|
المحكمة المختلطة وتصريحات بعض الإنقاذيين المخجلة/الصادق حمدين
عندما كان تابو أمفوييلوا مبيكي رئيسا لجمهورية جنوب إفريقيا كان يمارس سياسة في تعاطيه مع الشأن الإقليمي والدولي، فكانت لغة الاقتصاد والمصالح هي التي تحدد سقف مواقفه وتصريحاته من كل القضايا التي ينظر إليها وفقا لمصلحة بلاده، وقضية دارفور ليست استثناءا من تلك القضايا، فالرمادية التي كانت تزين لوحة سياسته تجاه أسوأ قضية إنسانية شهدها القرن الحالي كانت نوعا ما مبررة بمنطق السياسة الذي لا يعرف لغة غير لغة المصالح، وإن كانت تلك المواقف والتصريحات غير مقبولة بلغة العدالة والقانون.
*أما وقد ترجل تابو مبيكي من رئاسة دولته وترأس لجنة حكماء إفريقيا للبحث في كيفية التعامل قضائيا مع قضية دارفور في نطاقها الأفريقي فإن الأمر برأينا لم يعد كذلك. لأن المحكمة المختلطة ليست هي البديل لمحكمة الجنايات الدولية بأي حال من الأحوال، بل ستكون مكملة لها في محاكمة كل الضالعين من الكوادر الوسيطة، وصغار الضباط، والجنود في الجرائم الخطيرة التي حدثت بدارفور، أما موضوع قادة النظام وعلي رأسهم البشير فقد حسم أمرهم التقرير نفسه عندما لم يشر إلي أي تعارض بين المحكمة الجنائية الدولية والمحاكم المختلطة.
*تسلم مبيكي رئاسة لجنة حكماء إفريقيا وهو مثقل بتداعيات تصريحاته ومواقفه السياسية عندما كان رئيسا لبلاده الأمر الذي بدا وكأن هذه اللجنة هي مخرج دبلوماسي من أن يواجه المتهمين بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور العدالة الدولية لتقربهم خطوة أو خطوات من الإفلات من العقاب.
*وعلي هذه الخلفية جاءت تصريحات بعض قادة الحركات المسلحة في رفض المحكمة المختلطة وتوصيات لجنة تابو مبيكي برمتها، ولا ندري علي ماذا استند كل من بشير يحي بولاد الناطق الرسمي لحركة تحرير السودان، ومحجوب حسين الناطق الرسمي لحركة تحرير السودان القيادة الجماعية علي تصريحاتهما تلك، ولو تريثا قليلا وقرءا التقرير لجاء موقفهما ربما مختلفا في تقييم ما وصلت إليه لجنة حكماء إفريقيا.
*وجاءت تصريحات علي عثمان طه حذره كعادته وهرب من التعليق علي التقرير برمته ولجأ إلي القانون والدستور السوداني عله أن يجد فيهما مخرجا من هذه الورطة العدلية التي يشكل رفضها إدانة إفريقية، والقبول بها مواجهة للعدالة التي يخشى مواجهتها كل رموز النظام، ثم أرجع الأمر إلي غموض الفكرة نفسها عندما تحدث عن تحفظات الحكومة (بأنه ليست هناك معلومات عن ما هو المقصود بالمحاكم المختلطة والمعايير وكيف ستعمل هذه المحاكم).
*وفي لقاءه مع الصحفي ضياء الدين بلال صرح غازي صلاح الدين في لغة دائرية لا تخلو من هروب بين، وأرجع الأمر كله إلي المحكمة الدستورية، قائلا هي التي تقرر في دستورية هذه الخطوة واتفق مع علي عثمان طه في غموض المحكمة المختلطة، ثم قفز مباشرة إلي نهايات التقرير بالصفحة 112 من النسخة العربية وبالتحديد الفقرة 302 وقرأ جزئية تتعلق بالحركات المسلحة واعتبار تلك التي ترفض المشاركة في العملية التفاوضية حركات إرهابية متجاوزا الخطوات المهمة التي يجب علي حكومته أن تقوم بها لتسبق تلك المفاوضات وتمهد لها.
*ثم جاء التصريح الذي أسفر عن وجه الإنقاذ الحقيقي وموقفها من المحكمة المختلطة علي لسان د. محمد مندور المهدي القيادي بالمؤتمر الوطني الصادر بجريدة الصحافة بتاريخ 02/11 حيث قال (مقترح لجنة الحكماء الأفارقة بإنشاء محاكم مختلطة لجرائم دارفور أجندة خفية لمدعي المحكمة الجنائية لويس مورينو أوكامبو وأشار ان أوكامبو فشل في تمريرها عبر المحكمة الجنائية ويريد أن يدخل بمدخل آخر ما يسمي بالمحاكم المختلطة).
*هل يمكن لتصريحات مثل هذه أن تكون قادرة بأن تمحو الصور الذهنية الرهيبة التي انطبعت في وجدان وضمير ذاكرة العالم الحر، ذلك العالم الذي يتشوق بأن يري العدالة تتحقق اليوم قبل الغد، تلك التصريحات التي تظهر طبيعة خوف الجاني من الأفكار والهواجس التي تراوده وخاصة عندما يفكر بصوت عالي وتتجسد هواجسه في شكل تصريحات مثل هذه، لأن مثل هذه التصريحات تحدد مصير واستقرار وطن بحاله، ولا أحد من أفراد هذا الشعب السوداني يتخيل في أكثر أحلامه المرعبة جموحا بأن يأتي يوما ويكون مثل هؤلاء الذين يتنفسون رياءا ونفاقا وكذبا هم قادته وولاة أمره غصبا عن إرادته.
*وقبل أن نتناول تصريح السيد مندور المهدي لابد من التطرق إلي دستورية أو عدم دستورية لجنة حكماء إفريقيا وإنشاءها لهذه المحكمة المختلطة، استندت لجنة حكماء إفريقيا علي الدستور السوداني نفسه ذلك الدستور الذي غابت نصوصه علي المحامي والسياسي علي عثمان طه حيث جاء في التقرير الفقرة 322 صفحة 117 (راجع القسم 23 من قانون الهيئة القضائية لعام 1986 وفي هذا الصدد تلاحظ لجنة الحكماء أن دستور السودان لا يمنع صراحة تعيين غير المواطنين السودانيين في الهيئة القضائية في السودان وبالتالي لن يحتاج إلي تعديل).
*السياسي الذي يتصدى دون تكليف من أحد (الشعب السوداني) لمسؤولية قيادة وطن ويتمتع بكل امتيازات وظيفته علي حساب دافعي الضرائب ويعجز عن فك شفرة طلاسم الأجندة الخفية التي تضر حسب رأيه بالوطن والمواطن ليس جديرا بالتصدي لقضايا هذا الوطن والتحديات التي تواجهه، وإلا لم يقل لنا السيد المندور ما هي علاقة أوكامبو بتقرير لجنة حكماء إفريقيا؟، وفي أي جزئية من التقرير تدخل أوكامبو؟، أم أن مجرد مقابلة لجنة حكماء إفريقيا لأوكامبو تُعتبر في نظره أجنده خفية، وهل قال تحفظاته تلك للجنة عندما التقت به ضمن قادة آخرين في إطار التفاكر والتشاور بخصوص المحكمة المختلطة وغيرها من القضايا التي يتوقف علي حلها بقاء السودان نفسه؟.
*ولماذا يختزل السيد المندور التقرير كله في شقه العقابي الذي تمثل في المحكمة المختلطة مع إن التقرير تناول في كل صفحاته وتكلم بالتفصيل عن أزمة السودان في دارفور وأطلق عليها (مشكلة السودان في دارفور) وتناول تاريخيا المظالم الاقتصادية والسياسية التي عاني منها الهامش ولا سيما إقليم دارفور وأرجع سبب الأزمة وجذورها إلي هيمنة الأقلية في المركز علي مقاليد الأمور منذ خروج الاستعمار وحتى يومنا هذا.
*والتقرير الذي اعتبره مندور المهدي يد أوكامبو الإفريقية معتمدا علي هواجسه والخوف من أن يري العدالة بمختلف وجوهها إذا كانت عدالة إفريقية، أو محلية، أو مختلطة، أو دولية وهي تتحقق علما بأن مثل هذه القضايا ليس من المتصور أن يتورط فيها بضع أفراد، فجهاز الدولة كله مسؤول عن الذي حدث من مجازر رهيبة في دارفور.
*مع أنه من الذين تمت مقابلتهم حسب تقرير لجنة الحكماء، حيث أوردوا إن هذا التقرير هو حصيلة أربعة مهمات أجراها الفريق في السودان استغرقت حوالي أربعين يوما تمت خلالها مقابلة ما يربو عن 2700 ممثل لأهل دارفور، ونحو 400 ممثل في الخرطوم، فضلا عن الزيارات الأخرى، وإجراء عدد من المقابلات مع ممثلي المجتمع الدولي ككل، وكل ذلك تم في إطار الركائز الثلاثة المتمثلة في السلام، والمصالحة، والعدالة، وهي أهداف مترابطة يتوقف بعضها علي البعض الآخر ويتعين تحقيقيها جميعا.
*أيدري السيد مندور المهدي لماذا كل هذا الاهتمام الدولي والإقليمي بمشكلة دارفور إذا كان يدري وقال تصريحه هذا فهي مشكلة، وإذا كان لا يدري فالمشكلة أعظم، فالسودان يا سيد مندور الذي صار تحدد كل توجهاته وترسم سياسته فوبيا أوكامبو محاطا بتسعة دول إفريقية ويُعتبر العمق الاستراتيجي بالنسبة لإفريقيا، وليس مجرد بوابة للعالم العربي إلي إفريقيا كما يردد دائما وأبدا دعاة العروبة والإسلام.
*فمشكلة دارفور ورغم الاهتمام الدولي بها أحدثت عدم استقرار في الجارة تشاد والجارة إفريقيا الوسطي وإذا لم تعالج بالسرعة المطلوبة ستعم الفوضى إفريقيا كلها ومنها العالم بأثره، أم ان السيد المندور رأي من حقه بأن يختزل العالم كله في مكتبه ويصرح خارج نص الحقيقة كما يشاء.
*أما أوكامبو وقبل تشكيل لجنة حكماء إفريقيا بل قبل توجيه اتهاماته إلي المتورطين بجرائم حرب في دارفور قال في تصريح له (بأن المحكمة الجنائية الدولية ذات إمكانيات محدودة ولا تستطيع محاكمة كل المتورطين بجرائم حرب هناك).
*وبعد أن يقرأ أوكامبو هذا التقرير سيقول مبتسما كما قال أبو حنيفة رضي الله عنه آن لأوكامبو أن يمد رجليه، لأن التقرير وفي كل جزئياته لم يشر إلي أن المحكمة المختلطة هي وحدها صاحبة الاختصاص في محاكمة المتورطين في الجرائم التي حدثت في دارفور، بل أشار التقرير في جزئية مهمة أكدت هذا الكلام، وهي ما جاء في الفقرة 242 علي صفحة 90 منه ( وتجدر الإشارة إلي أن طلب مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي الموجه إلي مجلس الأمن كان يخص فقط الرئيس البشير).
*تناول السيد مندور المهدي في تصريحه الذي يعكس رأي السلطة الرسمي وموقفها من كل الأجسام العدلية التي تتكلم عن محاسبة مجرمي دارفور عن فشل المحكمة الجنائية دون أن يحدد مواطن هذا الفشل، فالبشير، وأحمد هرون، وكشيب، عمليا هم سجناء الآن، لأن السجن ليس عبارة عن سجان وقضبان فقط، بل هو حالة نفسية في المقام الأول، فحرية الأسفار والتنقل مكفولة لأبسط مواطن سوداني، فهل يستطيع هؤلاء التمتع بهذا الحق؟.
*وهل قضية بمثل هذه الخطورة والحجم يمكن حسمها في شهور؟، أو حتى بضع سنين، علما بأن محاكمات نورمبيرج قد أسدل عليها الستار قبل وقت ليس ببعيد، وما زالت محاكمات كمبوديا منعقدة، والأمر ذاته ينطبق علي محاكمة مجرمي حرب رواندا، ويوغسلافيا السابقة، وما زالت محاكمة قتلة الحريري تراوح مكانها، فأين هو الفشل الذي تكلم عنه المندور إذاً؟، وبالمقابل أين هو النجاح في الخروج من ورطة مواجهة العدالة؟.
*رموز هذا النظام لن يتحملوا كلفة تحقيق العدالة طواعية، وهم معذورون في ذلك لأن "الصائل" لن يستسلم إلا بعد القدرة عليه، هذه هي طبائع الأشياء، وخاصة عندما يكون الخصم هو الحكم، وهذا ما تنبهت إليه لجنة حكماء أفريقيا، عندما أوردت في الفقرة 220 علي صفحة 81 من التقرير (من الواضح ان المشكلة فيما يتعلق بدارفور لم تكن تتعلق بنقص التحليل أو الأفكار حول الآليات الواجب إنشاؤها لمعالجة النزاع، بل كانت الأخطاء تكمن في أماكن أخري).
*وبالفعل أنشأت الحكومة بعض الآليات لذر الرماد في العيون منها: أدخلت ومنذ عام 2005، عدة إجراءات جزائية لتمكين محاكمها الجنائية من أن تأخذ في الاعتبار القانون الجنائي الدولي، منحت المحاكم الخاصة الولاية القضائية للتعامل مع القانون الإنساني الدولي، رغم أن منح الاختصاص لمحكمة لا يرقي إلي مستوي التشريع الموضوعي، وتم إدراج بعض الجرائم الدولية في القانون الجنائي السوداني في يونيو 2009.
*كما تم تفعيل قانون القوات المسلحة لسنة 2007، ليشمل غير أفراد تلك القوات ويُعاقب بموجبه الذين يرتكبون جرائم تصل لمستوي الإبادة الجماعية، بل قامت بخطوات أكثر جرأة عندما أرسلت لجنة التحقيق الوطنية في عام 2005، وتم تعيين مدعي عام خاص بدارفور، ماذا كانت نتيجة هذه الجهود بالطبع كانت صفرا محترما، اعتقال 166 شخصا سرعان ما أعلن السيد وزير العدل سبدرات بأنهم هربوا!! تم اعتقال 13 متهما واتضح أنهم لصوص عاديون وقطاع طرق محترفون!! وما زال مسلسل التسويف مستمرا!!.
*أما أولئك الذين يسترشدون باستقلال القضاء السوداني ونزاهته وعلي رأسهم نجم المسيرات والتظاهرات نقيب المحاميين الذي يناصر كل قضايا العالم إلا ضحايا السودان، فإنهم أبدا لا يشيرون إلي تلك العراقيل التشريعية التي تحول دون محاكمة حتى شرطي عادي، ناهيك عن رئيس الجمهورية الذي تمترس خلف قضبان الحصانة المتينة، بالرغم من وجود المادة 122 من الدستور الوطني الانتقالي التي تمنح المحكمة الدستورية الحق في محاكمة رئيس الجمهورية في حالات علي سبيل الحصر وهي: ارتكابه للخيانة العظمي، أو خرق صريح ومتكرر للدستور، أو خطأ جسيم لإدارته لشئون الدولة، فهل حتى هذه اللحظة لم يرتكب الرئيس أي واحدة من تلك الجرائم؟.
الصادق حمدين
umniaissa@hotmail.com
|