الحــركة الشعــبية ومســتقبل الحــكم
د. ابومحــمد ابوامـــنة
توالت في الفترة الاخيرة تصريجات من قياديي الحركة الشعبية لتحرير السودان تتعلق بمستقبل الحكم في السودان. تفاجأ المراقبون بتصريحات نسبت للسيد سلفا كير النائب الاول لرئيس الجمهورية يؤكد فيها خيار الانفصال في الاستفتاء القادم خلال العامين القادمين, فبينما اختلف المحللون حول مصداقية تلك التصريحات ومنهم من ايدها ومنهم من استنكرها, تفاجأ الجميع بتصريحات للسيد وزير الخارجية السوداني دينق ألور لا لبس فيها ولا غموض قال فيها إن الجنوب يريد "باغلبية ساحقة" اعلان الاستقلال في الاستفتاء القادم, متهما المؤتمر الوطني القضاء على الامل في استمرار الدولة الواحدة.
الي جانب ذلك قامت الكتلة البرلمانية للحركة بمقاطعة جلسات البرلمان مناشدة قيادة البرلمان وحزب المؤتمر الوطنى لخلق فرص جديدة للسلام بإستخدام الطاقة الايجابية التى اوصلتها لاتفاقيات السلام دون تباطؤ او حجج قصيرة السيقان حتى يعبر الجميع الضفة الاخرى نحو سلام دائم وعادل وشامل وتحول ديمقراطى حقيقى، وان تكون مصلحة الوطن فوق الحزب ومصلحة الحزب فوق الاشخاص.
لكن من الواضح ان السياسة التي تتبعها الانقاذ باصرار وعناد ستؤدي لا محالة للانفصال, فهي لا زالت تتمسك بالقوانين المقيدة للحريات, وتكمم الافواه وتهمش حتي شريكها في الحكم فكما هو واضح للجميع فحتي السيد سلفا كير لا يتمتع باي سلطة تنفيذية في الشمال وكذلك وزراء الحركة وكوادرها الذين تبوؤا المناصب تنفيذا لاتفاقية السلام فقامت الانقاذ بسلبهم كل السلطات فصاروا مجرد ديكورات ونمورا من ورق بينما تدفع الانقاذ بكوادرها لتسيير كل مرافق الدولة بعيدا عن الشريك الغير مرغوب فيه.
كذلك مما يدفع الحركة الشعبية للتصريحات الغاضبة والي مواقف المقاطعة هي سياسة استيلاء الانقاذ علي نصيب الاسد من عائدات البترول واهمال التنمية في الجنوب لما في كل الاقاليم الاخري المهمشة بيمنا تركيز الاتماء يتواصل في اواسط وشمال السودان حيث تشييد السدود والخزانات ومحطات توليد الكهرباء ومصانع تركيب العربات والطائرات والكباري المتعددة والاتارة, ولا زال باختصار النصيب الاكبر من الميزانية يتدفق علي المثلث اياه.
كما تندفع الانقاذ في تسليح اجهزتها الامنية بشكل محموم وتسلح بنفس الاندفاع مليشيات تابعة لها في الجنوب لخلخلة الاوضاع وخلق حالة عدم استقرار حتي تجد الانقاذ الفرصة لتأجيل الاستفتاء الي اجل غير مسمي.
من الواضح ان الانقاذ لن ترخي قبضتها الحديدية علي الاوضاع, لن تتخلي عن قوانين القمع والارهاب, لن تجري الانتخابات الحرة النزية, لن توفر الحريات العامة, فالتفريط في هذه اوتلك معناه نهاية دولة الاستبداد والجبروت. ان الانقاذ لن ترضي بقيام نظام ديمقراطى للحكم ياخذ فى الحسبان التنوع الثقافى والعرقى والدينى واللغة والمساواة بين الاجناس, فهي التي اشعلت نيران الاستبداد والاستعلاء العرقي ونظرت باحتقار الي كل ما هو ليس عربيا او اسلاميا, وعندما صعدت حربها ضد السودانيين في الجنوب اعطت ذلك غطاء دينيا وسمته الجهاد ووعدت الغزاة بالجنة والحور العين.
ان الانقاذ لن ترضي ان تضع حبل المشنقة حول عنقها بنفسها, الا ان شعبنا عندما يتوحد في شماله وجنوبه سيطيح بالنظام الجائر ويحاسب المجرمين علي كل افعالهم التي ارتكبت خلال السنين السوداء من حكمهم. لن يفلت السفاحون من العقاب.
ان تصريحات الانفصال التي تنطلق من قيادات الحركة الشعبية تجئ كرد فعل لاعمال الانقاذ وهي تصريحت مشروطة بتحقيق هذا المطلب او ذاك. ولكن كما هو معروف فان قيادة الحركة الشعبية قد وضعت بناء السودان الحديث علي اعلي اجندتها مما دفع بالجماهير في الشمال كما في الجنوب للالتفاف حولها . يجب علي القيادة الحالية ان تمضي في خطاها الشجاعة وتضع بوضوح بناء السودان الحر الموحد كهدف استراتيجي بعيدا عن المناورات وتسعي لتحقيقه طال الزمن او بعد.
من اجل هذا الهدف النبيل خاضت الحركة الشعبية المعارك الجبارة وخلخلت اركان الانقاذ وقدمت في سبيل ذلك الالاف المؤلفة من الشهداء والتضحيات الضخمة, فليتواصل النضال من اجل الاطاحة بحكم الطغاة ومن اجل بناء السودان الجديد. ان الانقاذ لا تريد لنا سودانا جديدا وستكون هي التي حققت هدفها عندما تتخلي الحركة عن شعاراتها اتبيلة وتنزوي.
ان الجنوبي يعتبر مواطنا من الدرجة الثانية او الدرجة العاشرة كما يقول الكاتب الكبير شوقي بدري ولكن يشاركه في هذا الموقع اخوة له في الشرق, وفي الغرب وفي الشمال. لقد خاض ابناء البجا المعارك علي الساحة الشرقية جنبا الي جنب مع جيش الحركة وقدموا الشهداء والتضحيات من اجل بناء السودان الجديد.
ان الجماهير عندما تتكاتف في الشرق والجنوب والغرب والشمال لقادرة بالاطاحة بحكم الطغاة المستبدين وتحقيق السلام الدائم والعادل والشامل والتحول الديمقراطى الحقيقى، بناء السودان الموحد الذي يحقق المساواة بين جميع افراده في الجنوب والغرب والشرق والشمال.
فلنتوحد لتحقيق هذا الانجاز.