في حضرة شيكان وتأمين الحجيج .. يطيب السؤال !!
ناصر البهدير
(1)
بيوت العنكبوت والكهنوت
الشبكة العنكبوتية المنسوجة بدقة من محاسيب المؤتمر الوطني الحاكم داخل مؤسسات الدولة تلعب دورا كبيرا في فوضى جباية الرسوم السائدة في كل مكان دون سند قانوني يعضدها. وكم من مرة صرح السيد رئيس الجمهورية في الهواء الطلق ومن منصة وقفته المشهودة وهتافه المعهود (لا لسلطة قد عملنا .....). والرئيس حين قال: لا يحق لمواطن أن يدفع مالاً لجهة حكومية إلا عبر ( إيصال 15)، كان يدري إن بعض الجهات تغذي خزينتها عبر الجبايات غير القانونية والتي تدخل في حيز الجباية غير الشرعية، وأنما الأمر من ناحية قانونية تقوم به جهة واحدة أسمها ديوان الضرائب.
ولكن في أروقة الدولة، تشعبت المسالك في جباية المال العام. وذلك نتاج التفكير غير الموفق في إلغاء المؤسسات الحكومية الناجحة وترك الأمر برمته في أيدي لجان الخصخصة والتي أنشبت أظافرها برعونة في بنية التحتية للسودان دون أدنى دراسة جدوى لمالآت الأوضاع، ورافقه في ذات الوقت عسر فهم سياسى، قاد إلى فوضى عارمة قضت على أخضر القطاع العام.
والمدهش حقا ولا يجد حظا من الجواب، ويربك إقتصاد الدولة التي أعلنت الخصخصة من أعلى أبوابها، أن ترى وزارات واجبها الدفاع عن الوطن وتحقيق أمنه وصحته ورفاهيته وغيرها من الخدمات الضرورية، تنكبت جادة إقتصاد الخصخصة عبر إنشاء المؤسسات الربحية التي يديرها ديوان الدولة فيما يعرف بالدعم الذاتي بعيدا عن الميزانية العامة، مما جعل الحبل على الغارب لتعبر عليه براغيث المال العام، ويختلط الحابل بالنابل في أبشع مقصلة إقتصادية تنتاش البلاد وتذبحها من الوريد إلى الوريد.
ماذا يعنى أن تكون للدولة منظمة بإسم الشهيد بولاية الخرطوم تقع تحت إدارتها (50) شركة تضارب في السوق وتزاحم أهله دون مسوغ قانوني يسندها، وهذا نموذج واحد فقط وقس على ذلك من مثالب نظام إقتصاد الإنقاذ الذي بنى على باطل ومحاربة من يزاحمهم في السوق حتى يخلو لهم باطنه وظاهره.
وما ذنب حجيج بيت الله الحرام، أن يتركوا في لجة وكلاء التحصيل ليقرروا لشيكان خصم مبلغا وقدره خمسة وثلاثون الف جنيه لصالحها. وهل قيم وأخلاق الدين الإسلامي تقول بذلك !!.
(2)
أفندية جمهورية البرلمان
برلمان الإنقاذ المعين، من تحالف البيوت والعسكر - والذي يعتبر جمهورية لأفندية السلطة والإستوزار ــ نادرا ما يحظى بنظرة تقدير من المجتمع السوداني. غير أنه في يوم 29 يوليو الماضي، حين قام عبر لجنته الإجتماعية بالوقوف مع حجيج بيت الله لأول مرة منذ تعيينه، معلنا عن تخفيضات في رسوم تكلفة الحج لهذا الموسم، كطائر رحمة هابط من السماء، فإن الحجاج توجهوا بالشكر له ورفعوا الأكف بالدعوات الصادقات، لم يحسبوا أن الأمر جاء في سبيل إنقاذ حملات الحج لهذا العام أو سياق حمى الإنتخابات لكسب الأصوات، أوكهدية مغلفة لا أكثر من ذلك.
ولكن نجحت لجنة البرلمان شكليا على صدر الصحف بإقتلاع إلتزامات من الجهات المختلفة ذات الصلة بالحج بتخفيض رسوم الشعيرة للموسم الجاري إلى ما يقارب الألفي جنيه (مليوني جنيه) من المبلغ الأصلي في كافة القطاعات المختلفة. وأعلنت عن سريان التخفيض بأثر رجعي. وجاء ضمن الإتفاقات التي تمت في الإجتماع ترك عملية التأمين لدى شركة شيكان حسب رغبة الحاج وليس إجباريا كما كان في السابق، وفك إحتكار شيكان للتأمين.
وأعتبر رئيس لجنة الشؤون الإجتماعية بالبرلمان د. الريح محمود ما توصلت إليه اللجنة مرضياً، وأضاف: اللجنة إختارت التفاوض والحوار بالنسبة للتخفيضات ليسهم ذلك في عملية التطبيق وتغلق الباب أمام أي تحايل رغم أنها كان يمكن أن تجلس لوحدها وتتخذ القرار.
وأخيرا لم يخرج موضوع التخفيض عن كونه مزحة من العيار الثقيل، أصابت الحجيج بالوجوم، بين مصدق وكاذب، لقرار لم يغادر بطن الصحف اليومية ومنصة إطلاق القرارت البائسة منذ مجىء رجال الإنقاذ لإنقاذ البلاد.
(3)
ما بين محمود والفادني
هل كان عباس الفادني عضو اللجنة الإجتماعية بالمجلس الوطني محقا في تصريحه الأخير للصحف ؟، حيث قال إنّ اللجنة قرّرت الإستمرار أو الإبقاء على خدمات تأمين الحاج الذي تقدمه شركة شيكان، وأبان أنهم توصلوا لهذا القرار بعد إطلاعهم على الجهود التي بَذَلتها الشركة بترتيبات تأمين الحجاج داخل البلاد وبالمملكة العربية السعودية، وأشار إلى أنّ الخطة التي قدمتها شركة شيكان تؤهلها للإستمرار في تأمين الحجاج بدلا من التركيز على القضية الإساسية إلا وهى إلغاء إلزامية التأمين الإجباري الذي تقوم به شيكان.
ويمضي الفادني معددا فوائد التأمين قائلا: (عملية التأمين مهمة للحاج، وأن لجنة الشؤون الإجتماعية تنصح به، وتشجع عليه، لما له من فوائد جمة بالنسبة للحجاج، مشيرا إلى الدور الكبير الذي تلعبه شركة شيكان للتأمين في هذا المجال).
ما بين محمود والفادني البون شاسعا كما بين أخر برلمان ديمقراطي وبرلمان الانقاذ، مسافة يمشيها أعضاء البرلمان حفاة خوف أن تتضح خطى أرجلهم على رمال الواقع، والواقع دائما ما يكون مسنود بحيل التخلص من الحرج وفقه الضرورة. كل منهما قال كلمته ومضى إلى صراط مصالحه، ناسيا بأن للشعب ذاكرة فولاذية. حتما السقوط من عال لا يحتاج إلى مهارة، لذا جاء مغاوير المال والسلطة من أزقة سوق صابرين ومن ضهاري بلدات السودان وأعقاب البنادق، وبمثل ما كان سيكون الوحل والسقوط مجددا.
فأنقذنا يا محمود حتى لا يهجم نمر الحج والعمرة على ضيوف الرحمن ويتوالى في تمزيق إحرامهم وينهش لحمهم كما أعتاد كل موسم!! يا ممثل الشعب السوداني إمتشق سلاحك ودك حصون مغاوير اللجان والمال طالما أنت ممثل للشعب السوداني وتنال من أجل ذلك مرتب وحوافز وقطعة أرض مميزة قطعا لن تكون بمدينة الفتح (القرية) على تخوم وادي سيدنا. اما زميلك الفادني فقل له دع شيكان لمغاويرها يقاتلون في مال الحجيج عبر الجهاز التنفيذي الذي صنعها. وما عهدنا نائب برلمان يدافع عن شركة قطاع خاص تديرها السلطة التنفيذية.
(4)
من دقنو وافتلو
لعملاق التأمين الإجباري، قصص كثيرة في إنتزاع أقساط كل أنواع التأمين، ذاق ويلاتها كل فئات الشعب السوداني. في غياب قوانين تحمي وديمقراطية يسندها برلمان راشد له القدرة على كبح لجام السلطة التنفيذية من شاكلة شركات شبت عن الطوق بليل بهيم ورعت وإستأسدت في ظل إستبداد الشمولية.
إحدى القصص المخزية التي لم تلق إهتماما إعلاميا كافيا في الفترة الماضية كانت فكرة تأمين الحجاج الإجباري الذي فرضته شركة شيكان بالتؤاطو مع الهيئة العامة للحج والعمرة في 1427هـ. ومن المخزي أكثر أن يبتدع نظام الإنقاذ مدعي تطبيق الشريعة الاسلامية نظام التامين الإجباري الذي يتنافى مع الشريعة الاسلامية وهو إحدى المشتقات المالية التي تسير على هديها الأنظمة الرأسمالية الربوية وإلا ما عقد له علماء الشرع الإنقاذي الإجتماع تلو الإجتماع.
ما يحدث الآن هو أقوى تعبير مجازي عن القمع والقوة، المفروضة من السلطة التنفيذية أنما المستبطن داخليا إلى حد كبير، بالطبع له تبعات ستهز الثقة في علماء السلطة وسيسلط الأضواء على المخاطر التي يشكلها تفكيرهم، فالعدو الأكثر تهديدا للشريعة يولد من صلب مجتمعنا، لذا ترنحه نحو الهاوية لم يكن وليد اللحظة، أنما عبر سنوات الأمام الملهم وأُختتمت بالأمام المنقذ.
شيكان، ترعرت في أحضان السلطة وفي مناخ الإستثمار المفتقد لاليات التشريع، وفرت لها الدولة الحماية من قمة الهرم الوظيفي لتفتك في المطاف بالحجيج بفتوى مصنوعة من دائرة هيئة الرقابة الشرعية للشركة. شيكان لم تذهب بعيدا بحثا عن الفتاوي المكلفة .. (من دقنو وافتلو) .. ومن داخل بنايتها العامرة دلفت إلى قسم الفتاوى المعلبة، لتخرج للناس بإجازة تأمين الحجاج والمعتمرين إجباريا لتسميه التأمين التكافلي.
(5)
فيل التأمين الكبير
في خطوة لم سبق لها مثيل، كالمنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى، جاء قرار إلزامية التأمين التكافلي على الحجاج والمعتمرين عبر فتوى هيئة الرقابة الشرعية لشركة شيكان. القرار لم يكن وليد اللحظة والإرتجال، بعد دراسة مستفيضة لأعمال الحج والعمرة كما تقول شيكان في ديباجة العقد الموقع بينها والهيئة العامة للحج والعمرة: (تحقيقا لسياسة الشركة والتوسع في تغطيتها التأمينية حسب حاجة السوق فقد أعدت شركة شيكان للتامين وإعادة التأمين المحدودة بإلاشتراك مع الهيئة العامة للحج والعمرة مشروعاً لتأمين حجاج بيت الله الحرام والمعتمرين ضد الحوادث والوفاة التي قد يتعرض لها الحاج والمعتمر خلال فترة الحج والعمرة، وقد تم الإتفاق على قيام شركة شيكان للتأمين بتنفيذ هذا العقد مقابل رسم مالي محدد قدره 3500 دينار تضاف إلى تكلفة الحج "الرسوم المفروضة للحاج أو المعتمر" وذلك طبقا للشروط والاستثناءات الواردة في العقد).
بعد شد وجذب لطيف ورسائل غزل بين شيكان والحج والعمرة كما تشير وثائق مكاتباتهم الأولية بشأن المشروع، خرج للملأ الزامية التأمين. في قصة طويلة وفاضحة، طلبت الهيئة العامة للحج والعمرة في خطاب معنون لشركة شيكان بتاريخ 17/7/2004 الفتوى الشرعية حول السؤالين التاليين:-
1. ما مدى موافقة التأمين لصيغ الشريعة الاسلامية ؟
2. ما مدى مشروعية إصدار قرار من الهيئة بالزامية الشريعة الاسلامية ؟
شيكان المشاركة أصلا في المشروع وبحكم قبوله ووضعه من ضمن أجندة دائرة التسويق بالشركة، لم يكن هنالك من جانبها ما يمنع ويقف في طريق الفتوى. وفي لمحة من البصر دعت طاقم الإفتاء بدائرة الرقابة الشرعية بالشركة لإجتماع عاجل. وكان الهدف بلا شك إظهار المشروع وتجميله بفتوى الشرع.
وردت شيكان بتاريخ 7/10/2004م، إلى السادة بالهيئة: (نفيدكم بأن هيئة الرقابة الشرعية لشركة شيكان قد إجتمعت بكامل عضويتها رئيسا واعضاء وتدارست الأمر، وكان رأى الهيئة بالنسبة للسؤال الأول هو أن كل عقد تأمين تعاوني يوافق أحكام الشريعة فهو عقد مقبول ابتداءا.
أما بالنسبة للسؤال حول مشروعية إصدار قرار من الهيئة العامة للحج والعمرة بإلزام الحاج والمعتمر بالتأمين التكافلي للحوادث فقد جاء قرار هيئة الرقابة الشرعية كما يلى: "إذا كان المقصود بالمشروع هو أن تلزم الهيئة العامة الحاج والمعتمر بدفع قيمة التأمين التكافلي ليكون أكثر أطمئنانا على أداء هذه الشعيرة الهامة التي أصبح ملزما بها في حالة الحج والعمرة عند توافر المقدرة المالية وتوافر المقدرة الجسمانية له، فإن مثل هذا المشروع يمثل مصلحة للحاج والمعتمر المتطوع ومتى كان في حدود معقولة لا ترهق الحاج والمعتمر بما يقعده عن أداء الشعيرة الواجبة عليه، فإن مثل هذا التأمين يحمي مصلحة متعينة للحاج والمعتمر وليس هناك ما يمنع شرعا من مثل هذا الإلزام مع السعى ليكون التأمين بأقل تكلفة ممكنة".
(6)
إحتكار بفعل السلطة
هذه هى شيكان في سعيها الدؤوب لسد كل فراغات سوق التأمين المحلي تدعمها ترسانة السلطة، تمضي إلى أقاصي خزائن ضيوف الرحمن بلا أدنى إعتبار لخصوصية اعمال الهيئة العامة للحج والعمرة.
في الواقع، شكّل التأمين انتهاكاً صريحاً لحقوق الحاج أوالمعتمر السوداني، بدءاً من طرح مشروع لم يستشار فيه، هو أشبه بخيانة خصوصيته، وانتهاءاً بتوجيه إلزامي من شركة تعمل في القطاع الخاص وكأنها وصيا عليه. وقد سكب علماء رقابتها الشرعية حبراً كثيراً ضللوا به أنفسهم قبل تضليل الرأى العام السوداني وحجاج بيت الله الحرام.
لم تقدم شيكان جديدا في مسيرتها سواء بإنتهاجها مسلكا لأول مرة داخل مضمار يهابه سماسرة السوق ما أن يذكر أسم الحجيج، كما تراه هى، أو وضع رؤية عن عالم مخفي لسوق التامين المحلي.
من الواضح أن العرض الذي قدمته شيكان حوله شبهات .. (الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات) .. وسعى الشركة لدائرة الإفتاء هو دليل على إن الأمر يشوبه خلط ومسالك شائكة. ولكن على الرغم من كل الدراما المتقنة والسعي إلى الظهور بمظهر الراعي، فإن شيكان هى التي سببت جزءاً كبيراً من الأزمة لنفسها. هذه حالة تقليدية عن عمى السلطة والمال المسنود بالعصا والصولجان. فشيكان هى حقا شركة ذكية وحاذقة وذات قدرة لإمتصاص مال البسطاء. لكن تنسى كما يبدو لها كل تلك الصفات الإيجابية عندما يتعلق الأمر بجمهور المسلمين القاصدين بيت الله الحرام.
بحسب مشاهد أعرفها جيدا، شيكان شركة فتية تأسست العام 1983م - السانحة التي أتاحها نظام مايو لولوج اقتصاد الاسلام السياسي البلاد .. ويا دار دخلك شر - إلا إنها لم تمارس نشاطها بصورة فاعلة إلا بعد صدور قراري رئيس الجمهورية رقم 412 و259 للعام 1990 حيث كان ذلك بمثابة التأسيس الفعلى لصرح شيكان الحالى الذى يقدم التغطيات التأمينية لكافة ممتلكات الدولة مما أهلها للحصول على أكبر طاقة إستيعابية فى عمليات إعادة التأمين.
خلال سنوات الإنقاذ، أصبحت شيكان تحتكر معظم سوق التأمين السوداني، وتولت ريادته في ظل الدعم والرعاية الحكومية التي حظيت بها.
(7)
شيكان .. تلملم تخمخما
من المعروف لنشر أي فكرة جديدة عن مشروع يبحث له عن أرضية من القبول من فئات المجتمع المستهدفة، يتحرك المبشرون به على كافة الأصعدة وخاصة وسائل الإعلام لما لها من دور كبير في عملية الإستقطاب والحشد لصالح المشروع. وهى مقياس للقراءة الصحيحة لمالآت النجاح والفشل إضافة لدراسات الجدوى التي تصاحب الفكرة المنشود تطبيقها. كل ذلك لم يطبق على أرض الواقع ولم يحظ بالذكر ولو على حين غرة.
هنالك بذور مدفونة في مكان ما تنتظر (اوآن الجوالي) حتى تستعيد الحياة، تختبىء خلف سيقان شجر النسيان والذاكرة الهشة. وبالطبع نحن لا نقف كثيرا على من له خبرة في إستلاب حقوقنا، ولا يمكن ذلك مهما كان بلغ الحال وتصاعد القيظ.
قفزت شيكان بنفسها على عتبات الفوضى وتسلقت في غفلة، شعاب مفاصل الحياة السودانية وأقتصاد التأمين بالبلاد. كل ذلك قد يبدو هيناً مقارنة بالتوغل المدروس في حقوق حجيج بيت الله الحرام. قطعا الشركة وأفنديتها لم يلقوا نظرة واقعية ومدققة عن المذاهب الأربعة، كل ما فعلوه إستخدام فهلوة الإنقاذ الإدارية المسنودة بحيل الفقهاء لإدخال الحجيج عنوة وبقوة لدائرة التأمين الإجباري. قياسا بالفتاوى الجاهزة والمعلبة التي إنتظمت أركان أقتصادنا، من الأفضل أن لا يشغلنا الأمر كثيرا، هى دورة من المال، عصبها الأصول السامة كما في العالم الذي يحاربنا حسب ما نتخيل. وحقا ما يشغل البال أن يفتح الباب على مصراعيه لجبايات جديدة ترفد حضن مؤسسات خاصة، معظم صغار موظفيها يتطاولون في البنيان على حساب فقراء بلادي. موظفين تجدهم في أحياء الدوحة ويثرب وكافوري والمجاهدين والمنشية يزرعون غابات الأسمنت من خزائن شركات وهيئات القطاع العام في زمن شرد فيه الشرفاء والمخلصين في السكة الحديد ومصانع السكر السودانية والنقل النهري ومشروع الجزيرة والرهد وحلفا الجديدة وغيرها.
إنها عصمة خاصة لشيكان وغيرها من مافيا الشركات الحكومية الأخرى، والتي لا رقيب عليها ولا حسيب إلا معاول أفندية السحت الذين يجوبون أودية المال العام شرقا من شيكان وغربا إلى مشروع الدواء الدوار وشمالا إلى مشاريع الإسكان وجنوبا إلى مشروع سلاح جياد.
(8)
أصحاب الفزع والوجع
التسلسل الإدارى منذ تسلم الإنقاذ مقاليد السلطة بالبلاد، يكاد مفقودا ويفتقر إلى الهرمية المستقيمة وأسس الخدمة المدنية التي وضعها الإنجليز منذ احتلالهم السودان. لقد إنفرط عقد الخدمة وآل إلى خراب ينعق فيه بؤم الفساد والتمكين الكامل للجبهة الاسلامية، هذا الكائن السياسي الذي رضع من ثدى عهد الخليفة عبد الله الذي أخل بكل الأوضاع بالبلاد وأصابها في مقتل وأحالها إلى دمار شامل لم يصب السودان بمثله حتى في عهد التركية السابقة والحكم الثنائي. ولقد تميز الانجليز بان حكموا السودان بعدل يندر أن يتحقق في هذه الايام.
إن السوس الذي غزا جسد الخدمة المدنية وفتك به، إمتد لكل مؤسسات الدولة، لم يستثن واحدة منهما .. (وأنكسر المرق) .. لذا محاولة عزل أي مؤسسة عن الأخرى يعتبر ضرب من الخيال ونوع من محاولة تلوين الهواء بالألوان الجميلة الزاهية. ومن المنطقي في مثل هذه الظروف، أن تقف مؤسسات الحج والعمرة في صف شيكان ومن على شاكلتها، وتمرر هذه الصفقة سيئة الذكر على حساب مال المسلمين وفق تبريرات من يعتاشون على هذه الأتاوات بالتضامن مع ولى أمر الحجيج والمعتمرين.
عار أن يأتي هذا الفعل الشنيع من الهيئة العامة للحج والعمرة، وهى الوصى الوحيد والمخول له ترقية خدمات الحجيج والمعتمرين في ظل نظام يدعى حكم الشريعة السمحاء. وهل الشريعة تستبيح مال المسلمين والتلاعب به ومنحه للاخرين لتشييد العمائر والشركات واشباه الشركات من شاكلة امتلاك (قلابات التراب ومزرعة) وغيرها من زينة الدنيا وشهواتها الزائلة؟.
المحزن ألا يقف السيد وزير الإرشاد وطاقمه الإدارى على حقيقة الأموال التي تأخذها شيكان بالباطل وتحت بصرهما بإسم تكافل الحجيج والمعتمرين. وهل هما في حاجة لهذا التأمين في ظل تدنى الخدمات من عام إلى عام؟ ومن المهم أولا تقديم خدمات متكاملة تليق بالحجيج والمعتمرين ومن ثم بعد ذلك البحث عن سيناريو يقدم الفتاوى ليبيح مال المسلمين. وأيضا من الضروري أن تصحى الهيئة العامة من سباتها الطويل وتلغى تلك الفتاوى وتعتذر وتسترجع ما جنته لأصحابه، وأن تترك الحجيج والمعتمرين لخالقهم القادر على تأمين رحلتهم القاصدة دون من أو أذى. وأن يأتى متاخراً خير من ألا يأتى.
(9)
حقائق وأرقام مدهشة
خمسة وثلاثون الف جنيه قد لا تعني رقما كبيرا ومهما لأي سوداني يقصد مرافق الدولة لقضاء خدمة، وفي الغالب الأعم يدفعها دون تلكؤ حتى يجتاز ميعة الخدمة المدنية الملوثة بالفساد والبطء والمحسوبية، ولكن أن يصير هذا الرقم إلى متوالية هندسية مدهشة هو ما يثير الريبة والحنق.
عند الحساب، دعونا نقصر الامر على الحجيج دون المعتمرين لعدم وجود إحصائية واضحة توضح عددهم من عام إلى عام. حصة السودان المعتمدة لهذا العام بلغت اثنان وثلاثون الف حاج حسب إحصائية الهيئة العامة. وبحسابات بسيطة ليست موغلة في التعقيد، هذا هو إستحقاق شيكان المتوقع 35000 ×32000 = 1120000000 جنيه .. واحد مليار ومئة وعشرون مليون جنيه سوداني لهذا العام.
كل هذا المبلغ يدخل خزينة شيكان بموجب فتوى قاهرة أصدرها مجلس فتواها دون حرج أو وجل، يتزايد كل عام بتزايد حصة السودان ( ويا بخت شيكان إذا صدقت الهيئة بأن هنالك زيادة في حصة السودان وفقا لتعداد سكان البلاد). بالكاد تحدث حالات وفاة طبيعية أو حادث أو أصابات مختلفة لا تتجاوز مجتمعة في كل قطاعات الحج 20 حالة. وهذه حسب عقد التكافل لا تكلف شيكان مئتين مليون جنيه وذلك إذا وافقت شيكان ومن دون مماطلة في صرف إستحقاق الحجيج، وأن كانت العملية مملة وطويلة تدفع أكثر المستحقين إلى ترك إستحقاقهم لدى شيكان لأن الأمر فيه عنت ومشقة. وهذا المبلغ في حالة المعتمرين يتضاعف عشرات المرات عادة.
مما سبق يتضح أن شيكان هى الرابح الأكبر من موسم الحج والعمرة مقارنة بالهيئة العامة وقطاعات الحج الأخرى مجتمعة، إذ كل دخلها لا يدخل في تقديم خدمات عكس الهيئة والقطاعات التي تقوم بأعباء الخدمة المتواضعة. بالضبط ما نستطيع قوله إن صافي أموال الحجيج والمعتمرين التي تدخل خزينة شيكان لا يقل عن الثلاثة مليار جنيه كل عام.
(10)
وليس أخيراً يا شيكان
إن الواقع لا ينتهي عند ثمن تأمين تكافل الحجاج والمعتمرين الذي يتخذ من حمل الركوة مدخلا للعيش. وشيطان الفساد ليس بمقدوره أن يفلت من أودية جورب وخف (واديان بجهنم)، كما متاح سبيله الآن يقرض ذات الشمال واليمين، بفعل الإنبهار بسطوة السلطة، مأخوذا بعاداتها القبيحة والمتحررة من كل دين، إنها تمثل له ثغرة في سلم الإخلاق ينفذ منها إلى عالم الفساد.
وليس بإمكاننا أن ندير ظهورنا لما تفعله شيكان بإسم الحجيج والمعتمرين وليس ثمة ما هو أشد ضررا ومخالفة للقوانين والأخلاق من محاولة التهرب منها بثرثرة فارغة على قارعة الطريق أو على مناضد المؤسسات العامة. شيكان ليس بغول صعب الإمساك به، كائن مجبول بدم فقراء المسلمين، سَدْمَان يمشي ويعيش بقلب وجل يعلم بأن هذا الطريق لن يقوده إلى دار النعيم، وما بين هذا وذاك يبقى المال السهل ملك الشيطان نفسه.
دع شيكان تسأل نفسها: من الذي فوضها للعمل في سوق التأمين وخاصة تأمين الحجيج والمعتمرين عبر إستلاب حقوقهم؟ هل لأن اللطف ديدنها وخلقها لراحة المسلمين !! لا أعتقد بأن الأمر بهذه البساطة التي تعتورها الكثير من الخداع، والخداع ليس بجديد تحت سماء البسيطة لبني البشر، حتى العصافير أروع خلق الله تمتلك غريزة الخداع.
شيكان تعمل بقاعدة وفقه (الجاتك في مالك سامحتك)، وميزتها في ذلك إنها أصبحت لا تخفي شيئا من تجاربها ومشاريعها حتى الخاصة على مستوى أفنديتها يضعونها عارية أمام العيون وعلى قارعة الطريق، فهم يريدون ملذات الحياة الأفضل ورفاهيتها، و تنتابهم شهوة الكذب على أنفسهم، وعلى غيرهم، ولعل هذا ما يغيظ الناس منهم، فهم لا يسجنون أُنفسهم في أحلام قديمة، ويحاولون العبور فوق أشواك اللحظة الحاضرة للوصول إلى الأفضل.
وهذا أمر يمكن تصوره من واقع تجربة أهل الإنقاذ، التي صبغت الحياة بهذا الزخم، وأعطته نسق التعفن والتلون، فما بالك بشيكان وهل يمكن فرزها من القطيع الجائع وجلباب الفكرة. إن المشكلة الأساسية تكمن في وجهاء المدينة والريف في لهاثهم المحموم نحو المال السهل، لو أنهم تعلموا من الأدب الإسلامي مقولة أبو ذر الغفاري: (ألا حبذا المكروهان الفقر والموت) لقصرت أياديهم على الأقل من لعق مال المسلمين.
n.albahdair@yahoo.com
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة