار من الاراضي الخصبة بين النيل الازرق والنيل الابيض، بدأ اعداده في 1925 من قبل القوة الاستعمارية البريطانية بهدف زراعة القطن.
ويسمح سد باعلى النيل الازرق بتجميع المياه في خزان ضخم.
وتنقل المياه في قناتين رئيسيتين ثم في اقنية متفرعة تروي الاراضي المقسمة الى اجزاء من نحو عشرين فداناً لكل جزء (حوالي 8 او 9 هكتارات).
ويسمح نظام الري بالجاذبية المؤلف من سلسلة اقنية صغيرة بنقل مياه النيل الى عشرات آلاف المزارعين الصغار وذلك بكلفة ضئيلة.
ولفت علي عبدالله علي الاختصاصي في الاقتصاد السوداني الى ان مشروع "الجزيرة كان يعمل بطريقة شبه عسكرية خلال الحقبة البريطانية" في اشارة الى تنظيم العمل في ظل الحكم البريطاني.
وبعد فترة ازدهار يعاني مشروع الجزيرة من الركود.
فمنذ منتصف سبعينات القرن الماضي لم يسجل الانتاج اي زيادة ملموسة في هذه المنطقة فيما اتاحت تقنيات زراعية جديدة لبلدان اخرى تصنف بالمتخلفة القيام بثورة زراعية.
وقد ادخل السودان في العام 2005 اصلاحاً ليبرالياً يرمي الى بعث روح جديدة في الجزيرة.
فبات بامكان المزارعين ان يختاروا البذور التي يريدون زراعتها مثل القمح والذرة البيضاء والخضار والفول السوداني والقطن، لكن عليهم ان يدفعوا تكلفة تنظيف الاقنية الفرعية.
اما خدمات الصيانة العامة والنقل فقد نقلت الى شركات خاصة.
ويرى صديق عيسى احمد المدير العام لمشروع الجزيرة "ان الاصلاح يعمل بين بين حتى الان، فهناك مشاكل لكن نعتقد انه يعتبر الحل السليم".
واضاف "ان المشكلة الرئيسية هي الري، فان تمكنا من حل هذه المشكلة كل شيء سيكون افضل".
وكل عام ينبغي تنظيف الاقنية الرئيسية والاقنية المتفرعة - المصابة بالتآكل - من الاعشاب وترسبات المعادن لكي تنساب المياه بسهولة وتروي الحقول.
لكن محمد عبدالرحمن وهو صاحب مزرعة صغيرة في قرية وادي الشيخ تذمر قائلاً "من قبل كانت الحكومة تدفع كلفة صيانة الاقنية، اما اليوم فالمزارعون هم الذين يتكفلون بفاتورة النفقات".
وقد رفض عدد من المزارعين على غرار محمد الدفع؛ لذلك عادت الحكومة واخذت على عاتقها دفع جزء من الفاتورة لكنها لم تدفع في الوقت المحدد للشركات الخاصة التي تقوم باعمال الصيانة.
والنتيجة هي ان الاخيرة توقفت عن العمل في اوج فصل الصيف هذا العام.
واوضح محمد "عندما لا تجري صيانة الاقنية فان الانتاج الزراعي يتأثر لان المياه ستكون بكميات اقل في الحقول".
وفي هذه الارض المتشققة المحاذية لقرية طيبة الشيخ عبد الباقي تنبت سنابل الذرة البيضاء اليابسة.
الى ذلك فان الحصاد كان شحيحا في هذا الموسم في الجزيرة.
وقد سبق وحذرت السلطات السودانية من وقع ذلك على الاحتياطيات الغذائية للعام 2010 فيما يتجه السودان في نيسان/ابريل نحو اول انتخابات تعددية منذ العام 1986.