السياسة حين تلعب كرة قدم
بقلم: الدكتور نائل اليعقوبابي
.. فجأةً .. عادت أحداث حرب 3 يونيو 1969 التي اندلعت بين السلفادور والهندوراس إلى واجهة الأخبار طوال الأيام الماضية حيث استعادتها العديد من المقالات ووسائل الإعلام من أجل مقارنة مبرراتها وسيناريو أحداثها بوقائع مماثلة لا تزال تشهدها المنطقة العربية.
ففي عام 1969 وضمن التصفيات النهائية المؤهلة لكأس العالم في المكسيك أوقعت القرعة البلدين في مواجهة حاسمة لتحديد الفريق الذي سيتأهل إلى النهائيات. وبعد أن تبادل الفريقان الفوز كلٌّ على أرضه في أجواء متوترة، تم خلالها الاعتداء على رعايا كل دولة المقيمين في الدولة الأخرى إضافة لحرق ممتلكاتهم، تم تحديد يوم 27 ابريل موعداً لخوض المباراة الفاصلة بينهما على أرض محايدة وهي المباراة التي فازت بها السلفادور وتأهلت لنهائيات كأس العالم ما استتبع من الدولتين نشر قواتهما على الحدود ومن ثم اندلاع حرب شرسة بينهما توغلت فيها السلفادور بهجوم بري كبير لمسافة 40 كيلو متراً في هندوراس التي أرسلت طائراتها لضرب مدينتي سان سلفادور وأكابوتلا بالقنابل وبعد أسبوعين من القتال وخسائر فادحة وضحايا بالآلاف توقفت الحرب التي ابتدأت بمباراة لكرة القدم.
وضمن هذا السياق وفي إطار سيناريو مشابه انشغل الشارع العربي طوال الأيام الماضية بما بات يعرف بمعركة 14 نوفمبر التي حشدت لها الإمكانيات وسخرت لأجلها عشرات الفضائيات التي أعادت بث الأغاني الوطنية المحرضة على الصمود والمقاومة واستمرار النضال مع وجوب أن يظل ( السلاح صاحي ) حتى يتحقق النصر الموعود.
ورغم أن العالم العربي يحتاج بالفعل إلى الاستعداد لعشرات المعارك من أجل تحريره من الاحتلالات التي تهيمن عليه والتدخلات الأجنبية التي تخترقه بلا حدود فضلاً عن مشاكله الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المتعددة والتي لا تقل خطورةً عن كل ما سبق، إلا أن المفارقة أن معركة 14 نوفمبر لم تكن لأي من الأهداف السابقة كما أنها لم تقم في مواجهة أي طرف غير عربي بل إنها كانت صراعاً في إطار ما كان يعرف (بالبيت الواحد) وذلك من أجل الفوز بمباراة لكرة القدم في المعركة الكروية التي جمعت منتخبي مصر والجزائر في الخرطوم والتي استخدم الجميع خلالها كل أدوات التحريض اللا مشروعة واللا أخلاقية بدايةً باستهداف الحافلات بالحجارة وحرق الأعلام الوطنية أو تشويهها بإضافة نجمة داوود عليها، ومن ثم الاعتداء على الرعايا والمنشآت واستهداف المواطنين في كلا البلدين على أساس الجنسية .. وصولاً لحرق قاربين ومطعم بمرسيليا الفرنسية أثناء الصدام بين الجاليتين المصرية والجزائرية هناك وهو ما تزامن مع نشر عشرات المقالات التي أبدى خلالها بعض المصريين الندم على دعمهم للثورة الجزائرية أثناء حكم الزعيم جمال عبد الناصر وتحسر خلالها بعض الجزائريين على الوقوف إلى جانب مصر خلال حرب أكتوبر 1973، ما استلزم أيضاً إستدعاء سفيري البلدين لتبليغهما الاحتجاجات الرسمية مع تبادل الاتهامات بالمسؤولية عن كل ما حدث وسيحدث.
وبعيداً عن التهوين مما جرى أو المبالغة في التهويل فإن أحداث الأيام الماضية ينبغي أن تدق ناقوس الخطر في مواجهة الجميع حكاماً ومحكومين على حد سواء بسبب التدهور الكبير في القيم والسلوك واختلال المعايير الأخلاقية والوطنية في الحكم على الأمور وسهولة استبدال العدو بالشقيق وتزييف مفهوم الوطنية والانتماء إضافةً إلى الكم الهائل من العنف المادي والمعنوي الذي اكتشفنا أننا نخبئه لبعضنا بعضاً.
وهنا ينبغي التنبه لبعض الملاحظات المهمة، فما معنى أن تتعلق الشعوب بأي نصر وهمي حتى لو كان بكرة القدم تأتي به أقدام اللاعبين بعد أن فشلت العقول والسواعد بتحقيق انتصارات جدّية ومثمرة؟ وهل ينبه هذا الحكومات إلى أن فشل سياساتها وتتالى إخفاقها أصاب الجماهير باليأس والإحباط وجعلها تبحث عن أي مصدر فرح تتعلق به وتجعله حلمها الوطني بعيداً عن الأحلام الكبيرة والآمال العريضة التي أفنت عمرها بانتظار ما لم يأت...وما بات بعيد المنال..
وما معنى استبدال معايير النخوة العربية والكرامة الوطنية بمفاهيم جديدة وسخيفة أيضاً؟ فلم يعد استمرار الاحتلال والتنكيل بالشيوخ والنساء والأطفال العرب وتدنيس المقدسات الإسلامية والمسيحية على حد سواء هو ما يمس نخوتنا ويستهدف كرامتنا وإنما باتت الهزيمة أمام شقيق آخر هي الذل الذي لا يحتمل والهوان الذي لا يطاق والذي ينبغي استبعاد حدوثه بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة في داخل الملعب وخارجه، مع ملاحظة أن أي فريق عربي ليس لديه أي مشكلة أو عقدة في أن يخسر أمام أضعف فرق العالم في قاراته المختلفة على ألا يخسر أما فريق عربي آخر خاصةً إن كان جاراً له، بدليل أن العرب يوم السبت الماضي كانوا ينافسون على ثلاث بطاقات للتأهل لكأس العالم واحدة منها كانت مضمونة باعتبار أن الصراع كان محصوراً بين مصر والجزائر في حين أن الصراع على بقية البطاقات كان مع فرق غير عربية والمفارقة أن العرب خسروا في ذلك اليوم كل البطاقات الأخرى، حيث خسرت البحرين أمام نيوزيلندة وتونس أمام موزامبيق، دون أن يهتز أو يتأثر أحد من العرب المشغولين بحرب داحس والغبراء المندلعة بين مصر والجزائر.
أليس معيباً أيضاً أن زيارات قاتلي الأطفال العرب إلى بعض الدول العربية لا تستفز أحداً للتظاهر ضدهم ولو برفع صورة شهيد من أطفال غزة أو بغداد .. في حين أن زيادة فريق عربي منافس تستتبع التجمهر ضدهم بالمئات وربما الآلاف.
إن ما حدث طوال الأيام الماضية من شحن عدائي شمل الجميع، حتى من غير مواطني الدولتين المعنيتين، بات يستلزم مراجعة شاملة لأنه كشف فشلاً ذريعاً للحكومات والأحزاب والمناهج التربوية والفضائيات العربية ورجال الفكر والثقافة والدين الذين أخفقوا جميعاً في تسويق مفهوم العروبة وإبراز حقيقة النخوة والانتماء لدى الشعب العربي الذي لا نزال نؤمن أنه واحد!!
ويبقى اللوم والعتب على كرة القدم.. هذه الساحرة المستديرة التي طالما أمتعتنا.. واستدرجتنا حتى فضحتنا بهذه الصورة القاسية والأليمة.
yagobabi@hotmail.com
.
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة