بسم الله الرحمن الرحيم 00
ما الذي يجري في المحاكم السودانية ؟
عبدالغني بريش اللايمى فيوف 00 الولايات المتحدة الأمريكية 0
bresh2@msn.com
أولاً نحيي في الصحافية السودانية السيدة لبنى حسين شجاعتها لتحديها محاكم تورا بورا وقوانينها القمعية التمييزية ضد نساء السودان في عصر الانفتاح البشري والإنساني ، عصر منظمات حقوق الانسان العابرة للقارات والحدود ، ومنظمات المجتمع المدني والأهلي المنتشرة في كل مكان 00 نهنئها لتلقينها النظام الرجعي الظالم في السودان ومحاكمه درسا قد لا ينساه ابدا في كيفية التعامل مع نساء بلدها من هنا وصاعدا ، نهنئها أيضا وهي تفضح رجال السودان دعاة حقوق الإنسان وتسبقهم في تعرية النظام الحاكم وقوانينه الجائرة التي لا هي شرقية ولا غربية " اسلامية أو وضعية " 0
قصة السيدة لبنى حسين معروفة للقاص والدان ، تناولتها كبرى وسائل الاعلام العالمية المرئية منها والمسموعة ، وذلك عندما اتهمتها شرطة النظام العام السوداني بإرتداء ملابس " غير لائق بالذوق العام " وحكمت عليها لاحقا إحدى محاكم " تورا بورا " السودانية بالجلد أربعين جلدة 00 لكن هذا الحكم المزاجي التورابوري لم ينفذ ،، بل قامت المحكمة ذاتها بعد اقل من شهرين بتغيير حكمها الأول من الجلد أربعين جلدة إلى الحكم بالغرامة 500 جنيه سوداني أو السجن ثلاثين يوما ، وذلك في جلسة يوم الاثنين الموافق السابع من سبتمبر 2009 0 وهنا نسأل سؤالا مشروعا 00 ما الذي يجري في المحاكم السودانية عموما !! ؟ وأين هي الشريعة الإسلامية العادلة من كل هذه البلطجة والتقلبات القانونية ؟ وأليس تنفيذ حكم الجلد عمل من اعمال الشريعة الاسلامية وتطبيقا لها على عباد الله المساكين مسلمين كانوا أو نصارى ، كما يدعي المتحدثين بإسم الله في كهوفهم ؟ 0
ان المحكمة السودانية التي غيرت حكمها من الجلد إلى الغرامة كانت لها ان تتمسك بحكمها الأول إذا كانت تطبق فعلا حكما من الأحكام الإلهية ، وإلا وأنها قد غيرت حكمها دون ابداء مبررات قانونية ، تكون قد كشفت عن عورتها الظالمة ، وأصبحت لعبة رخيصة في يد النظام السوداني المتهالك الذي أصبح يستخدم كل الأساليب الارهابية ضد مواطنيه للبقاء في الحُكم 0
تجلى نفاق المحاكم السودانية ومعها النظام الحاكم في حرصهما الشديد على ملاحقة الضعفاء والمساكين والمعذبين في السودان بغض النظر عن دياناتهم ، وترك العتاة والقادرين أصحاب النفوذ يفلتون من العقاب ، وهذا نذير شؤم للضعفاء والمهمشين ! ، وبهذا نستطيع القول ان هذه المحاكم عندما سمحت لنفسها أن تكون أداة ابتزاز في يد النظام السوداني الجائر ، فإنها بذلك فقدت كل مصداقيتها القضائية والمحاكمية ، لتنضم إلى قائمة المؤسسات الحكومية التي تفتقد إلى ثقة الانسان السوداني بشكلٍ مفضح ومحزن ، نتيجةً لرضوخها التام لإرادة النظام السوداني 0
الحكم الصادر يوم الاثنين 7 سبتمبر 2009 على الصحافية لبنى حسين بالغرامة بدل " الجلد " كان فعلا حكما غريبا ، لأن هذه الأخيرة أصلا لم ترفض " حُكم الجلد " الذي صدر ضدها ابتداءاً ، بل كانت مستعدة للجلد أسوةً بزميلاتها الجنوبيات اللاتي جلدن لنفس التُهمة ، ولهذا قامت بتوزيع دعوات للصحف العالمية ووكالات الأنباء الدولية والاقليمية ومنظمات حقوق الانسان ومنظمات المجتمع المدني والأهلي لحضور محاكمتها ، لكن الجهات التنفيذية تماطلت في تنفيذ الحكم وسط الحملات الدولية التي نددت بهذا الحكم وطالبت الحكومة السودانية بإلغاءه فورا ، لكن النظام وقف حائرا مشلولا من هذا الموضوع ، الأمر الذي فتح مجالا للأسئلة والتساؤلات حول مصداقية هذه المحاكم التي يفترض فيها النزاهة والعدالة للناس ؟ أليس غريبا وعجيبا ان تحتار المحكمة المعنية من حكمها رغم انه لم يكن مستأنفا ، ولم تعد الدعوى منظورة أمام محكمة الإستئناف ؟؟ وما الذي يمنع تنفيذ حكم الجلد على لبنى إذا كان القاضي الذي اصدر الحكم متأكدا من تطبيقه للقانون أو ( الشريعة الإلهية ) المزعومة ؟ 0
إصدار الأحكام القضائية بنزاهة وأمانة وشرف دون اعتبار لإرادة السلطة السياسية في أي بلد ، هو أساس العدل وصمام الأمان لجميع المواطنين ، بما في ذلك القُضاة أنفسهم الذين يفصلون في مختلف الدعاوى ، ويصدرون احكامهم القضائية بشأنها ، وإذا فقدت المحاكم نزاهتها وضميرها تهتز العدالة بِرمتها ، وبالتالي ينهار معها النظام المالي والإداري والاجتماعي والاقتصادي 00 الخ ، بل وتنهار كل مؤسسات الدولة وتصبح الفوضى والبلطجة سيدة الموقف 0
القضاء في أي بلد من البلدان هو ورقة التوت التي اذا سقطت وبانت عورتها سقطت الكُل ، فما حدث في محكمة الصحافية لبنى حسين وغيرها من المحاكم السودانية من اهتزاز عدلي قضائي لهو دليل واضح على سقوط هذه الورقة التوتية 0
لم نكن نبالغ إذا قلنا ان معظم قضاة المحاكم السودانية ربما لا يعرفون القانون أصلاً ، أو ربما يصدرون أحاكمهم بدوافع انتقامية أو ايدلوجية ، بل أصبح القضاء لعبة ابتزاز في يد النظام السياسي ولم يعد مصدر فخر واعتزاز للناس ، ومبعث اطمئنان لهم في احقاق الحق ونصرة المظلوم ، إنما أصبح سيفاً مسلطا على رقاب الضعفاء والمسكين الذين لا حول ولا قوة لهم ، وأداة لترويعهم والإساءة إليهم في أشخاصهم وأموالهم وسمعتهم وكرامتهم ، يصدرون ضدهم أحكاما عشوائية واعتباطية تفتقر إلى القاعدة القانونية 00 واصبحت وظيفة القضاة ليس للمؤهلين قانونيا والقضاء بالعدل والنزاهة ، إنما للساقطين والفاشلين في حياتهم الذين لا يترددون في ارضاء الحاكم وتوجهاته السياسية 0
ان الاحكام التي صدرت عن هذه المحاكم ضد لبنى حسين وفتيات جنوبيات أخريات بعقوبة " الجلد " بحجة ارتداءهن ملابس خادشة للحياء ، احكام مخجلة ومخزية ، لأنها انتهاك واضح لحقوق الانسان وتمييز بحق نساء السودان وتمثل انتهاكا للمادة " 14" من القانون الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية الذي التزم به السودان ووقع عليه 0
قضية السيدة لبنى حسين ترمز إلى توجه اعتباطي أكبر نحو التمييز في معاملة النساء في السودان قانونا 00 وما يؤكد صحة كلامنا هذا هو ان القانون الذي تتبجح به المحاكم السودانية لا يحدد أصلاً " اللباس غير المحتشم " وهذا ترك للشرطة والبوليس سلطة تقديرية للتوقيفات العشوائية التي تجري للنساء في السودان 0
تخيلوا أيها السادة والسيدات ان ذات المحاكم التي تطارد الضعفاء من الجنوبيات المسيحيات وغيرهن من اللاتي يرتدين " البنطال "هي المحاكم نفسها التي تغضّ البصر عن " بناطلين " كبار الموظفات من الشماليات والجنوبيات العاملات في المؤسسات والمصالح الحكومية - على سبيل المثال د/ تابيتا بطرس وزيرة الصحة الاتحادية لا ترتدي غير " البنطال " فلماذا " الكيل بمكيالين " والمعايير المزدوجة ؟؟ 00 وأليس هذا تطبيق لبيت من معلقة الشاعر الجاهلي عمرُ بن كلثوم القائل >> ( وَنَشْرَبُ إِنْ وَرَدْنَا المَاءَ صَفْـواً **** وَيَشْـرَبُ غَيْرُنَا كَدِراً وَطِيْنَـا ) << ؟0
ان الرسالة التي نريد ارسالها للمحاكم السودانية وللقضاة عموما هي انهم رقباء على ضمائرهم ، وهُم أحرار في تكوين عقيدتهم وفلسفتهم ، لكن شريطة وجود ما يشير إلى أن الأحكام الصادرة عنهم بنيت على المنطق والعقل ، والدعاوى قد تم فحصها بين أدلة الثبوت والنفي ، وليس هناك مخالفات أو أي شوائب تشوبها 00 فإلآ فإن نهايتهم حتما ستكون كنهاية الطغاة والمستبدين من الحكام الذين يقطعون رقاب شعوبهم دون أدنى اعتبار لآدميتهم وكرامتهم وانسانيتهم 0000000
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة