الاستاذ عبدالرحيم حمدى وقضية أزمة الاستثمار فى السودان وحيازة الاراضى
بناءا على ما أوردته الصحف حول اراء الاستاذ عبدالرحيم حمدى حول معوقات الاستثمار بالسودان وبالاخص موضوع حيازة الاراضى , لقد عايشت مرحلة الاستاذ عبد الرحيم حمدى وهو وزيرا للمالية , وبغض النظر عن انتمائه السياسى , وكما يحب البعض بوصفه عراب الانقاذ الاقتصادى , الا أن سياساته اعتبرها فى ذلك الوقت كانت نقلة نوعية لحركة الاقتصاد بالبلاد , ولادلل على ذلك , محاولته الانتقال بالمشروعات والمؤسسات الحكومية الكبرى الى فلسفة جديدة تواكب المعاصرة دون اخلال بالابعاد الاجتماعية لخطوات مثل الخصخصة والهيكلة للمشروعات , وذلك من خلال تأسيس صندوق دعم صغار المنتجين التابع لوزارة المالية اّنذاك , وفى نفس الوقت محاولة أعادة هيكلة هذه المشاريع والمؤسسات بحيث تتحول الى مؤسسات ناجحة بدلا من مشاريع اعاشية , مثقلة بالمديونيات , وتنتظر الاعانات وخاصة الخارجية , فى وقت يعلم الجميع مصادر وحجم الموازنة للدولة اّنذاك , وأعتقد جازما , أن خروجه من الحكومة جاء لألتزامه الصارم بمايؤمن به , والكل يزكر عام 1995وقت مغادرته لمنصبه , واصرار الحكومة لوقف تعويم الدولار , والرجوع به للمربع الاول , كذلك نزكر فى ذلك التاريخ , كيف أن قسطا وافر من ميزانية وزارة المالية وجهت لمؤسسات تمويلية خاصة لتسهيل حصول بعض الفئاّت على تمويل يبدو فى ظاهره , تمويل من بنوك خاصة , ولكن الحقيقة غير ذلك , حيث أن القوانين لاتسمح بتمويل خاص من وزارة المالية , وكان التمويل يقدم دونما ضمانات كافية , سوى الولاء , ولتعمل فى نشاطات هامشية لاتعود بأرباح مالية , أو سمها اقتصادية , بل يمكن أن نطلق عليه سياسة التمكين , وان كان مفهومى للتمكين هو بناء أسس راسخة وعادلة بين كافة شرائح المجتمع . وهو مما قاد اقتصاد البلاد لما نشهده اليوم فى تشوه مكوناته , واضمحلال اليات الاقتصاد الحقيقى فى قبالة الانشطة الطفيلية , والتى لاتمكن بأى حال من الاحوال لبناء اقتصاد قوى قائم على تمكين كافة شرائح المجتمع بمختلف الوان طيفهم السياسى فى الدفع بعجلة التنمية , وهو سمة المجتمعات المتحضرة , وليس القائمة على استعداء معظم شرائح المجتمع واغواء المستضعفين منهم , فبالتأكيد هذا لايصنع بنية اقتصادية واجتماعية متماسكة , وهذا ليس ادعاءا , فكانت ولازالت سياسة محاصرة النشاطات الاقتصادية للذين اختلفوا أو لازالوا يختلفون مع الانقاذ جارية ومن خلال العديد من السياسات , وهناك رموزا كبيرة اقتصادية انتهارت من جراء تلك الممارسات ويعلمها الجميع , وهنا يراها الانقاذيون نصرا , ولكنى اخالفهم تماما , فهو تعبير عن انهيار الركائز الاقتصادية للبلاد , وفتح الباب واسعا لرهن اقتصاد البلاد للخارج , وهو مايجرى الان فعليا , فقد ذهب القطاع الزراعى وانهار تماما , رغم محاولات البعض لاظهاره بالمقاوم للانهيار , واصبحنا دولة مستهلكة للمواد الغذائية من الخارج بأمتياز , أما نلبس مما نصنع والتى نادت بها الانقاذ , فالانقاذيون أنفسهم يلبسون وارد الصين والهند واليابان والثياب السويسرية , أسوة ببقية المجتمع , والذى يكذبنى ليوجه سؤالا حول وارداتنا من السلع الغذائية والمنسوجات أو الملابس الجاهزة للسيد وزير التجارة , ولنقارن ذلك بصادراتنا وطبيعتها , وليفصل لنا ميزاننا التجارى مع الدول الرئيسية التى نتعامل معها فى الشأن التجارى والاقتصادى . أن الامر يتطلب وقفة نقد ذاتى جرىء من قبل القائمين على الامر , والجلوس حول مائدة مستديرة مع ذوى الخبرة والاختصاص , من كافة الوان الطيف السياسى , ليتم تدارك الامر بحكمة ورؤية موضوعية , وليس من منطلق الدعاية الانتخابية والتى لم يجنى منها السودان سوى التنازع والتشرزم وضياع الفرص والموارد , ووقتها رغم كل ماحدث سيحترم المواطن خطوة الحكومة لانها ارتفعت فوق الصغائر وهذا هو التمكين الحقيقى , أى أن يقف خلفك الجميع دون أغراءات ودونما رياء , ووقتها سيحتار خصوم السودان الذين يتخذون من حكومة الانقاذ مطية لتمرير مخططاتهم لتكبيل هذا الشعب المعطاء من استغلال ثرواته للوصول لمجتمع الرفاهية .
أقول ذلك كمدخل حتى يتفهم القارىء الكريم ما أرمى اليه , وحتى لايساء الفهم , فما كنت يوما انقاذيا , ولا أفضل التحزب والتشرذم , ولا أؤمن بالحزبية أصلا , ولكنى أؤمن ايمانا راسخا بالعمل القومى الشامل والديمقراطى القائم على مشاركة الجميع , دون اقصاء أحد , فكل مواطن سودانى يشكل ثروة بالنسبة لهذا الوطن مهما أختلفت معه , وكان هذا نهجى على الدوام . وبالعودة للانتقادات التى وجهها الاستاذ عبد الرحيم حمدى لاخفاق الخارطة الاستثمارية , وحسب مازكر رؤيته لأستحواز على الاراضى واعمال القوانين فى هذا الشأن , ومع احترامى وتقديرى لشخصه , الا أنه فى دائرة الشأن الزراعى يبدو أنه بعيد بعض الشىء عن جوانبه العلمية والفنية , وسياساته المعقدة , فهو مجال , وكما يقولون أهل مكة أدرى بشعابها , فاسقاطات الاقتصاد البحت يتم تعاطيها فى الدائرة الزراعية بما أسميه أنا شخصيا Socio-Techno-Economics الا وهو التعاطى مع القضية فى معالجتها من المنظور الاقتصاد الاجتماعى والتقنى (العلمى ) , وأحمد الله أنه اصبح اليوم أحد أهم ركائز الحركة الدولية لمعالجة قضايا التنمية بالدول النامية , وهو مفهوم من مسماه يقوم على رسم الخطط والسياسات التنموية بالدول النامية مستلهمتا الواقع الاجتماعى والارث الثقافى للشعوب واّخذة بأسباب العلم والتكنولوجيا للوصول للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المستدامة . وبناءا على هذه الفلسفة يصبح اعمال قوانين السبعينات والتى تعنى بنزع الاراضى بحسبان سلطة الدولة أمر يتطلب تفهم الدولة بشكل جيد لهذه الفلسفة , بحيث تأتى القرارات والخطط والسياسات ترجمة لاهداف هذه الفلسفة وليست خصما عليها , فنزع الاراضى لتصفية الحسابات وانتهاك حقوق الفئات الضعيفة بالمجتمعات وتهجيرهم وعدم احترام أرثهم الثقافى وبيئتهم الاجتماعية وتشريدهم تحت أى مصوغ , يعاقب عليه القانون الدولى , وأعتقد أن الاستاذ / عبد الرحيم حمدى لم يضطلع بعد على البروتوكول الاختيارى الملحق بالعهد الدولى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لحقوق الانسان , والذى صدقت عليه حتى الان (30) دولة , وكذلك فى التعبير عن رأيه هذا يبدو أنه لايتابع مايجرى بروما الان , وأدعوه عبر هذا المنبر ليضطلع على المحاور الاربعة الاساسية لمنتدى السيادة الشعبية على الغذاء والذى يصاحب انعقاد القمة العالمية للأمن الغذائى , ولا أعتقد أنه لم يضطلع على ال(53) مادة التى حوتها مسودة الامانة العامة للفاو الموزعة على الدول الاعضاء لدراستها تهيئة لاجازتها كأعلان للقمة , وماحوته فى جانب حيازة الاراضى والذى هو ترجمة لروح البروتوكول , وحتى لا أوصف بالمغالاة , وقد لايتسع المجال لتناول حيثيات المنتدى الذى عقدته اللجنة الدولية الشهر الماضى بروما والتى شكلها الامين العام للامم المتحدة , والاوراق القيمة التى تم تداولها , ولكن لابد لى من زكر المحاور الابعة الاساسية لمنتدى السيادة الشعبية للغذاء والذى ستنطلق فعالياته فى الفترة من 13 – 17 نوفمبر الجارى بروما والمحاور هى :
1 – Who decides about food policies?
2 – Who controls food producing resources ?
3 – How is food produced ?
4 – Who has / needs access to food ?
وهى محاور سيتم تداولها من قبل أكثر من 600 مشارك ومراقب من جميع تشكيلات منظمات المجتمع المدنى , وسوف أتناول لاجقا بالتفصيل ماتناولته الاوراق التحضيرية لهذه الحاور فى الحلقات القادمة , وكنت فى الحلقات السابقة عن المنتدى قد فصلت طبيعة المشاركين ولابأس بالتزكير وهم المنظمون(اللجنة التوجيهية الدولية ) , المزارعون , منظمات المنتجين الزراعيين الاقليمية , منظمات صيادى الاسماك , منظمات الرعاة , منظمات الشعوب الاصلية ,الشبكات البيئية , منظمات وشبكات الايكولوجيا الزراعية , منظمات فقراء المدن , الشباب , منظمات حقوق الانسان , المنظمات غير الحكومية , النساء , منظمات السيادة الغذائية , وبدعم من التصنيف الدولى لبراءات السيادة الغذائية
أزكر ذلك حتى يدرك الجميع أن ليس فقط أمر التصرف فى الاراضى الزراعية لوحده هو المعنى بمايجرى فى روما , وأنما كل مايتعلق بالشأن الغذائى من حيث السياسات الزراعية , موازنات الدول العامة , حوكمة الامن الغذائى العالمى , الاستثمارات والتمويل من القطاع العام , الاستثمارات من القطاع الخاص , التجارة ودعم المزارعين , استقرار الاسواق , بناء المؤسسات والقدرات , جودة الاغذية وسلامتها , الاّفات والامراض الحيوانية والنباتية العابرة للحدود , تغيّر المناخ .
لكل ذلك أقول للاستاذ / عبد الرحيم حمدى أن ماطرحته يتفق تماما مع سبعينات القرن الماضى , ولنقل قد يتفق مع ماقبل اجازة بروتوكول حماية حق الغذاء , وماقبل قمة روما التى سوف تعقد فى الفترة من 16 – 18 نوفمبر الجارى , وهو ما أسميه مرحلة الحوكمة الدولية لشأن الغذاء بالدول النامية , فالمجتمع الدولى قد عقد العزم على محاربة الجوع والفقر وانتهاك حق الغذاء بكل مكوناته سوى رضى البعض أم أبوا , لذلك يجب أن تأتى اطروحاتنا متماشية مع الارادة الدولية , محترمة لارادة مكونات شعوبنا وارثها , وقد جربنا كثيرا الرقص خارج الحلبة , فماذا جنيننا , والتعاطى بعلمية وموضوعية يجنبنا الكثير من المزالق , ويفوت على المتربصين بالوطن الاستفادة من تسخير الانجازات السامية على المسرح الدولى من خلال أخطائنا لتمرير سيناريوهاتهم التى لاتخفى على أحد , ولا أملك هنا وفى الختام , أن أورد ماجاء فى اخر اعلان مدريد للجنة التوجيهية لمنتدى السيادة الغذائية والصادر بتاريخ 27/يناير/2009
The governance structure for a UN space for food and agriculture has to be Rome – based and must include the representative of all member countries . One country one vote , not one dollar one vote .
وحتى نلتقى بأذن الله لمتابعة فعاليات منتدى السيادة الشعبية للغذاء والقمة العالمية للامن الغذائى .
والله من وراء القصد
عاطف عبد المجيد محمد
عضو الشبكة الدولية لأولوية الغذاء – هايدلبرق – المانيا
عضو الجمعية الدولية لعلوم البساتين – بروكسل – بلجيكا
الخرطوم بحرى – السودان
تلفون :00249912956441
بريد الكترونى :atifabdu1959@hotmail.com
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة