التفاوض أو الضياع
د. طه بامكار
أفرغت الدورات التدريبية التي تُعني بالتفاوض والمفاوضات معني التفاوض من مضمونه الواسع الذي يسع كل تفاصيل حياتنا اليومية... وحصرت معناه ومحتواه في المفاوضات بين الحكومة والتمرد، أو بين دولة ودولة أخري......وأصبح تعريفه قاصرا علي تلكم النماذج فقط من المفاوضات وتجاهلت أو غفلت عن جانب مهم جدا وهو تفاوض مكونات المجتمع المدني مع الحكومات في الحريات ونظم الحكم مما قلل الاستفادة من فن التفاوض في أمور حياتنا اليومية ، لذلك لم ينعكس فن التفاوض في سلوكياتنا اليومية بين الزوج والزوجة، وبين الأب والابن، وبين الأخوان والأخوات، وبين الطالب والمعلم، وبين السياسي والمفكر......هكذا فقدنا الكثير من القيم التي كان من الممكن أن تحسن سلوكيات المجتمع، وتحسن سلوك الحكومات، وبالتالي تكون النتيجة تحسن العلاقة بين الحكومة والمجتمع قبل تمرد أحدهما علي الآخر، ومن ثم توضيح الأدوار بين الحاكم والمحكوم، فتنتفي دواعي النزاعات والصراعات وحمل السلاح كتعبير خشن يتنافي وسلوكيات المجتمع المتحضر...أري انه ليس بالضرورة أن يكون هنالك تمرد حتى نمارس فضيلة التفاوض…. إحياء قيم التفاوض في المجتمع والتركيز عليه في المناهج يختصر كثير من الوقت وكثير من الجهد ويفرخ جيل جديد يحترم قيمة التفاوض والتفاكر، ويعمق العلاقات بين أفراد المجتمع........الصرف علي المناهج التي تهتم بالتنشئة الاجتماعية الصحيحة وعلم النفس والاجتماع يوفر للدولة الكثير من الوقت والجهد والمال......... التفاوض فن ينبغي أن تُعزف ألحانه وتستثمر موسيقاه وإيقاعاته في أعماق المجتمع من أجل ميلاد جيل جديد يُعلي قيم المحاورة والمفاكرة.... التفاوض هو انتصار الإرادة والعقل والمنطق والفكر في كافة الأمور... دائما النتائج التي نتوصل إليها عبر التفاوض هي نتائج حقيقية ومستديمة لأنها مدعومة باقتناع الأطراف المتفاوضة ولأنها نابعة من خلال عمليات تفاوض وتفاكر، الإنسان مهما أوتي من إمكانيات وقوة وسلطة لا يمكن أن يهزم إرادة أخيه الإنسان... نعم يمكن للإنسان أن يهزم أخيه الإنسان بالوسائل المادية مثل استغلال الثروة والسلطة، ولكن هذا لا يعني أبدا أن المهزوم تقبل الهزيمة.... سينحني المهزوم للعاصفة ولكنه سينتظر ويتحين الفرص المناسبة ليأخذ بثأره... الثروة والسلطة والقوة أمور قابلة للتداول أو التحول فلا يعقل أبدا أن تقود مسارات الحياة، ولا يعقل أبدا أن تكون نهجا نهتدي به في نظم الحكم..... واستغلال هذه الأمور في هزيمة الطرف الضعيف لا يساهم في استقرار الوضع...... سيظل الوضع في السودان وفي ولاية البحر الأحمر خاصة متأرجها لغياب قيمة التفاوض الحقيقي ...... في ولاية البحر الأحمر قد يتمكن طرف من أطراف النزاع من هزيمة قادة رأي في الطرف الآخر في زمن محدود وفي مكان محدود ولكن حتما لا يمكن هزيمة الإرادة..... سيظل التحدي متحفزا كامنا أو متحركا في خطوات قد تكون بطيئة بسبب غلبة السلطة والثروة ولكنها سوف تصل في النهاية وستتعلم الأجيال أن المبادئ أبدا لا تموت وأن الانحناءة الكاملة مرفوضة أصلا في جينات البشر.......
التفاوض في حياتنا عملية ضرورية وحتمية إذ نحن نعيش وكافة جوانب حياتنا متعلقة بعملية التفاوض، وحياتنا عبارة عن سلسة من المواقف التفاوضية.... ويستمد التفاوض حتميته كونه المخرج أو المنفذ الوحيد الممكن لمعالجة كثير من قضايانا المصيرية.... التفاوض موقف مرن يتطلب قدرات هائلة للتكيف السريع والمستمر للموائمة الكاملة مع المتغيرات المحيطة بالعملية التفاوضية ويحتاج الي قيادات تتسامي وتترفع عن الحظوظ الشخصية والصغائر وتعمل من أجل الحقيقة الشاملة التي تهدف الي تكامل أدوار أفراد المجتمع عبر فن التفاوض والإقناع بدلا من الانتصارات اللحظية التي تسندها الثروة والسلطة العامة.... التفاوض هو البديل الأمثل لإعمال القوة لأن القوة لا تؤثر في هزيمة إرادة الخصم كما ذكرنا آنفا.......
التفاوض هو موقف تعبيري عقلاني بين طرفين أو أكثر حول قضايا محددة ، ويتم خلال هذا التفاوض عرض وتبادل وجهات النظر أو تقريب وموائمة وتكييف وجهات النظر مع استخدام كافة أساليب الإقناع...... التفاوض عملية يمكن عبرها تحقيق مكاسب كثيرة أو المحافظة علي المصالح القائمة أو يمكن عبرها الحصول علي منفعة جديدة.... التفاوض عملية ديناميكية أي حركية، والحركة دائما تتأثر بالفعل ورد الفعل إيجابا وسلبا وتأثيرا وتأثرا.... التفاوض هو إقرار كل الأطراف بأن المسار السلمي الذي تم الاتفاق عليه هو السبيل الوحيد للتعايش الطويل الأمد والآمن...
بعد هذا السرد الطويل لمفهوم التفاوض وأهميته ومحاولة النقد لتلك المفاهيم الروتينية التي تتبناها الدورات التدريبية، ندعو الجميع الي المساهمة والمشاركة في توسيع مفهوم ونطاق التفاوض واستئناسه في الحياة اليومية ومحاولة ممارسته عمليا خاصة في ولاية البحر الأحمر....... ولاية البحر الأحمر نموذج لغياب قيمة التفاوض فهي تعيش علي هزيمة الرأي الآخر وتخاف التفاوض معه..... التفاوض الي كلمة سواء بين كل الأطراف خير من دفن أرؤسنا في الرمال وخير لنا من إخفاء وميض النار الذي كاد أن يكون له ضرام خاصة في النسيج الاجتماعي....
نعم التفاوض أصبح عنوان جاذب ومصطلح تمتطيه منظمات العمل التطوعي غير الحكومي ويتحاذق به بعض المثقفاتية في مفهومه الغالب أو المعتاد أو الروتيني الذي تقدمه لنا الدورات التدريبية.................. وهذه التفاصيل تهتم بها الدورات التدريبية التي تتبناها بعض الجهات وتتحدث عن التفاوض وأنواعه، وخصائصه، ومجالاته، وعناصره، وشروطه، وخطواته، ومناهجه، وتكتيكاته، وسماته، وخصائص المفاوض نفسه بجانب المبادئ الأساسية للتفاوض..……….هذه الدورات التدريبية وبهذا الاعتياد الممل في الطرح ساهمت في سجن مفهوم التفاوض في عروضها ( البوربوينت) وأطرت مفهوم التفاوض الواسع في قالب جامد...........
نحن في ولاية البحر الأحمر في حاجة ماسة الي إحياء التفاوض في مسارات حياتنا اليومية وفي ممارسته لتمتين التصالح الاجتماعي الذي يكاد أن ينفلت ........ التفاوض يساهم في تحديد وتوضيح الأدوار، ويساهم في تعزيز المنطق والحكم الراشد ويساهم في استعزاز واعتزاز الشعب بوطنه ويساهم في رتق النسيج الاجتماعي..... إذا التزمت الولاية نهج التفاوض في الثروة والسلطة قد تساهم في تعزيز الوحدة الوطنية…..التفاوض الذي ينظم العلاقة بين الحاكم والشعب نتيجته دولة قوية تستعصي علي التدخلات الخارجية......
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة